pcfaster

http://islamstory.com/uploads/Alroqyah.jpg

الرقية الشرعية


العودة   منتدى قصة الإسلام > دراسات تاريخية > مكتبة قصة الإسلام

مكتبة قصة الإسلام ملخص لأهم الكتب الإسلامية منها والعلمية والتي تخدم المسلم في شتى مناحي الحياة.

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-11-2010, 03:38 PM   المشاركة رقم: 5 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو فعال


البيانات
التسجيل: 2 - 11 - 2009
العضوية: 8706
المشاركات: 135 [+]
بمعدل : 0.07 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 59
مصطفى الكومي متميز

الإتصالات
الحالة:
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مصطفى الكومي المنتدى : مكتبة قصة الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
المساواة الإنسانية
وإذا استشعر الضمير كل هذا التحرر الوجداني ؛ فخَلُص من كل ظل للعبودية إلا لله , وأمن الموت والأذى والفقر والذل إلا بإذن الله ؛ وانفلت من ضغط القيم الاجتماعية والمالية ؛ ونجا من ذل الحاجة والمسألة ؛ وتسامى على شهواته ومطامعه ؛ وتوجه إلى الخالق الواحد الأحد الذي يتوجه له الجميع بلا استثناء ولا استعلاء ؛ ووجد بعد ذلك كله كفايته من ضرورات الحياة مكفولة بحكم التشريع والنظام . .
إذا استشعر الضمير البشري هذا كله ووجد من الضمانات الواقعية والقانونية ما يؤكد في نفسه هذا الشعور , فلن يكون في حاجة لمن يهتف بالمساواة لفظاً وقد استشعرها في أعماقه معنى , ووجدها في حياته واقعاً؛ بل لن يصبر على التفاوت القائم على تلك القيم إطلاقاً . سيطلب حقه في المساواة ؛ وسيجاهد لتقرير هذا الحق , وسيحتفظ به حين يناله ؛ ولن يقبل منه بديلاً ؛ وسيصبر على تكاليف الاحتفاظ به , والذياد عنه , ومهما بذل في ذلك من جهد وتضحية .
ولن يكون الفقير والضعيف وحدهما الحريصين على مبدأ المساواة النابع من الضمير , المصون بالتشريع , المكفول بالاكتفاء وحرية النشاط والارتزاق ؛ بل إن الغني والقوي سينزلان عنده بحكم استشعار ضميرهما تلك المعاني , التي حرص الإسلام على تقريرها وتثبيتها فيما أسلفنا . . وذلك ما وقع بالفعل في المجتمع الإسلامي الأول قبل أربعة عشر قرناً , مما سيأتي في موضعه في هذا الكتاب .
ولكن الإسلام مع ذلك لم يكتف بالمفهومات الضمنية المستفادة من التحرر الوجداني , فقرر مبدأ المساواة باللفظ والنص , وليكون كل شيء واضحاً مقرراً منطوقاً . وفي الوقت الذي كان البعض يَدَّعي و يُصدق أنه من نسل الآلهة , وبعضهم يدعي ويصدق أن الدماء التي تجري في عروقه ليست من نوع دماء العامة , وإنما هو الدم الأزرق الملوكي النبيل ! وفي الوقت الذي كانت بعض الملل والنحل تفرق الشعوب إلى طبقات خلق بعضها من رأس الإله فهي مقدسة , وخلق بعضها من قدميه فهي منبوذة ! وفي الوقت الذي كان الجدل حول المرأة : أهي ذات روح أم لا روح فيها ! وفي الوقت الذي كان يباح فيه للسيد أن يقتل عبيده ويعذبهم . لأنهم من نوع آخر غير نوع السادة . . .
في هذا الوقت جاء الإسلام ليقرر وحدة الجنس البشري في المنشأ والمصير , في المحيا والممات , في الحقوق والواجبات , أمام القانون وأمام الله , في الدنيا وفي الآخرة , لا فضل إلا للعمل الصالح , ولا كرامة إلا للأتقى .
لقد كانت وثبة بالإنسانية لم يعرف التاريخ لها نظيرً ؛ ولا تزال إلى هذه اللحظة قمة لم يرتفع إليها البشر أبداً . بل لقد كانت نشأة أخرى للبشرية يولد فيها "الإنسان"الأسمى! الأمر الذي تراجعت عنه البشرية , ولم تبلغ إليه أبداً إلا في ظل هذا المنهج الرباني .
كلا لم ينسل الإله أحداً : " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"(الإخلاص).." وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)"(مريم).
ثم كلا ! ليس هناك من دم أزرق ودم عادي ؛ وما خلق أحد من رأس وخلق آخر من قدم : " أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ"(23المرسلات).." فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ"(7الطلاق) .."وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (11فاطر) .." وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"(14المؤمنون) .
ويمضي القرآن يكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة ليُقر في خلد الإنسان وحدة أصله ونشأته : الجنس كله من تراب , والفرد ـ كل فرد ـ من ماء مهين , ويكرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أحاديثه : "أنتم بنو آدم , وآدم من تراب"(مسلم وأبو داود) كيما يزيد استقراراً في المشاعر والأخلاد .
فإذا انتفى أن يكون فرد أفضل بطبيعته من فرد ؛ فليس هناك من جنس وليس هنالك من , هو بنشأته وعنصره أفضل ـ كما لا يزال بعض الأجناس إلى هذه اللحظة يتشدق ـ كلا " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً "(1النساء) .. فهي نفس واحدة وزوجها منها ,ومنهما انبث الرجال والنساء . فهم من أصل واحد , وهم أخوة في النسب , وهم متساوون في الأصل والنشأة :" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ "(13الحجرات) . . فليست هذه الشعوب والقبائل لتتفاخر أو تتناكر , بل لتتعارف وتتآلف . وكلها عند الله سواء , ولا تتفاضل إلا بالتقوى . وتلك مسألة أخرى لا علاقة لها بالأصل والنشأة , ذلك أن الناس كلهم سواء لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى .. وأول التقوى الإسلام لله وحده . وإلا فلا تقوى ولا صلاح أصلاً .
ولقد برئ الإسلام من العصبية القبلية والعنصرية ـ إلى جانب براءته من عصبية النسب والأسرة . فبلغ بذلك مستوى لم تصل إليه " الحضارة" الغربية إلى يومنا هذا . الحضارة التي تبيح للضمير الأمريكي إفناء عنصر الهنود الحمر إفناء منظمً تحت سمع الدول وبصرها , كما تبيح تلك التفرقة النكدة بين البيض والسود , وتلك الوحشية البشعة . والتي تبيح لحكومة جنوب أفريقيا أن تجهر بالقوانين العنصرية ضد الملونين , وتبيح لحكومات روسيا والصين والهند والحبشة ويوغسلافيا وغيرها إفناء المسلمين بالجملة . !
* * *
وتعقب الإسلام مظان التفاوت والتفاضل ـ إلا بالتقوى والعمل الصالح ـ في كل صورها وملابساتها وأسبابها , ليقضي عليها جميعا . فهذا النبي محمد , ما يفتأ القرآن يذكر الناس أنه بشر كسائر البشر , وما فتأ محمد ذاته يكرر هذا المعنى , أن كان نبياً محبوباً من قومه مبجلاً ,فخيف أن ينقلب ذلك الحب وهذا التبجيل إلى تأليه أو قدسية لا تكون إلا لله . فها هو ذا يقول لقومه : "لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم , فإنما أنا عبد , فقولوا عبد الله ورسوله"(البخاري) . ويقول وقد خرج على جماعة فوقفوا له تبجيلاً " من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار "(أبو داود والترمذي) .
ولما كان أهل محمد مظنة أن يقدسوا نبههم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أنه لا يملك لهم من الله شيئاً :" يا معشر قريش لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً . يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً . . . "(متفق عليه).
وحين أصابت محمداً الإنسان لحظة حرص بشري , فانصرف عن الرجل الفقير ابن أم مكتوم إلى الوليد بن المغيرة سيد قومه , عاجله العتاب الشديد الذي يشبه التأنيب , ليرد للمساواة المطلقة معاييرها الكاملة .
وحين كان بعض ذوي الثراء والأنساب يأنف أن يتزوج من الفقراء والفقيرات جاء أمر الله :" وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "(32النور)..
* * *
فأما بين الجنسين فقد كفل للمرأة مساواة تامة مع الرجل من حيث الجنس والحقوق الإنسانية ؛ ولم يقرر التفاضل إلا في بعض الملابسات المتعلقة بالاستعداد أو الدربة أو التبعة , مما لا يؤثر على حقيقة الوضع الإنساني للجنسين ؛ فحيثما تساوى الاستعداد والدربة والتبعة تساويا , وحيثما اختلف شيء من ذلك كان التفاوت بحسبه .
ففي الناحية الدينية والروحية يتساويان : " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا "(124النساء).. " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "(97النحل) . . " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ .."(195آل عمران) .
وفي ناحية الأهلية للملك والتصرف الاقتصادي يتساويان : " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ "(7النساء) .." لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ"(34النساء).
فأما إيثار الرجل بضعف نصيب المرأة في الميراث , فمردُّهُ إلى التبعة التي يضطلع بها الرجل في الحياة ؛ فهو يتزوج امرأة يكلف إعالتها , وإعالة أبنائهما , وبناء الأسرة كله هو مكلف به وعليه وحده تبعة الديات والتعويضات . فمن حقه أن يكون له حظ الأنثيين لهذا السبب وحده . بينما هي مكفولة الرزق , إذا تزوجت , بما يعولها الرجل , ومكفولة الرزق إن عنست أو ترملت , بما ورثت من مال , أو بكفالة قرابتها من الرجال . فالمسألة هنا مسألة تفاوت في التبعة اقتضى تفاوت في الإرث .
