منتدى قصة الإسلام

منتدى قصة الإسلام (http://forum.islamstory.com/)
-   مكتبة قصة الإسلام (http://forum.islamstory.com/f60.html)
-   -   العدالة الاجتماعية في الإسلام (http://forum.islamstory.com/16547-%C7%E1%DA%CF%C7%E1%C9-%C7%E1%C7%CC%CA%E3%C7%DA%ED%C9-%DD%ED-%C7%E1%C5%D3%E1%C7%E3.html)

مصطفى الكومي 07-11-2010 07:17 AM

العدالة الاجتماعية في الإسلام
 
أرى أن أغلب الكتب التي يقرأها الإسلاميين غالبا كتب التراث وكثيرمن القراء الإسلاميين