وأما أن الرجل قوام عليها : " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ "(34النساء) فوجه التفضيل هو الاستعداد والدربة والمرانة فيما يختص بالقوامة . فالرجل بحكم تخلصه من تكاليف الأمومة يواجه أمور المجتمع فترة أطول , ويتهيأ لها بقواه الفكرية جميعاً , بينما تحتجز هذه التكاليف المرأة معظم أيامها ؛ فوق أن تكاليف الأمومة تنمي في المرأة جانب العواطف والانفعالات , بقدر ما ينمو في الرجل جانب التأمل والتفكير , فإذا جعلت له القوامة على المرأة فبحكم الاستعداد والدربة لهذه الوظيفة , فوق أنه المكلف بالإنفاق ؛ وللناحية المالية صلة قوية بالقوامة ؛ فهو حق مقابل تكليف , وينتهي في حقيقته بالمساواة بين الحقوق والتكاليف في محيط الجنسين ومحيط الحياة .
فأما حين يرد الأمر إلى الدائرة الإنسانية المجردة من ملابسات الوظائف العملية , فللمرأة من حق الرعاية أكثر مما للرجل . وهو الحق الذي يقابل حق القوامة . وجاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال :"يا رسول الله , من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك قال ثم من ؟ قال : أمك . قال ثم من ؟ قال : أمك .قال ثم من ؟ قال: أبوك "(الشيخان) .
ولقد يبدو أن هناك تفضيلاً آخر في مسألة الشهادة : " وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى "(282البقرة) .. وفي الآية نفسها بيان العلة . فالمرأة بطبيعة وظائف الأمومة ينمو في نفسها جانب العواطف والانفعالات بقدر ما ينمو في الرجل جانب التأمل والتفكير كما أسلفنا . فإذا نسيت أو جرفها انفعال , كانت الثانية مذكرة لها . فالمسألة ملابسة عملية في الحياة , لا مسألة إيثار جنس لذاته على جنس وعدم مساواة .
وحسب الإسلام ما كفل للمرأة من مساواة دينية , ومن مساواة في التملك والكسب ؛ وما حقق لها من ضمانات في الزواج بإذنها ورضاها , دون إكراه ولا إهمال : "لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها الصموت "(الشيخان) . وفي مهرها : " فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً "(24النساء) . . وفي سائر حقوقها الزوجية , زوجة أو مطلقة : " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا "(231البقرة).. "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ"(19النساء).
ويجب أن نذكر أن الإسلام ضمن للمرأة هذه الحقوق , ووفر لها كل هذه الضمانات بروح تكريمية خالصة , ليست مشوبة بضغط الاقتصاديات والماديات . فلقد حارب فكرة أن المرأة عالة يحسن التخلص منها وهي وليدة , فحارب عادة الوأد التي كانت معروفة في حياة بعض القبائل العربية حرباً لا هوادة فيها , وعالج هذه العادة بنفس الروح التكريمية الخالصة التي ينظر بها إلى البشر . فنهى نهي تحريم عن القتل عامة ولم يستثن : "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ"(151الأنعام).. ونهى بالتخصيص عن قتل الأولاد ـ وما كان يقتل من الأولاد سوى الإناث :" وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ"(31الإسراء).. وقدم رزق الأولاد في هذه الآية لأنهم سبب الخشية من الإملاق , ليملأ صدور الآباء ثقة برزق الله وكفالته للأولاد قبل الآباء ! ثم استجاش وجدان العدل والرحمة وهو يقول عن يوم القيامة : " وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ"(9التكوير).. فجعل هذا موضع سؤال استنكاري بارز ظاهر في ذلك اليوم الرهيب .
فالإسلام إذن حين منح المرأة حقوقها الروحية والمادية كان ينظر إلي صفتها الإنسانية , ويسير مع نظرته إلى وحدة الإنسان:" خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا "(189الأعراف).. وكان يريد رفعها إلى حيث يجب أن يكون شطر " النفس"الواحدة .
ويجب أن نذكر هذا للإسلام , أن نذكر بجانبه أن الحرية التي منحها الغرب المادي للمرأة لم تفض من النبع الكريم ولم تكن دوافعها هي دوافع الإسلام البريئة .
ويحسن ألا ننسى التاريخ ؛ وألا نفتن بالقشور الخادعة التي تعاصرنا اليوم. يحسن أن نذكر أن الغرب أخرج المرأة من البيت تعمل لأن الرجل هناك نكل عن كفالتها وإعالتها , إلا أن يقتضيها الثمن من عفتها وكرامتها !
عندئذ فقط اضطرت المرأة أن تعمل !
ويحسن أن نذكر أنها حين خرجت للعمل انتهز الغرب المادي حاجتها ؛ واستغل فرصة زيادة العرض ليرخص أجرها ؛ واستغنى أصحاب الأعمال بالمرأة الرخيصة الأجر عن العامل الذي بدأ يرفع رأسه ويطالب بأجر كريم !
وحين طالبت المرأة هناك بالمساواة , كانت تعني أولاً وبالذات المساواة في الأجور لتأكل وتعيش ! فلما لم تستطع هذه المساواة طالبت بحق الانتخاب ليكون لها صوت يحسب حسابه ؛ ثم طالبت بدخول البرلمانات ليكون لها صوت إيجابي في تقرير تلك المساواة! لأن القوانين التي تحكم المجتمع يسنها الرجل وحده ؛ وليست ـ كما في الإسلام ـ من شرع الله , الذي يعدل بين عباده رجالاً ونساءً .
ويحسن ألا ننسى أن فرنسا ظلت إلى عهد الجمهورية الرابعة بعد الحرب الأخيرة لا تمنح المرأة حق التصرف في مالها ـ كما يمنحها الإسلام ذلك ـ إلا بإذن وليها , على حين منحتها حق الدعارة كاملاً بصفة علنية أو سرية ! وهذا الحق الأخير هو الحق الوحيد الذي حرمه الإسلام للمرأة ! لأنه حرمه للرجل كذلك , رعاية لكرامة الإنسان وشعوره , ورفعا لمستوى العلاقات الجنسية لأن تكون علاقة أجساد لا تربطها رابطة من بيت ولا أسرة .
ويجب حين نرى الغرب المادي يقدم المرأة اليوم في بعض الأعمال على الرجل , وبخاصة في المتاجر والسفارات والقنصليات وفي بعض الأعمال الإخبارية كالصحافة ونحوها ..
يجب ألا نغفل عن المعنى الكريه الخبيث في هذا التقديم . إنه النخاسة والرقيق في جو من دخان العنبر والأفيون! إنه استغلال للحاسة الجنسية في نفوس "الزبائن" .فصاحب المتجر , كالدولة التي تعين النساء في السفارات والقنصليات , وكشركة السياحة التي تعين مضيفات , كصاحب الجريدة الذي يدفع بالمرأة إلى التقاط الأحاديث والأخبار , كل منهم يدرك فيما يستخدم المرأة , ويعرف كيف تحصل المرأة على النجاح في هذه الميادين ؛ ويعلم ماذا تبذل للحصول على هذا النجاح !فإن لم تبذل هي شيئاً ـ وهو فرض بعيد ـ فهو يدرك أن شهوات جائعة , وعيون خائنة , ترف حول جسدها وحول حديثها ؛ وهو يستغل ذلك الجوع للكسب المادي والنجاح الصغير! لأن المعاني الإنسانية الكريمة منه بعيد بعيد !
فأما الشيوعية فذات دعوى عرضة في مساواة المرأة بالرجل , تحطيم الأغلال التي تقيد المرأة! والمساواة هي المساواة في العمل والأجر , فقد تحررت المرأة وأصبح لها حق الإباحية كما هو حق للرجل ! لأن المسألة في عرف الشيوعية لا تعدو الاقتصاد . فكل الدوافع البشرية وكل المعاني الإنسانية , كامنة في هذا العنصر وحده من عناصر الحياة !
والحقيقة في صميمها هي نكول الرجل عن إعالة المرأة , واضطرارها أن تعمل مثله وفي دائرته لتعيش , فالشيوعية ـ بهذا ـ هي التكملة الطبيعية لروح الغرب المادية , والفاقدة للمعاني الروحية في حياة البشرية .
يجب أن نذكر هذا كله قبل أن يخدع أبصارنا الوهج الزائف .فالإسلام قد منح المرأة من الحقوق منذ أربعة عشر قرناً ما لم تمنحه إياها "الحضارة"الغربية حتى اليوم. وهو قد منحها ـ عند الحاجة ـ حق العمل وحق الكسب ؛ ولكنه أبقى لها حق الرعاية في الأسرة , لأن الحياة عنده أكبر من المال والجسد , وأهدافها أعلى من مجرد الطعام والشراب ؛ ولأنه ينظر إلى الحياة من جوانبها المتعددة , ويرى لأفرادها وظائف مختلفة , ولكنها متكافلة متناسقة . وبهذه النظرة يرى وظيفة الرجل ووظيفة المرأة ؛ فيوجب على كل منهما أن يؤدي وظيفته أولاً لتنمية الحياة ودفعها للأمام ؛ ويفرض لكل منهما الحقوق الضامنة لتحقيق هذا الهدف الإنساني العام .
* * *
وأخيراً فإن للجنس البشري كله كرامته , التي لا يجوز أن تستذل :" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"(70الإسراء) . . كرمناهم بجنسهم , لا بأشخاصهم ولا بعناصرهم ولا بقبائلهم . فالكرامة للجميع على سبيل المساواة المطلقة , فكلهم لآدم . وإذا كان آدم من تراب ,وإذا كان آدم قد كرم , فأبناؤه جميعا سواء في هذا و في ذاك !
وللناس جميعاً ـ في المجتمع المسلم ـ كرامتهم التي لا يجوز أن تلمز , ولا أن يسخر منها أحد : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(11الحجرات) .. والتعبير العميق الجميل : " وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ". ذو دلالة عجيبة , فلمز المؤمن للمؤمن هو لمزه لنفسه , لأنهم كلهم من نفس واحدة !
وللناس جميعا في المجتمع المسلم حرماتهم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ "(27ـ28النور) .." وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا"(12الحجرات)..
وقيمة هذا الإجراء هو إشعار كل فرد بأن له حرمة لا يجوز أن ينتهكها عليه الآخرون ؛ ولا تقل حرمة أحد عن حرمة أحد ؛ فهم فيها سواء , وهم جميعا مؤمنون , وفي المجتمع المسلم الذي يقوم على منهج الله وشرعه . فيكفل للناس فيه هذه الكرامة , ويصون منهم هذه الحرمات .
* * *
وهكذا يتتبع الإسلام كل ناحية من حياة الناس الوجدانية والاجتماعية , ليؤكد فيها معنى المساواة توكيداً . وما كان في حاجة كما قلنا لأن يتحدث عن المساواة لفظاً وصورة , بعد ما حققها معنى وروحاً , بالتحرر الوجداني الكامل من جميع القيم , وجميع الملابسات , وجميع الضرورات , وكفل لها في عالم الواقع كل الضمانات . ولكنه يحرص على المساواة حرصا شديداً , ويردها إنسانية كاملة غير محدودة بعنصر ولا قبيلة ولا بيت ولا مركز ؛ كما يريدها أبعد مدى من دائرة الاقتصاديات وحدها , مما وقفت عنده المذاهب المادية "العلمية" !

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
التكافل الاجتماعي









توقيع : مصطفى الكومي

رؤى

عرض البوم صور مصطفى الكومي   رد مع اقتباس
قديم 07-11-2010, 03:39 PM   المشاركة رقم: 6 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو فعال


البيانات
التسجيل: 2 - 11 - 2009
العضوية: 8706
المشاركات: 135 [+]
بمعدل : 0.07 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 59
مصطفى الكومي متميز

الإتصالات
الحالة:
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مصطفى الكومي المنتدى : مكتبة قصة الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
التكافل الاجتماعي
لا تستقيم حياة يذهب فيها كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حد ولا مدى , يغذيها شعوره بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط , وبالمساواة المطلقة التي لا يحدها قيد ولا شرط ؛ فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع كما يحطم الفرد ذاته . فللمجتمع مصلحة عليا لا بد أن تنتهي عندها حرية الأفراد ؛ وللفرد ذاته مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته ؛ لكي لا يذهب مع غرائزه وشهواته ولذائذه إلى الحد المردي ؛ ثم لكي لا تصطدم حريته بحرية الآخرين , فتقوم المنازعات التي لا تنتهي , وتستحيل الحرية جحيماً ونكالاً ؛ ويقف نمو الحياة وكمالها عند حدود المصالح الفردية القريبة الآماد . وذلك كالذي حدث في "حرية" النظام الرأسمالي , وما صاحبه من نظريات الحرية الحيوانية للشهوات !
والإسلام يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها , والمساواة الإنسانية في أدق معانيها , ولكنه لا يتركها فوضى , فللمجتمع حسابه , وللإنسانية اعتبارها , وللأهداف العليا للدين قيمتها . لذلك يقرر مبدأ التبعة الفردية , في مقابل الحرية الفردية , ويقرر إلى جانبها التبعة الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها . وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي.
والإسلام يقرر مبدأ التكافل في صوره وأشكاله . فهناك التكافل بين الفرد وذاته , وبين الفرد وأسرته القريبة , وبين الفرد والجماعة , وبين الأمة والأمم , وبين الجيل والأجيال المتعاقبة أيضاً .
هناك تكافل بين الفرد وذاته , فهو مكلف أن ينهي نفسه عن شهواتها ؛ وان يزكيها ويطهرها ؛ وان يسلك بها طريق الصلاح والنجاة ؛ وألا يلقي بها إلى التهلكة :" فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى"(41النازعات).." وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا"(10الشمس).."وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"(195البقرة) . وهو مكلف في الوقت ذاته أن يمتع نفسه في الحدود التي لا تفسد فطرتها , وأن يمنحها حقها من العمل والراحة فلا ينهكها ويضعفها: "وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"(77القصص) .."يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"(31الأعراف).
والتبعة الفردية كاملة . فكل إنسان وعمله . وكل إنسان وما يكسب لنفسه من خير أو شر , ومن حسنة ومن سيئة , ولن يجزي عنه أحد في الدنيا ولا في الآخرة :"كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ"(38المدثر).." أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى"(41النجم).. "لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ"(286البقرة).. "فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ "(41الزمر).." وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ.."(111النساء) .
وبذلك كله يقف الإنسان من نفسه موقف الرقيب , يهديها إن ضلت , ويمنحها حقوقها المشروعة ؛ ويحاسبها إن أخطأت , ويحتمل تبعة إهماله لها . وبذلك يقيم الإسلام من كل فرد شخصيتين , تتراقبان و تتلاحظان , وتتكافلان فيما بينهما في الخير والشر , في مقابل منح هذا الفرد التحرر الوجداني الكامل , والمساواة الإنسانية التامة . فالحرية والتبعة تتكافآن وتتكافلان .
* * *
وهناك تكافل بين الفرد وأسرته القريبة : "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا"(24الإسراء) .. "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ "(14لقمان) . ." وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ "(233البقرة) .
وقيمة التكافل في محيط الأسرة أنه قوامها الذي يمسكها ؛ والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع ، ولا مفر من الاعتراف بقيمتها ؛ وهي تقوم على الميول الثابتة في الفطرة الإنسانية , وعلى عواطف الرحمة والمودة , ومقتضيات الضرورة والمصلحة ؛ كما أنها العش الذي تنشأ فيه وحوله مجموعة الآداب والأخلاق الخاصة بالجنس , وهي في صميمها آداب المجتمع الذي ارتفع عن الإباحية الحيوانية والفوضى الهمجية .
ولقد حاولت الشيوعية أن تقضي على الأسرة بحجة أنها تنمي أحاسيس الأثرة الذاتية وحب التملك ؛ وتمنع الشيوعية الثروة , وشيوعية ملكية الدولة للأفراد . . . ولكنها فيما يبدو قد فشلت في هذا فشلاً تاماً , فالشعب الروسي شعب عائلي , وللعائلة مكانها في نفسه وفي تاريخه , فوق أن الأسرة نظام بيولوجي ونفسي لا نظام اجتماعي فحسب , فتخصيص امرأة لرجل أصلح بيولوجياً وأفلح لإنجاب الأطفال . وقد لوحظ أن المرأة التي يتداولها عدة رجال تعقم بعد فترة معينة أو لا يصح نسلها . أما من الوجهة النفسية فمشاعر المودة والرحمة تنمو في جو الأسرة خيراً مما تنمو في نظام آخر , وتكوين الشخصية يتم في هذا المحيط خيراً مما يتم في أي نظام آخر . وقد أثبتت تجارب الحرب الأخيرة بين أطفال المحاضن , أن الطفل الذي تتناوب تربيته عدة حاضنات تختل شخصيته وتتفكك , ولا تنمو فيه مشاعر الحب والتعاون ؛ كما أن الطفل الذي لا والد له يعاني مركب النقص , ويهرب من هذا الواقع ويتخيل والد لا وجود له , ويتصل به في الخيال , ويصوره في شتى الصور والأشكال .
وليست العوامل البيولوجية والنفسية وحدها , فهناك مقتضيات الضرورة والمصلحة التي تربط بين رجل وامرأة لتكوين بيت ورعاية أطفال , ثم العلاقات التي تربط بين أفراد الأسرة الواحدة , وتجعل منهم وحدة اجتماعية متعاونة في الخير والشر , متكافلة في الجهد والجزاء , جيلا بعد جيل .
ومن مظاهر التكافل العائلي في الإسلام ذلك التوارث المادي للثروة المفصل في الآيات التاليات : "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ "(12النساء) .. "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (176النساء).
أم الوصية التي أشير إليها في الآيتين الأولين لا تتجاوز الثلث بعد وفاء الدين ولا تكون لوارث , لحديث : "لا وصية لوارث "(2) . إنما شرعت لتدارك بعض الحالات التي لا يرث فيها من توجب الصلة العائلية أن يصله المورث ببره , ولتكون مجالاً لإنفاق شيء من التركة في وجوه البر والخير .
هذا النظام الذي شرعه الإسلام مظاهر التكافل بين أفراد الأسرة الواحدة , وبين الأجيال المتتابعة ـ فوق أنه وسيلة من وسائل تفتيت الثروة لئلا تتضخم تضخيماً يؤذي المجتمع (وسنتحدث عن هذا في فصل سياسة المال) أما هنا فنكتفي بالقول بأن في نظام الإرث الإسلامي عدلاً بين الجهد والجزاء , وبين المغانم والمغارم في جو الأسرة . فالوالد الذي يعمل ـ وفي شعوره أن ثمرة جهوده لن تقف عند حياته القصيرة المحدودة , بل ستمتد لينتفع بها أبنائه وحفدته , وهم امتداده الطبيعي في الحياة ـ هذا الوالد يبذل أقصى جهده , وينتج أعظم نتاجه ؛ وفي هذا مصلحة له وللدولة وللإنسانية , كما أن فيه تعادلاً بين الجهد الذي يبذله والجزاء الذي يلقاه . فأبناؤه جزء منه يشعر فيهم بالامتداد والحياة .
أما الأبناء فعدل أن ينتفعوا بجهود آبائهم وأمهاتهم , وإذا الصلة بين الوالدين والأبناء لا تنقطع لو قطعت صلة الميراث المالي ؛ فالآباء والأمهات يورثونهم صفات واستعدادات في تكوينهم الجثماني , والعقلي ؛ وهذه الاستعدادات تلازمهم في حياتهم , وتفرض عليهم كثيرا من أوضاع مستقبلهم ـ إن خيراً وإن شراً ـ دون أن تكون لهم يد في رد هذه الوراثة أو تعديلها . ومهما جاهدت الدولة أو جاهد المجتمع فلن يهب طفلاً وجها جميلاً إذا ورثه أبواه وجهاً قبيحاً ؛ ولن يمنحه سلامة أعصاب , واعتدال مزاج , وإذا ورثاه اختلالاً واضطراباً ؛ ولن يعطيه عمراً طويلاً وصحة موفورة , إذا وَرَّثاه استعدادات للبلي السريع والمرض الملازم ... فإذا كان عليه أن يرث هذا كله غير مخيَّر , فإنه من العدل الاجتماعي أن يرث جهود أبويه المادية أيضاً , ليكون هناك شيء من التعادل بين المغانم والمغارم !
وقد ضرب القرآن مثلاً للتكافل بين الآباء والأبناء في قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع عبد الله الصالح الذي قال الله عنه : "فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ".."فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ".وقد قال له موسى : " لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا"(77الكهف) . ما دام أهل القرية لم يطعموهما . فكشف له عن السر في تقويمه للجدار فقال :" وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي"(82الكهف).
وهكذا انتفع الوالدان بصلاح الوالد , وورثا ما خلفه لهما من مال وصلاح . وهذا عدل وحق لا شك فيه .
فأما حين يخشى من حبس المال في محيط خاص , فالوسيلة موجودة في يد الإمام المسلم الحاكم بشريعة الله لتعديل الأوضاع ؛ والإسلام يكفل هذا التعديل بوسائله الخاصة كما سيجيء في فصل " سياسة المال ".
وهناك تكافل بين الفرد والجماعة , وبين الجماعة والفرد , ويوجب على كل منهما تبعات ؛ ويرتب لكل منهما حقوقاً والإسلام يبلغ في هذا التكافل حد التوحيد بين المصلحتين , وحد الجزاء والعقاب على تقصير أيهما في النهوض بتبعاته في شتى مناحي الحياة المعنوية والمادية على السواء .
فكل فرد مكلف أولاً أن يحسن عمله الخاص . و إحسان العمل عبادة لله , لأن ثمرة العمل الخاص ملك للجماعة وعائدة عليها في النهاية:" وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ"(105التوبة). وكل فرد مكلف أن يرعى مصالح الجماعة كأنه حارس لها, موكل بها.والحياة سفينة في خضم , والراكبون فيها جميعاً مسؤولون عن سلامتها:وليس لأحد منهم أن يخرق موضعه منها باسم الحرية الفردية : " مثل القائم علي حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها , فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مروا علي من فوقهم , فقالوا:لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقناً ولم نؤذ من فوقنا تركوهم وما أرادوا هلكوا , وإن اخذوا علي أيديهم نجوا ونجوا جميعاً "(البخاري والترمذي) . وهو تصوير بديع لتشابك المصالح وتوحدها , بإزاء التفكير الفردي الذي يأخذ بظاهر المعاني النظرية , ولا يفكر في آثار الوقائع العملية ؛ ورسم دقيق لواجب الفرد وواجب الجماعة في مثل هذه الأحوال .
وليس هنالك فرد معفي من رعاية المصالح العامة , فكل فرد راع ورعية في المجتمع :" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " (الشيخان) .
والتعاون بين جميع الأفراد واجب لمصلحة الجماعة في حدود البَّر والمعروف : " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ "(2 المائدة) .." وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ "(104آل عمران) .
وكل فرد مسؤول بذاته عن الأمر بالمعروف , فإن لم يفعل فهو آثم وهو معاقب بإثمه : "خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)"(الحاقة) . وعدم الحض على طعام المسكين يُعَدُّ علامة من علامات الكفر والتكذيب بالدين : "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3 )"(الماعون) .
وكل فرد مكلف أن يزيل المنكر الذي يراه : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده , فمن لم يستطيع فبلسانه , فمن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان "(مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي). وهكذا يصبح كل فرد مسؤولاً عن كل منكر يقع في الأمة ولو لم يكن شريكاً فيه , فالأمة وحدة , والمنكر يؤذيها , وعلى كل فرد أن يزود عنها ويحميها .
والأمة كلها تؤاخَذ وينالها الأذى والعقاب في الدنيا والآخرة إذا سكتت عن وقوع المنكر فيها من بعض بنيها , فهي مكلفة أن تكون قوامة على كل فرد فيها : "وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) "(الإسراء) . ولو كان فيها الكثيرون لم يفسقوا , ولكن سكوتهم على الفسق جعلهم مستحقين للتدمير :" وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .. (25)"(الأنفال) .. وما في هذا ظلم , فالأمة التي تشيع فيها الفاحشة , ويجهر فيها بالمنكر فلا تغيره , أمة منحلة متهافتة , وصائرة إلى الزوال ؛ والدمار الذي يصيبها أمر طبيعي , ونتيجة لازمة .
ولقد استحق بنو إسرائيل اللعنة على لسان أنبيائهم , ودالت دولتهم , وذهبت ريحهم , لأنهم لم يكونوا يغيرون المنكر ولم يكونوا يتناهون عنه : "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)"(المائدة) . وفي الحديث : " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علمائهم فلم ينتهو ؛ فجالسوهم , وواكلوهم وشاربوهم , فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ؛ ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم (ثم جلس وكان متكئاً فقال ): "لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً "(أبو داود والترمذي) . فأما المؤمنون حقاً فهم الذين يقول عنهم القرآن : "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.."(71التوبة).
وقد فهم بعضهم من آية :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ"(105المائدة) .. أنها تجيز السكوت عن رد المنكر وتغييره , فنبههم أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إلى سوء فهمهم لها قال : " يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية … وإنكم تضعونها على غير موضعها , وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب ". وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " ما من قوم يعمل فيهم يالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلم يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب" (أبو داود والترمذي) .
وهذا التفسير الصحيح الذي ينطبق على منهج الإسلام . والذي يجعل من الأمة المسلمة وحدة واحدة , متكافلة فيما بينها ولا يضرها أن يضل الناس إذا استقامت هي على الهدى ؛ ما أدت واجبها في دفع المنكر وتغييره جهد طاقتها .
والأمة مسؤولة عن حماية الضعفاء فيها ؛ ورعاية مصالحهم وصيانتها , فعليها أن تقاتل عند اللزوم لحمايتهم :" وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ .. (75)"(النساء) وعليها أن تحفظ لهم أموالهم حتى يرشدوا : "وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)"(النساء) … وفي الحديث:" الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله , أو القائم الليل , والصائم النهار "(الشيخان والترمذي والنسائي) .
وهي مسؤولة عن فقرائها ومعوزيها أن ترزقهم بما فيه الكفاية فتتقاضى أموال الزكاة وتنفقها في مصارفها ؛ فإذا لم تكف فرضت على القادرين بقدر ما يسد عوز المحتاجين , بلا قيد ولا شرط إلا هذه الكفاية . فإذا بات فرد واحد جائعاً فالأمة كلها تبيت آثمة ما لم تتحاض على إطعامه : "كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)"(الفجر) .. وفي الحديث " أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برأت منهم ذمة الله تبارك وتعالى "(أحمد), " من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له , ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له "(مسلم وأبو داود) . " و" من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث …وإن أربع فخامس أو سادس"(متفق عليه).
والأمة المسلمة كلها جسد واحد , يحس إحساسا واحداً , وما يصيب عضواً منه يشتكي له سائر الأعضاء . وهي صورة جميلة أخاذة يرسمها الرسول الكريم فيقول : " مثل المؤمنين في توادهم , وتراحمهم , وتعاطفهم , كمثل الجسد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "(متفق عليه) . كما رسم للتعاون والتكافل بين المؤمن والمؤمن صورة أخرى معبرة دقيقة : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"(الشيخان) . وذلك أسمى ما يتصوره الخيال للتعاون والتكافل في الحياة .
وعلى هذا الأساس وضعت الحدود في الجرائم الاجتماعية , وشددت تشديداً . لأن التعاون لا يقوم إلا على أساس صيانة حياة كل فرد في دار الإسلام وماله وحرماته : "كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله"(الشيخان) . . . لذلك شرع القصاص في القتل والجروح جزاء وفاقاً . وجعل جريمة القتل كجريمة الكفر في العقوبة : "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا … (93)"(النساء).." "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا.."(33الإسراء). "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ "(45المائدة) .. وحث على القصاص فجعله حياة للأمة :" وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) " (البقرة). وإنه لحياة لما فيه من ضمان الحياة بالكف عن القتل , وبما فيه من حفظ كيان الجماعة وحيويتها وتماسكها بوقف الثأر.
وشدد عقوبة الزنا لما فيه من اعتداء على العرض , وعبث بالحرمة , ونشر للفاحشة في الجماعة , وينشأ عنه تفككها بعد فترة ؛ وتدليس في الأنساب , وسرقة لعواطف الآباء بالبنوة المزورة !
شدد هذه العقوبة فجعلها للمحصن والمحصنة الرجم ولغير المحصنين والمحصنات الجلد , وهو متلف في أحيان كثيرة : "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ .."(2 النور) .
وجعل العقوبة ثمانين جلدة للذين يرمون المحصنات المؤمنات الغافلات ويفترون عليهن , ويلوثون أعراضهن كذباً , لأن جريمة الإفك هنا قريبة من جريمة الزنا , فهي اعتداء على السمعة والعرض , ومثار للعداوة والبغضاء , وإشاعة للفاحشة بالسماع : "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا"(4 النور). وشدد عقوبة السرقة لما فيها اعتداء على أمن الناس ـ في دار السلام ـ وطمأنينتهم و الثقة المتبادلة بينهم ؛ فجعلها قطع اليد : "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)(المائدة) .
ولقد يستفظع بعضهم هذه العقوبة اليوم حين يقيسها إلى سرقة مال فرد ؛ ولكن الإسلام إنما نظر فيها إلى أمن الجماعة وسلامتها وتضامنها ؛ كما نظر إلى طبيعة ظروفها وإلى الغرض منها ؛ فهي جريمة تتم في الخفاء , وجرائم الخفاء في حاجة إلى تشديد العقوبة ليعدل عنها مرتكبها , أو ليترك من اضطرابه وخوفه من العقوبة دليلاً عليه وعليها . وهي جريمة يرتكبها صاحبها ليزيد كسبه من الحرام ؛ فلوحظ أن تكون العقوبة ـ وهي قطع اليد ـ من شانها تعجيزه عن الكسب الذي يزيده بهذه الوسائل المحرمة .
على أن هذه العقوبة الحازمة لا تنفذ إذا كانت السرقة اضطرارية لدفع غائلة الجوع عن النفس أو الأولاد . فالقاعدة العامة : أن لا حرج على المضطر :" فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ "(173البقرة) والحد يدرأ بالشبهة :"ادرأوا الحدود بالشبهات"(مسند أبي حنيفة للحارثي). والجوع شبهة ؛ على هذا جرى عمر في خلافته كما سيجيء .
أما الذين يهددون أمن الجماعة العام ـ في دار الإسلام المحكومة بشريعة الله ـ فجزاؤهم التقتيل أو التصليب أو تقطيع الأيدي والأرجل أو النفي من الأرض :" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ "(33المائدة) لأن الائتمار والاجتماع على الفساد والفتنة جريمة أكبر من الجرائم الفردية , وأحق بالحسم وقسوة العقوبة .
* * *
وهكذا يفرض الإسلام التكافل الاجتماعي في كل صورة وأشكاله , تمشياً مع نظرته الأساسية إلى وحدة الأهداف الكلية للفرد والجماعة ؛ وفي تناسق الحياة وتكاملها . فيدع للفرد حريته كاملة في الحدود التي تؤذيه , ولا تأخذ على الجماعة الطريق ؛ ويجعل للجماعة حقوقها , ويكفلها من التبعات في الوقت ذاته كفاء هذه الحقوق ؛ لتسير الحياة في طريقها السوي القويم , وتصل إلى أهدافها العليا التي يخدمها الفرد وتخدمها الجماعة سواء
* * *
وعلى تلك الأسس الثلاثة : التحرر الوجداني المطلق , والمساواة الإنسانية الكاملة ,
والتكافل الاجتماعي الوثيق , تقوم العدالة الاجتماعية , وتتحقق العدالة الإنسانية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)" أطفال بلا أسر": تأليف أنا فرويد

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
وسائل العدالة الاجتماعية في الإسلام









توقيع : مصطفى الكومي

رؤى

عرض البوم صور مصطفى الكومي   رد مع اقتباس
قديم 07-11-2010, 03:40 PM   المشاركة رقم: 7 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو فعال


البيانات
التسجيل: 2 - 11 - 2009
العضوية: 8706
المشاركات: 135 [+]
بمعدل : 0.07 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 59
مصطفى الكومي متميز

الإتصالات
الحالة:
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مصطفى الكومي المنتدى : مكتبة قصة الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
وسائل العدالة الاجتماعية في الإسلام
من داخل النفس يعمل الإسلام , ومن أعماق الضمير يحاول الإصلاح ؛ ولكنه لا يغفل أبداً عن الواقع العملي في محيط الحياة ؛ ولا عن حقيقة النفس البشرية , وما يعتورها من ارتفاع وهبوط , وتطلع وانكماش , وأشواق طائرة وضرورات مقيدة , وطاقة محدودة , على كل حال , دون الكمال المطلق في جميع الأحوال .
وعلى قدر علمه العميق بأغوار النفس البشرية يشرع ويوجه ؛ ويصوغ أوامره ونواهيه ؛ ويضع حدوده وينفذها ثم يهتف للضمير البشري أن يتسامى فوق التكاليف المفروضة ما استطاع .
والحياة تصبح ممكنة وصالحة إذا نحن نفذنا التكاليف المفروضة في هذا الدين ؛ ولكن النفس المسلمة تظل تعرج في معارج الكمال بما يوجه إليه الضمير البشري من تسامح وارتفاع وتسام ؛ فالتوجيه الوجداني في هذا الدين هو الجزء المكمل للتكليف المفروض فيه ؛ ثم هو الكفيل بتنفيذ هذا التكليف عن طواعية ورضى وإقبال , وبمنح الحياة البشرية قيمتها الإنسانية الكريمة المترفعة عن القيود والضرورات , وعن ضغط القانون , ودفع التكليف أيضاً .
وحينما حاول الإسلام أن يحقق العدالة الاجتماعية كاملة ارتفع بها عن أن تكون عدالة اقتصادية محدودة , وأن يكون التكليف وحده هو الذي يكفلها ؛ فجعلها عدالة إنسانية شاملة , وأقامها على ركنين قويين : الضمير البشري من داخل النفس والتكليف القانوني في محيط المجتمع , وزاوج بين هذه القوة وتلك , ومثيراً في الوجدان الإنساني أعمق انفعالاته , غير غافل عن ضعف الإنسان وحاجته إلى الوازع الخارجي كما يقول عثمان ابن عفان : يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن .
وكل من ينظر في هذا الدين نظرة فاحصة منصفة يدرك الجهد الضخم الذي بذله لتهذيب النفس البشرية من جميع جوانبها وفي جميع اتجاهاتها وملابساتها . فهذا الدين هو الذي يجعل أقصى الثناء على نبيه ـ، صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول : "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ "(4 القلم) . فالخلق هو الدعامة الأولى لبناء المجتمع المتماسك الركين , ولاتصال الأرض بالسماء , والفناء بالخلود , في ضمير الإنسان الفاني المحدود .
ولم يبخل الإسلام بثقته على الضمير البشري بعد تهذيبه ؛ فأقامه حارساً على التشريعات ينفذها ويرعاها ؛ وجعل تنفيذ الكثير منها في ضمانته ؛ فالشهادة هي أساس إقامة الحدود في أحوال كثيرة , وفي لإثبات الحقوق كذلك . والشهادة مسألة مردها إلى الضمير الفردي , وإلى رقابة الله على هذا الضمير : "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"(4النور) .." وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)"النور .. وحتى عندما يأمر بالكتابة يجعل الشهادة واجبة : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى "(282البقرة) .
والشهادة واجب وتكليف في البدء : "وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا"(282البقرة) وهي واجب وتكليف عند التقاضي :" وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ"(283البقرة).. وهكذا يمنح الثقة للضمير البشري في الحدود التي قد تصل إلى الجلد والرجم , وفي الحقوق المالية على السواء . وهي ثقة لابد منها لتكريم الإنسان ورفعه إلى مستواه المرموق المطلوب .
ولكن الإسلام لم يدع هذا الضمير لذاته , وهو ينوط به هذه الشؤون الخطيرة , ويقيمه حارساً على تنفيذ التشريع والتكليف , ويدعوه إلى السمو فوق ما يوجبه التشريع والتكليف .. لقد أقام عليه رقيباً من خشية الله , وصور له رقابة الله في صور فريدة رائعة مؤثرة :" مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)"(المجادلة).." وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)"(ق) .." فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى"(7طه).
ولقد بشره وانذره , وجعل كل عمل من أعماله محسوبا عليه في الدنيا والآخرة ولا مفر من عاقبته , ولا فكاك من جزائه : "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)"(الأنبياء) .." إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)" (الزلزلة) .. وهكذا مما يقيم على هذا الضمير رقابة من الخشية والتقوى , ويجعله أداة صالحة لرقابة التنفيذ في كل ما شرع الدين من حدود وتكاليف .
* * *
على هذا الضمير الذي رباه الإسلام , وعلى التشريع الذي جاءت به شريعته . اعتمد في إرساء قواعد العدالة الاجتماعية . وبهذه الوسيلة المزدوجة نجح في إنشاء مجتمع إنساني متوازن متناسق , سنعرض صوراً منه في فصل آت . أما الآن فنكتفي باستعراض نموذج من تلك الطريقة في التشريع والتوجيه , ونختار موضوع الزكاة والدقة لعلاقته القوية بموضوع الكتاب .
فرض الإسلام الزكاة حقاً . في أموال القادرين للمحرومين . حقاً تتقاضاه الدولة المسلمة بحكم الشريعة وبقوة السلطان . ولكن راح يحفز الوجدان على أداء هذا الحق .حتى يجعل أداءه رغبة ذاتية من القادرين على الأداء .
فالزكاة ركن من أركان الإسلام , وضرورة من ضرورات الإيمان : "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)"(المؤمنون).." تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(3)" (النمل) .
والمشركون الذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين لا يؤدون الزكاة : "وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)"(فصلت) .
وأداء الزكاة وسيلة من وسائل الحصول على رحمة الله : "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)"(النور).
والنصر من عند الله لمن يؤدون هذا الحق , ويقيمون بواجبهم للمجتمع , فيستحقون التمكين لهم في الأرض :" الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ .. (41)"( الحج) .
والزكاة شريعة إنسانية خالدة تضمنتها أوامر الأنبياء قبل الإسلام ؛ فلا دين بغير هذا الواجب الاجتماعي العريق . يقول عن إسماعيل : "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)"(مريم).. ويقول عن ابراهيم : "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)"(الأنبياء).
والويل لمن لا يؤدي هذا الواجب المفروض . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ : " من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته , مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان , يطوقه يوم القيامة , ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ يقول أنا مالك , أنا كنزك "(البخاري والنسائي) . وهي صورة مفزعة مروعة مخيفة .
هذه الزكاة حق مفروض بقوة الشريعة , مقدر في المال بحساب معلوم . وبجانبها الصدقة ؛ وهي موكولة لضمير الفرد بلا حساب ؛ وهي وحي الوجدان والشعور , ثمرة التراحم والإخاء اللذين عنى بهما الإسلام كل العناية تحقيقا للترابط الإنساني والتكافل الاجتماعي , عن طريق الشعور الشخصي بالواجب والإحساس النفسي بالرحمة , ليبلغ بذلك هدفين : التهذيب الوجداني العميق , والتضامن الإنساني الوثيق . وإن الإسلام ليجعل هذا التراحم إنسانيا خالصاً لا تقف حدوده عند الإخوة الدينية ؛ فيقول القرآن :" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)"(الممتحنة).. ويقول الرسول : " ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء "(أبو داود والترمذي) . فيضرب المثل العالي في التراحم الإنساني , الخالص حتى من عصبية الدين .
ثم يخطو الخطوة الكبرى فيشمل بالرحمة كل من تنبض فيه الحياة . قال نبي الإسلام الكريم " بينما رجل يمشي بطريق اشتد به العطش , فوجد بئراً ؛ فنزل فشرب , ثم خرج وإذا بكلب يلهث , ياكل الثرى من العطش ؛ فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني . فنزل البئرفملأ خفه ماء , ثم أمسكه بفيه حتى رقى , فسقى الكلب , فشكر الله له فغفر له " . قالوا يا رسول الله : وإن لنا في البهائم لأجراً ؟ فقال نعم , وفي كل كبد رطبة أجر"( الشيخان) . وقال " دخلت امرأة النار في هرة ربطتها , فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض " (البخاري) .
فالرحمة في الإسلام أساس الإيمان وعلامته , لأنها دليل تأثر الضمير بهذا الدين , وتغلغله فيه .
وعلى هذا الأساس يوجه الإسلام إلى الصدقة والبر , ويحبب في الإنفاق طوعاً واحتساباً , وانتظارا لرضاء الله وعوضه في الدنيا , ولثوابه في الآخرة , واجتناباً لغضبه ونقمته وعذابه .
فالبشرى للمخبتين الطائعين الذين ينفقون من أموالهم لرضاه : "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)"(الحج).. وهي صورة مؤثرة في الوجدان حقاً , ويعيد رسمها في مناسبة أخرى فيقول "إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)"( السجدة).
كما يصور الإيثار صورة جميلة رقيقة في نفوس أهل المدينة الذين استقبلوا المهاجرين فآووهم وشاركوهم مالهم وبيوتهم في رحابة صدر وسماحة نفس :" وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)"( الحشر) .
وهي صورة للإنسانية العليا في أجمل صورها وأبدعها . وهناك صورة لا تقل عنها جمالاً ورقة وانعطافاً لجماعة من عباد الله , وتذكر بعض المراجع أنهم علي وزوجه فاطمة بنت الرسول وأهل بيتهما :" (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)"الإنسان .
والصدقة قرض لله مضمون الوفاء : " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)" الحديد .. "إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)" الحديد..
أو هي تجارة رابحة مجزية :" إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)"فاطر .
على أية حال فهي محلفة وليس خسارة ولا ظلم : " وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)" البقرة.
والجنة والآخرة جزاء كريم للمنفقين : "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)" آل عمران.
والصدقة تطهير للنفس والمال وقد أمر الرسول أن يأخذ من قوم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم قسطا من مالهم ينفق في الخير تطهيرا وتزكية لهم : " وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)" التوبة .
والإنفاق يتسق مع الوفاء بعهد الله والخشية منه و الخوف من سوء الحساب ؛ ويدل على العقل والتبصر . والكف عنه قطع لما أمر الله به أن يوصل ؛ ونوع من نقض العهد والإفساد في الأرض : " الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)" الرعد .
والامتناع عن الإنفاق في سبيل الله هلكة : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ..َ (195)"البقرة . التهلكة الفردية بتعريض النفس للعذاب في الآخرة من الله , والنقمة في الدنيا من الناس ؛ والتهلكة الجماعية بما يشيعه عدم الإنفاق في المجتمع من تفاوت وظلم , وفتن وأحقاد وضعف وانحلال .
ومنع الخير اعتداء : " أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)"ق.. "وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)"القلم .. معتد على حق الله وحق الجماعة , وحق نفسه كعضو في الجماعة .
والبر يؤدي إلى الجنة ويجتاز بالبار العقبة إليها .والعقبة هي فك الرقاب , وإطعام الطعام يوم الجوع والمتربة : "وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)" البلد.
والكف عن البر يؤدي إلى النار , ويسلك صاحبه مع الكفار : "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)" المدثر .." وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ .. (180)" آل عمران .." وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)"التوبة .
* * *
وليس الكنز هنا هو مجرد الامتناع عن الزكاة , فالصدقة والإنفاق كثيراً ما يذكران بعد و قبل ذكر الزكاة , مما يدل على أن الزكاة شيء مفروض محدد , والصدقة والإنفاق مطلقان غير محددين بنصاب .. عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا بن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك , وإن تمسكه شر لك " (1)(مسلم والترمذي) . وعن بلال ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ : " ما رزقت فلا تخبأ , وما سئلت فلا تمنع .فقلت : يا رسول الله وكيف لي بذلك ؟ قال هو ذاك أو النار "(2)رواه الطبراني في الكبير وأبو الشيخ بن حبان في كتاب الثواب والحاكم وقال صحيح الإسناد.
لا بل إن العقاب قد يحل بالباخلين في الدنيا جزاء ما بخلوا ومنعوا الخير ؛ ويضرب القرآن الكريم مثلا في قصة قصيرة , وقصة جماعة كانت لهم حديقة يُطعمون من ثمرها الفقراء , ثم خطر لهم أن يبخلوا ويمنعوا , فدارت الدائرة على الحديقة , وذهب الله بثمرها فأصبحوا نادمين : " إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) "القلم .
لذلك يدعوا القرآن الناس للبذل قبل فوات الأوان :" قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)" ابراهيم .. " وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)" المنافقون .
ويحذرهم الشح ليقوا أنفسهم منه , فلا يدفعهم حرصهم على الأموال والأولاد إليه,
فإنما هذه فتنة لهم واختبار : " إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)" التغابن .
والنبي يوجب الصدقة على كل مسلم ولو كان لا يجد , وتفسير ذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "على كل مسلم صدقة . قالوا فإن لم يجد ؟ قال فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق .قالوا : فإن لم يستطع أن يفعل ؟ قال يعين ذا الحاجة الملهوف . قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال فيمسك عن الشر فإنه له صدقة " (3)الشيخان واللفظ للبخاري .. وهكذا يستوي الناس جميعا في البذل , كل بقدر ما يملك , وكل بقدر ما يستطيع .
* * *
وأبواب الإنفاق تدور مع الحاجة ومواضعها ؛ فالأقربون أولى بالمعروف ؛ ولكن سواهم موصولون بهم يذكرون في معرض الحض على البر جنبا لجنب مع الأقربين ؛ فالبر عاطفة إنسانية قبل أن تكون وجدانا قرابة وذكر البر موصول غالباً بذكر الإيمان , إذا كان دليل الإيمان كما أسلفنا : " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)" النساء.. "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)" البقرة .
وهكذا يتصل الجار والصاحب بالوالدين والأقربين . كما يتصل بالجميع اليتامى والمساكين وابن السبيل . كلهم سواء , حتى الذين تقع منهم مساءة , كالتي وقعت من " مسطح" قريب أبو بكر , الذي اشترك في حديث الإفك ابنة أبي بكر , عائشة زوج النبي . فإن الإسلام يدعو للصفح عنهم , وينهي عن حرمانهم . فلما حلف أبو بكر وهو في ثورة غضبه على عرضه المنهوك كذباً أن يحرم مسطحاً ما كان يبره به , نزلت الآية : "وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)" النور ؟
وهكذا يرتفع بالشعور الإنساني في هذا المجال إلى مستوى رفيع كريم , تشرف به الإنسانية في أعصارها جميعا ؛ وتفخر به في الماضي والحاضر والمستقبل إلى ما شاء الله .
ثم يرتفع بالبر ذاته , فيجعله برا بالله سبحانه , ويرسم له هذه الصورة المبدعة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ :" إن الله عز وجل يقول يوم القيامة : يابن آدم مرضت فلم تعدني ظ قال يا رب يف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ! قال يارب : وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يابن آدم استسقيتك فلم تقني ! قال يارب كيف أسقيك وانت رب العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي "رواه مسلم.
ثم يجعل للصدقة آداباً ترفعها عن أن تكون تفضلاً واستعلاء من الواجد على المحروم , أو أن تكون رياء صادراً عن شعور غير كريم ؛ لأن الصدقة إن هبطت دوافعها , أو تبعها المن على آخذها , استحالت عملاً خسيساً يؤذي النفس والخلق والضمير , ويؤذي المجتمع كذلك في أفراده وفي روابطه . وليس كالمن بالإحسان شيء يمض النفس ويذلها , أو يصرفها عن قبول الإحسان ؛ وليس كالرياء بالصدقة مفسد للضمير حقير في عرف الأخلاق . والإسلام يعمل على رفع نفوس المعطين والآخذين جميعاً ؛ ويحرص على ذلك حرصا شديداً : "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) "البقرة .
ولهذا يستحسن إخفاء الصدقة ودفعها سرا للمعوزين . حفظا لكرامتهم من جهة ؛ ومنعاً للإختيال والفخر من جهة أخرى : "إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ .. (271) "البقرة .. ويتحدث النبي صلى الله عليه وسلم ـ مثنياً على الرجل" تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" وهو تصوير بارع جميل لكتمان البر واحتسابه في غير مفخرة ولا إعلان .
* * *
والإسلام يقدر غريزة حب الذات وحب المال ؛ ويقرر أن الشح حاضر في النفس الإنسانية لا يغيب : "وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ"128 النساء فيعالج هذا كله علاجاً نفسياً بما تقدم من الترغيب والتحذير والحض والتصوير , حتى ليتم له ما يريد وحتى ليطلب إلى هذه النفس الشحيحة أن تجود بما هو حبيب إليها عزيز عليها :" لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .. (92)"آل عمران .. فتستجيب إليه , وتتلمس الطيب تجود به , وبذلك يصل إلى غاية البذل وأصعب الجود وأكرم العطاء , والنابع من أعماق الشعور ؛ ويرفع الإنسان على نفسه ؛ ويغلب جانب التسامي فيه على جانب الضرورة , وجانب الوجدان على جانب الغريزة ؛ وذلك في ذاته هدف إنساني رفيع يستحق الجهد فيه , فكيف وهو هدف اجتماعي , لإيجاد التوازن , ومكافحة الحرمان , وتحقيق التكامل بين القادرين والعاجزين , وتكوين مجتمع متناسق متعاون سليم .
* * *
على هذا النهج ـ الذي توسعنا في عرض نموذج يسير الإسلام , فيهتم بالإقناع الوجداني كلما شرع تكليفاً ؛ ويقف بالتكاليف عند الحد الضروري لسلامة المجتمع , وفي حدود الطاقة العامة لجماهير الناس ؛ ثم يخاطب الوجدان للإقناع بالتكليف , وللسمو فوقه ما استطاع ؛ ليرتفع بالحياة الإنسانية ويجذبها دائماً بخيط الصعود ؛ ويدع المجال فسيحاً بين الحد الأدنى المطلوب والحد الأعلى المرغوب , وتتسابق الأفراد والأجيال , على مدى الأزمان والقرون .
وعلى هذا النهج قد سار في تحقيق العدالة الاجتماعية .. وفي الفصلين التاليين من هذا الكتاب حديث مفصل عن "سياسة الحكم " و "سياسة المال" وفيهما يتجلى اعتماد الإسلام على وسيلتيه الأساسيتين : التشريع والتوجيه في تحقيق العدالة الكبرى في كل حقل من حقول الحياة .
ولقد آتى هذا النهج ثمراته كاملة في فجر الإسلام وظل يؤتيها في فترات القرون الأربعة عشر التي تلت . وإنه لقادر على أن يعيدها في الحاضر والمستقبل , حين يُفهم على حقيقته , وحين يوجه وجهته , وحين يسلك الناس طريقه الحق القويم .
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
سياسة الحكم في الإسلام









توقيع : مصطفى الكومي

رؤى

عرض البوم صور مصطفى الكومي   رد مع اقتباس
قديم 07-11-2010, 03:41 PM   المشاركة رقم: 8 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو فعال


البيانات
التسجيل: 2 - 11 - 2009
العضوية: 8706
المشاركات: 135 [+]
بمعدل : 0.07 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 59
مصطفى الكومي متميز

الإتصالات
الحالة:
مصطفى الكومي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : مصطفى الكومي المنتدى : مكتبة قصة الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
سياسة الحكم في الإسلام
كل حديث عن "العدالة الاجتماعية في الإسلام" لابد أن يلم بالحديث عن " سياسة الحكم في الإسلام" تبعا للقاعدة التي أسلفنا عند الحديث على " طبيعة العدالة الاجتماعية " فيه ؛ وأنها تتناول جميع مظاهر الحياة , وجميع ألوان النشاط ؛ وكما تتناول القيم المعنوية والمادية متمازجة متناسقة .
وسياسة الحكم ذات علاقة بهذا كله ؛ فضلاً على المنوط بها في النهاية تنفيذ التشريع ؛ وتعهد المجتمع من كل جوانبه ؛ وتحقيق العدالة والتوازن فيه ؛ وتوزيع المال حسب القواعد التي سنها الإسلام .
والكلام عن " سياسة الحكم" يطول ويحتاج إلى مبحث خاص ؛ ولما كان قصدنا في الكتاب بيان ما يختص بالعدالة الاجتماعية من هذه السياسة , فسنحاول بقدر الإمكان أن نتناول هذا الجانب وحده ؛ وإن كانت الصعوبة في دراسة الإسلام أن الباحث يجد كل جوانبه متماسكة ؛ وليس هناك انعزال بين هذه الجوانب .فهذا الدين كله وحدة : العبادات والمعاملات . سياسة الحكم وسياسة المال . التشريعات والتوجيهات . العقيدة والسلوك . الدنيا والآخرة .. كلها أجزاء منسقة في جهاز متكامل ؛ يصعب إفراد جزء منها بالحديث , دون التطرق إلى بقية الأجزاء . لكن سنحاول بقدر الإمكان !
* * *
بعض من يتحدثون عن النظام الإسلامي ـ سواء النظام الاجتماعي أم نظام الحكم وشكل الحكم ـ يجتهدون في أن يعقدوا الصلات والمشابه بينه وبين أنواع النظم التي عرفتها البشرية قديما وحديثاً , قبل الإسلام وبعده . ويعتقد بعضهم أنه يجد للإسلام سنداً قوياً حين يعقد الصلة بينه وبين نظام آخر من النظم العالمية القديمة أو الحديثة.
إن هذه المحاولة إن هي إلا إحساس داخلي بالهزيمة أمام النظم البشرية التي صاغها البشر لأنفسهم في معزل عن الله . فما يعتز الإسلام بأن يكون بينه وبين هذه النظم مشابه ؛ وما يضيره ألا تكون . فالإسلام يقدم للبشرية نموذجا من النظام المتكامل لا تجد مثله في أي نظام عرفته الأرض , ومن قبل الإسلام ومن بعده سواء . والإسلام لا يحاول ولم يحاول أن يقلد نظاما من النظم , أو أن يعقد بينه وبينها صلة أو مشابهة ؛ بل اختار طريقة متفرداً فذاً وقدم للإنسانية علاجاً كاملاً لمشكلاتها جميعاً .
وقد يحدث في تطور النظم البشرية أن تلتقي بالإسلام تارة , وأن تفترق عنه تارة ولكنه هو نظام مستقل متكامل , لا علاقة له بتلك النظم ؛ ولا حين تلتقي معه , ولا حين تفترق عنه . فهذا الافتراق وذلك الالتقاء عرضيان , وفي أجزاء متفرقة ؛ ولا عبرة بالاتفاق أو الاختلاف في الجزئيات والعرضيات , إنما المعول عليه هو النظرة الأساسية , والتصور الخاص . وللإسلام نظرته الأساسية وتصوره الخاص , وعنه تتفرع الجزئيات , فتلتقي أو تفترق عن جزئيات في النظم الأخرى , ثم يمضي الإسلام في طريقه المتفرد بعد كل اتفاق أو اختلاف .
إن القاعدة التي يقوم عليها النظام الإسلامي تختلف عن القواعد التي تقوم عليها الأنظمة البشرية جميعاً .. إنه يقوم على أساس أن الحاكمية لله وحده . فهو الذي يشرع وحده . وسائر الأنظمة تقوم على أساس أن الحاكمية للإنسان , فهو الذي يشرع لنفسه .. وهما قاعدتان لا تلتقيان . ومن ثم فالنظام الإسلامي لا يلتقي مع أي نظام . ولا يجوز وصفه بغير صفة الإسلام ..
وليست وظيفة الباحث الإسلامي حين يعرض للحديث عن النظام الإسلامي أن يلتمس له المشابه والموافقات مع أي نظام آخر قديم أو حديث , فهذه المشابه والموافقات ـ فضلاً على أنها سطحية وجزئية , ووليدة مصادفات في الجزئيات , لا في التصور العام والنظرة الأساسية ـ لا تكسب الإسلام قوة كما يظن بعض المهزومين ! وطريقهم الصحيح أن يعرضوا أسس دينهم لذاتها , وبإيمان كامل بأنها أسس كاملة , سواء وافقت جميع النظم الأخرى أو خالفتها جميعاً , ومجرد تطلب التأييد لنظم الإسلام من مشابه وموافقات مع النظم الأخرى , هو إحساس بالهزيمة كما قلنا , ولا يقدم عليه باحث مسلم , يعرف هذا الدين حق معرفته , ويبحثه حق بحثه ,
لقد عرف العالم في نشأته وتطوره نظماً عدة . وليس النظام الإسلامي واحداً من هذه النظم . وليس خليطاً منها , وليس مستمداً من مجموعها .. إنما هو نظام قائم بذاته مستقل بفكرته متفرد بوسائله , وعلينا أن نعرضه مستقلاً , لأنه نشأ مستقلاً , وسار في طريقه مستقلاً . لهذه الاعتبارات لم أستسغ تعبير الدكتور هيكل عن العالم الإسلامي بأنه " الإمبراطورية الإسلامية" , ولا قوله : " إن الإسلام إمبراطوري " . فليس أبعد عن فهم روح الإسلام الحقيقة من القول بأنه إمبراطوري , مهما فرقنا بين مدلول الإمبراطورية الإسلامية ومدلول الإمبراطورية المعروف ؛ وليس أبعد من فهم حقيقة الصلات في العالم الإسلامي من القول بأنه إمبراطورية إسلامية !
ومن الغريب أن الدكتور هيكل في حديثه عن حكم الإسلام في "حياة محمد" أو " الصديق أبو بكر" أو " الفاروق عمر" يلمس الخلاف الحقيقي الداخلي بين طبيعة الإسلام , وطبيعة سائر النظم التي عرفها العالم , ولكنه ينساق إلى هذين التعبيرين انسياقا , بحكم قوة إيحاء المظاهر الأجنبية ! ثم تشابه بعض المظاهر بين الإسلام والإمبراطورية . وبحكم أنه لم يلحظ ذلك الافتراق الأصيل بين نظام يقوم على حاكمية الله وحده , ونظام آخر يقوم على حاكمية الإنسان !
ولعل المظهر الشكلي هو تكون العالم الإسلامي من عدة أقاليم متباينة الأجناس والثقافات , ويرجع أمر الحكم فيها إلى مركز واحد . وهذا مظهر الإمبراطورية ! ولكنه مجرد مظهر , والمعول عليه هو طبيعة نظر هذا المركز إلى الأقاليم ؛ وطبيعة العلاقات بينه وبينها .
كل متتبع لروح الإسلام ولطريقته في الحكم , ويجزم بأنها أبعد ما تكون عن الإمبراطوريات المعروفة . فالإسلام يسوي بين المسلمين في جميع أجزاء العالم ؛ وينكر العصبيات الجنسية والقومية والإقليمية. وتبعاً لهذه الروح لا يجعل الأقاليم مستعمرات ولا مواضع استغلال , ولا منابع تصب في المركز لفائدته وحده . فكل إقليم هو بضعة من جسم العالم الإسلامي , ولأهله سائر الحقوق التي لأهل المركز . وإذا كان بعض الأقاليم يحكمها والٍ من قِبَل المركز الإسلامي , فإنما يحكمها بوصفه رجلاً مسلماً صالحاً للولاية , لا بوصفه حاكما مستعمراً ؛ على أن كثيراً من هذه الأقاليم المفتوحة كان يحكمها واحد من أهلها , ولكن بصفته مسلماً صالحاً لهذه الولاية . وكذلك كان ما يجبى من أموال الأقاليم ينفق فيها أولاً ,فإن فضل منه شيء رد إلى بيت مال المسلمين , لينفق على المسلمين كافة عند الحاجة , لا ليخصص لأهل المركز الإسلامي ولو افتقرت الأقاليم , كما هو العهد في الإمبراطوريات .
وكل هذا يجعل المسافة بعيدة بين العالم الإسلامي , أو الأمة الإسلامية بتعبير أدق , وبين الإمبراطورية , ويكون القول بأن الإسلام " إمبراطوري " انزلاقاً مع اصطلاح غريب على روح الإسلام وعلى تاريخه سواء , والأولى أن نقول : إنه كان عالمي النزعة , لما فيه من فكرة قوية عن وحدة العالم , ولما يرمي إليه من ضم البشرية كلها إلى لوائه متساوية متآخية .
لقد كان الدكتور طه حسين أدق في تعبيره وهو يتحدث في مقدمة كتابه " الفتنة الكبرى ـ عثمان " عن نظام الحكم الإسلامي , بالقياس إلى جميع النظم الأخرى , فيرى أنه يختلف في طبيعته الأصيلة عن سائرها؛ فذلك هو الحق عند النظر إلى روح الحكم وطبيعته , لا إلى مظاهره وجزئياته . وإن كان الدكتور طه حسين يجعل تقريره هذا مقدمة لنتيجة أخرى خطيرة وهي أن الإسلام بصورته التي تحقق بها على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم والشيخين بعده إنما كان فلتة في الزمان , لا تملك البشرية أن تزاولها طويلاً !
وهذه هي النغمة التي يجعلها المستشرقون وتلاميذهم في البلاد الإسلامية مقدمة للقول بعدم صلاحية الإسلام لأن يكون نظام حكم في هذه الأيام !
وكذلك لم أستسغ حديث من يتحدثون عن " اشتراكية الإسلام " و " ديمقراطية الإسلام" .. وما إلى ذلك من الخلط بين نظام من صنع الله ـ سبحانه ـ وأنظمة من صنع البشر , تحمل طابع البشر وخصائص البشر من النقص والكمال , والخطأ والصواب , والضعف والقوة , والهوى والحق .. بينما نظام الإسلام رباني بريء من هذه الخصائص , كامل شامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
إن الإسلام يقدم حلولاً مستقلة لمشكلات الإنسانية , يستمدها من تصوره الخاص , ومن منهجه الذاتي , ومن أسسه الأصيلة , ومن وسائله المتميزة ؛ علينا حين نناقشه ألا نكله إلى مذاهب ونظريات أخرى تفسره , أو تضيف إليه ؛ فهو منهج متكامل , ووحدة متجانسة ؛ وإدخال أي عنصر غريب فيه كفيل بأن يفسده , كالجهاز الدقيق الكامل , أية قطعة غريبة عنه تعطل الجهاز كله وتظهر كأنها رقعة فيه!
وأنا أدلي بهذه الكلمة المجملة هنا , لأن كثيرا ممن اندست في ثقافتهم وأفكارهم قطع غريبة من أجهزة النظم الأجنبية , يحسبون أنهم يكسبون الإسلام قوة جديدة , فإذا هم طعموه بتلك النظم . وهو وهم خاطيء يفسد الإسلام ؛ ويعطل روحه عن العمل ؛ وهو في الوقت ذاته إحساس خفي بالهزيمة , ولو لم يعترفوا صراحة بالهزيمة !
* * *
يقوم النظام الإسلامي على فكرتين أساسيتين مستمدتين من تصوره الكلي للإلوهية والكون والحياة والإنسان : فكرة وحدة الإنسانية في الجنس , والطبيعة , والنشأة وفكرة أن الإسلام هو النظام العالمي العام , الذي لا يقبل الله من أحد نظاماً غيره . لأنه لا يقبل من أحد دينا إلا الإسلام . والدين ـ في المفهوم الإسلامي ـ هو النظام العام الذي يحكم الحياة.
فأما فكرة وحدة الإنسانية جنساً وطبيعة ونشأة , فقد تحدثنا عنها من قبل بالتفصيل عند الكلام على " أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام".
وأما فكرة أن الإسلام هو النظام العالمي العام , الذي لا يقبل الله من أحد نظاماً غيره فهي مستمدة من أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو رسول الله إلى الناس كافة , وأنه خاتم النبيين , وأن دينه أقوم دين : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً ..(28)"سبأ "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)"الأنبياء .." .. "رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ .. (40)" الأحزاب..".. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ..(3)" المائدة.." إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..(9)" الإسراء..
" والدين" في المفهوم الإسلامي هو المرادف لكلمة "النظام" في الاصطلاحات الحديثة ! مع شمول المدلول للعقيدة في الضمير , والخلق في السلوك , والشريعة في المجتمع فكلها داخلة في مفهوم "الدين" في الإسلام . ومن ثم لا يمكن أن يكون هناك نظام يقبله الله ويقره الإسلام , ما لم يكن هذا النظام مستمدا من التصور الإسلامي الاعتقادي, ومتمثلاً في تنظيمات وتشريعات مستمدة من الشريعة الإسلامية دون سواها .. وأهم من هذا كله أن يذعن أصحاب هذا النظام لألوهية الله وربوبيته , فلا يدعون لأنفسهم حق إصدار الشرائع والأنظمة لأن هذا الحق لله وحدة في الإسلام . وهنا يفترق النظام الإسلامي عن كل الأنظمة البشرية الافتراق الأساسي .
ولكن الإسلام مع هذا لا يقسر الآخرين على اعتناقه :" لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ .. (256)" البقرة .. بل يدع لهم أقصى الحرية والحماية في مزاولة شعائرهم الدينية . ويبلغ من دقة حسه بهذه الحرية أن يفرض على المسلمين وحدهم " الزكاة" والجهاد ويأخذ في مقابلها من أهل الذمة "الجزية" إذ هم شركاء في حماية الدولة الإسلامية لهم , وعليهم جميعا نفقاتها , ولكنه لا يجعلها على أهل الذمة "زكاة" ـ كما أنه لا يفرض عليهم الجهاد ـ إلا إذا ارتضوا هم وقبلوا , لأن الزكاة فريضة إسلامية وعبادة خاصة بالمسلمين , وكذلك الجهاد , وهو لا يريد أن يقسر أهل الذمة على عبادة من عبادات المسلمين , فيأخذ المال منهم بصفته المالية وحدها ؛ وينفي عنه الصفة التعبدية الملحوظة في فريضة الزكاة ! كما يعفيهم من الجهاد لحماية دار الإسلام التي يتمتعون بأمنها ورخائها . وهذا منتهى دقة الحساسية بالعدل في معاملة الآخرين .
والإسلام إذ يدع للآخرين حريتهم في هذه الحدود يتأثر بروحه العالمية ؛ وهو على ثقة بأنهم متى أتيح لهم أن ينظروا في الإسلام نظر تدبر وإمعان , دون حيلولة من قوة مادية , أو جهالة فكرية , فإنهم بفطرتهم يفيئون إلى الإسلام الذي يحقق التوازن الكامل بين جميع الأهداف التي رمت إليها الديانات من قبله , وبين جميع النزعات والأشواق في الفطرة البشرية ؛ ويضمن للجميع المساواة المطلقة والتكافل التام ؛ ويرمي إلى تحقيق الوحدة الإنسانية في دائرة التصور ودائرة النظام .
وقيام النظام الإسلامي على هاتين الفكرتين كان ذا أثر في كيانه واتجاهه , جعله يلحظ في التشريعات والتوجيهات , وفي سياسة الحكم , وسياسة المال , وسائر النظم التي تضمنها , أنه لا يشرع لجنس , ولا لجيل ؛ وإنما للأجناس جميعاً , وللأجيال جميعاً؛ فاتبع الأسس الإنسانية الشاملة في تشريعاته ونظمه ؛ ووضع القواعد العامة , والمبادئ الواسعة ؛ وترك الكثير من التطبيقات لتطور الزمان وبروز الحاجات ..
وهذا الاتجاه إلى القواعد الكلية واضح في " سياسة الحكم " التي نعقد لها هذا الفصل بصفة خاصة .
* * *
تقوم نظرية الحكم في الإسلام على أساس شهادة أن لا إله إلا الله . ومتى تقرر أن الألوهية لله وحده بهذه الشهادة تقرر بها أن الحاكمية في حياة البشر لله وحده . والله سبحانه يتولى الحاكمية في حياة البشر عن طريق تصريف أمرهم بمشيئته وقدره من جانب , وعن طريق تنظيم أوضاعهم وحياتهم وحقوقهم وواجباتهم , وعلاقاتهم وارتباطاتهم بشريعته ومنهجه من جانب آخر. وفي النظام الإسلامي لا يشارك الله سبحانه أحد , لا في مشيئته وقدره , ولا في منهجه وشريعته .. و إلا فهو الشرك أو الكفر ! وبناء على هذه القاعدة لا يمكن أن يقوم البشر بوضع أنظمة الحكم وشرائعه وقوانينه من عند أنفسهم ؛ لأن هذا معناه رفض ألوهية الله , وادعاء خصائص الألوهية في الوقت ذاته .. وهذا هو الكفر الصراح .
وفي هذه القاعدة يختلف نظام الحكم الإسلامي في أساسه عن كل الأنظمة التي وضعها البشر سواء في ذلك نظام الحكم أو النظام الاجتماعي كله ـ وهذا هو الذي لا يجعل من المستساغ أن يخلط بين الإسلام وأنظمة البشر في الأسماء !
وتقوم " سياسة الحكم في الإسلام " بعد التسليم بقاعدة الألوهية الواحدة و الحاكمية الواحدة ـ على أساس العدل من الحكام والطاعة من المحكومين , والشورى بين الحاكم والمحكوم ... وهي خطوط أساسية كبيرة , تتفرع منها سائر الخطوط التي ترسم شكل الحكم وصورته . بعد أن ترسم القاعدة السابقة طبيعته وحقيقته :
(أ‌) العدل من الحكام : "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ .. (90)"النحل .. " .. وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ .. (58)النساء ..".. وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ..(152)"الأنعام ..".. وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ ..(8)" المائدة.
" إن أحب الناس إلى يوم القيامة وأقربهم مجلساً: إمام عادل ؛ وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر "(1).
فهو العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه الحب والبغض ؛ ولا تغير قواعده المودة والشنآن .
العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد , ولا بالتباغض بين الأقوام , فيتمتع به أفراد الأمة الإسلامية جميعاً , لا يفرق بينهم حسب ولا نسب , ولا مال ولا جاه ؛ كما تتمتع به الأقوام الأخرى , ولو كان بينها وبين المسلمين شنآن , وتلك قمة العدل لا يبلغها أي قانون دولي إلى هذه اللحظة , ولا أي قانون داخلي . بل لا يقاربها كذلك !
والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا عدالة الأقوياء والضعفاء بين الأمم ؛ وعدالة المتحاربين بعضهم بالقياس إلى بعض . ثم عليهم أن يراجعوا عدالة البيض للحمر والسود في الولايات المتحدة ؛ وعدالة البيض للملونين في جنوب إفريقية ؛ وعدالة الشيوعيين والوثنيين والصليبيين للمسلمين في روسيا والصين ويوغسلافيا والهند والحبشة (2) وفي الإشارة ما يغني . فهي أحوال معاصرة يعلمها كل إنسان .
والمهم في عدالة الإسلام أنها لم تكن مجرد نظريات ؛ بل أخذت طريقها إلى واقع الحياة , فحفظ "الواقع التاريخي" منها أمثلة متواترة , وسيأتي تفصيلها في موضعها الخاص إذ نحن هنا بصدد عرض " المبادئ" الإسلامية مجردة كما تدل عليه النصوص .
(ب‌) والطاعة للمحكومين : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .. (59)" النساء . وللجمع في الآية بين الله والرسول وأولي الأمر معناه في بيان طبيعة هذه الطاعة وحدودها ؛ فالطاعة لولي الأمر مستمدة من طاعة الله والرسول , ولأن ولي الأمر في الإسلام لا يطاع لذاته . وإنما يطاع لإذعانه هو لسلطان الله وحده واعترافه له بالحاكمية , ثم لقيامه على شريعة الله ورسوله . ومن اعترافه بحاكمية الله وحده , ثم تنفيذه لهذه الشريعة يستمد حق الطاعة , فإذا انحرف عن هذه أو تلك سقطت طاعته , ولم يجب لأمره النفاذ . يقول صاحب الرسالة ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية , فإذا أمر بمعصية , فلا سمع ولا طاعة"(3) . ويقول : " اسمعوا وأطيعوا ـ وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ـ ما أقام فيكم كتاب الله تعالى"(4) . وواضح في هذا الحديث توقيت السمع والطاعة بإقامة كتاب الله تعالى . فليست الطاعة المطلقة لأوامر الحاكم , وليست هي الطاعة الدائمة ولو ترك شريعة الله ورسوله .
ويجب أن نفرق بين قيام الحاكم بتنفيذ الشريعة الدينية , وبين استمداده السلطان من صفة دينية لشخصه . فليست للحاكم سلطة دينية يتلقاها مباشرة من السماء , كما كان لبعض الحكام في القديم في نوع الحكم المسمى " ثيوقراطية" إنما هو يصبح حاكماً باختيار المسلمين الكامل وحريتهم المطلقة . ولا يقيدهم عهد من حاكم قبله , ولا وراثة كذلك في أسرة ثم يستمد سلطته بعد ذلك من قيامه بتنفيذ شريعة الله دون أن يدعي لنفسه حق التشريع ابتداء بسلطان ذاتي له . فإذا لم يرضه المسلمون لم تقم له ولاية ؛ وإذا رضوه ثم ترك شريعة الله لم تكن له طاعة .
ومن هنا ندرك حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أنه لم يعين خليفة من بعده . إذا كان هذا مظنة أن يستمد خليفته سلطة دينية ذاتية من استخلاف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ له .
إن الإسلام لا يعرف هيئة "دينية" مثل "هيئة الإكليروس" في الكنيسة المسيحية . والحكم الإسلامي ليس هو الذي تقوم به هيئة معينة ؛ ولكنه كل حكم تنفذ فيه الشريعة الإسلامية إقرارا من الحاكم بأن الحاكمية لله وحده , وأن مهمته هو لا تتعدى تنفيذ الشريعة فإذا كان معنى "الحكومة الدينية" في أي ديانة أو طائفة معينة هي التي تتولى الحكم , فإن هذا المعنى ينتفي في الإسلام انتفاء كاملاً ؛ وليس هناك مبرر لأن يفهم أحد أن الحكم في الإسلام يحتاج إلى أكثر من تنفيذ الشريعة الإسلامية , بعد إفراد الله سبحانه بحق الحاكمية .
كل حكم يقوم على قاعدة أن الحاكمية لله وحده , ثم تنفذ فيه الشريعة الإسلامية ,هو حكم إسلامي . وكل حكم لا يقوم على أساس,إفراد الله سبحانه بالحاكمية , ولا تنفذ فيه هذه الشريعة , لا يعترف به الإسلام , ولو قامت عليه هيئة دينية , أو حمل عنواناً إسلامياً ! والطاعة من المحكومين منوطة وموقوتة فقط باعتراف الحاكم بان الحكم لله وحده , ثم تنفيذه لشريعة الله : بلا شرط غير العدل في الحكم وطاعة الله .
(ج) والمشورة بين الحكام والمحكومين :".. وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ .. (159)"آل عمران..".. وَأَمْرُهُمْ شُورَى .. (38)"الشورى.. فالشورى أصل من أصول الحياة في الإسلام , وهي أوسع مدى من دائرة الحكم , لأنها قاعدة حياة الأمة المسلمة كما تدل عليها الآية أما طريقة الشورى , فلم يحدد لها نظاماً خاصاً , وتطبيقها إذن متروك للظروف والمقتضيات . فقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستشير المسلمين ـ فيما لم يرد فيه وحي ـ ويأخذ برأيهم فيما هم أعرف به من شؤون دنياهم ، كمواقع الحرب وخططها .. سمع لرأيهم في غزوة بدر , فنزل على ماء بدر بعد أن كان قد نزل على مبعدة منه , وسمع لرأيهم في حفر الخندق وسمع لهم في الأسرى مخالفاً رأي عمر , حتى نزل الوحي بتأييد عمر .. أما ما كان فيه وحي , فلا مجال فيه للشورى بطبيعة الحال , فهو مقرر من مقررات الدين .
وكذلك سار الخلفاء في استشارة المسلمين : استشار أبو بكر في شأن مانعي الزكاة وأنفذ رأيه في محاربتهم ؛ وكان عمر يعارض أولاً؛ ولكنه فاء إلى رأي أبي بكر اقتناعاً به , بعد ما فتح الله قلبه له , وهو يرى أبا بكر يصر عليه ؛ واستشار أهل مكة في حرب الشام على رغم معارضة عمر . واستشار عمر في دخول الأرض الموبوءة وانتهى إلى رأي . ثم وجد نصا من السنة يؤيده فالتزمه ... وهكذا كانت الشورى لا على نظام مقرر مرسوم ؛ لأن الظروف الواقعية كانت تعين أهل الشورى في كل فترة بحيث لا يلتبس الأمر في شأنهم . ولكن عمومية الأمر تدع المجال مفتوحاً لأشكال متعددة من النظم والطرق لا يحددها الإسلام , اكتفاء بتقرير المبدأ العام .
على أن الحركة الإسلامية في فترة تعين هي بطبيعتها أهل الشورى من أهل البلاء والسبق والرأي ؛ في يسر لا تعرفه الأنظمة البشرية .(5)
* * *
ليس للحاكم إذن ـ فيما عدا الطاعة لأمره , والنصح له والمعونة على إقامة الشريعة ـ حقوق أخرى ليست لأي فرد من عامة المسلمين .
ومع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن حاكماً فحسب ، بل كان صاحب الشريعة , فقد سن للحاكم حدوده في دائرة ما يمنحه الإسلام من حقوق ؛ وسار خلفاؤه على هداه ـ كما سيجيء في فصل الواقع التاريخي ـ فكان يقص من نفسه إلا أن يعفو صاحب الحق عنه ؛ وجاءه صاحب دين فأغلظ عليه , فهم المسلمون به فأشار عليهم أن يدَّعوه ,لأن لصاحب الحق مقالاً ! وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" لا يحل لي من غنائمكم هذه إلا الخمس , والخمس مردود عليكم "(6).
وقال لعشيرته وأهله القربين : " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً . ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً . ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي , لا أغني عنك من الله شيئاً"(7).
وقال لعلي وفاطمة , لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تلوي بطونهم من الجوع"وقال لهما في مرة : " لا أخدمكما وادع أهل الصفة تطوى"(8) . وقال "إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه. لو كانت فاطمة لقطعت يدها"(9) .
فليس للحاكم إذن حق زائد في الحدود , ولا في الأموال ؛ وليس لأهله حق فيها غير ما لرجل من عامة المسلمين .
وليس للحاكم أن يعتدي على أرواح الناس وأجسادهم , ولا حرماتهم أو أموالهم . فإذا هو أقام الحدود , ونفذ الفرائض , فقد انتهى إلى آخر حدوده ؛ وانقطعت سلطته على الناس , وعصمهم الله من سلطانه : أرواحاً وأجساداً وحرمات وأموالاً....
ولقد ضمن الإسلام , في أوامر صريحة عامة , تلك الأرواح والأجساد والحرمات والأموال , بصورة لا تدع مجالاً للشك في مدى حرصه على ضمانة الأمن والسلام والكرامة للجميع :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا .. (27)" النور.." وَلَا تَجَسَّسُوا"12الحجرات: والحديث " كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله"(10) .. والنفس بالنفس .. والجروح قصاص.
* * *
وحين يضيق الإسلام سلطة الإمام فيما يختص بشخصه , يوسع له إلى أقصى الحدود في رعاية المصالح المرسلة للجماعة , تلك المصالح التي لم يرد فيها نص والتي تتجدد بتجدد الزمان والأحوال . فالقاعدة العامة : أن للإمام المسلم القائم على شريعة الله أن يحدث من الأقضية بقدر ما يجد من مشكلات , تنفيذاً لقوله تعالى : " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ "78 الحج .. وتحقيقا لأهداف الدين العامة , في إصلاح حال الفرد وحال الجماعة , وحال الإنسانية كلها , في حدود المبادئ المقررة في الإسلام , وبشرط العدل الذي يجب توافره في الإمام .
فكل ما يوقع بالأمة ضررا من أي نوع , على الأمام أن يزيله ؛ وكل ما يحقق للأمة نفعاً من أي نوع ,عليه أن يقوم به , على ألا يخالف نصاً من نصوص الدين . وهي سلطات واسعة تتناول جوانب الحياة كلها . وتحقيق العدالة الاجتماعية بكل ملابساتها داخل هذه السلطات . فله أن يتجاوز في الناحية المالية مثلاً , فريضة الزكاة إلى ضرائب أخرى يتحقق بها التعادل والتوازن , وتزول بها الأحقاد والضغائن ؛ وترتفع بها عن الأمة مضار الترف , مضار الشظف , ومضار احتباس المال في أيدي قلة من الناس , ولكن دون أن يخل بنص أو بقاعدة أساسية من قواعد الحياة الإسلامية . فليس له أن يُحفى الناس , فيأخذ كل مالهم ويدعهم فقراء ؛ أو يجعل موارد رزقهم كلها في يديه يستذل أعناقهم بها ويجعلهم عبيداً له ؛ ويفقدهم القدرة على أن يقوموا بواجبهم في النصيحة الحرة والرقابة الواعية , وتغيير المنكر أياً كان مصدره . فإن هذا كله لا يتأتى للأفراد قط ما لم تكن لهم موارد رزق خاصة لا يتحكم فيها الأمام والولاة . فالذي يملك موارد الرزق تذل له رقاب العباد !
والواقع التاريخي في حياة الأمة الإسلامية قد حوى نماذج كثيرة من رعاية المصالح المرسلة ـ دون إخلال بقواعد الحياة الإسلامية التي أشرنا إليها ـ وهناك تطبيقات مستطاعة في كل وقت , فالإسلام ليس نظاما متحجراً ؛ وتطبيقاته التفصيلية لا تقف عند عصر من العصور , ولا بيئة من البيئات . وكل ما يريد الإسلام تثبيته هو القواعد الأساسية التي تحدد ملامحه الربانية , وتحفظ المجتمع المسلم من الذوبان في المجتمعات الجاهلية , أو تحرمه القدرة على قيادة هذه المجتمعات التي لقيادتها .
* * *
وبعد فهذا حديث عن الناحية "الرسمية" في "سياسة الحكم في الإسلام" ووراءها ناحية"التطوع"التي يتجاوز بها "التوجيه" ما يفرضه "التشريع" على طريقة الإسلام في كل تكاليفه ونظمه .
فسياسة الحكم في الإسلام تقوم على أساس من الضمير , فوق قيامها على أساس من التشريع . وتقوم على أساس أن الله حاضر في كل لحظة مع الحاكم والمحكوم , رقيب على هذا وذاك : "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة"(11). " وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)" البقرة..
فالراعي والرعية مطالبان كلاهما برعاية الله في كل تصرف , وخشية الله هي الضمانة الأخيرة في تحقيق العدالة . وقد مر بنا أن الإسلام ينوط بالضمير البشري بعد تهذيبه أموراً كباراً في الحدود وفي الأموال فإذا لم تكن خشية الله في هذا الضمير البشري بعد تهذيبه أموراً كباراً في الحدود والأموال . فإذا لم تكن خشية الله في هذا الضمير , فلا ضمان , لأن التشريع يمكن الاحتيال عليه والتستر دونه , وغش الحاكم والقاضي والناس.
ولا يفهم من هذا أن النظام الإسلامي الاجتماعي قائم على هذا الضمير وحده.
ولكن الذي ينبغي أن يفهم هو أن في الإسلام ضمانة أخرى غير مجرد التشريع . وهي تحسب له ـ من ناحية القدرة على التحقق ـ ميزة على النظم التي تعتمد على التشريع وحده , بلا تحرج من ضمير , ولا حساسية في الشعور.
وسنرى فيما بعد أن هذا الضمير الذي رباه الإسلام هذبه , وقام بأدوار خطيرة , وجاء بما يشبه المعجزات والخوارق في حياة المسلمين على مر العصور .

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشيخان والترمذي
(2) (تراجع فصول "المسلمون متعصبون في كتاب دراسات إسلامية")
(3) الشيخان
(4) البخاري
(5)تفصيل هذا الإجمال في فصل :"مجتمع شورى" في كتاب: "نحو مجتمع إسلامي".
(6)أبو داود والنسائي
(7)متفق عليه
(8)حديث رقم 596من المسند نشر الأستاذ أحمد محمد شاكر.
(9) رواه الجماعة
(10) الشيخان
(11) الشيخان
سياسة المال في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب









توقيع : مصطفى الكومي

رؤى

عرض البوم صور مصطفى الكومي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الاجتماعية, العدالة, çلهَلçم


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

[عرض الكل هذه الموضوع تم تقييمه بواسطه : 0
No one has rated this thread.

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 03:47 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.0 , Designed & TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى قصة الإسلام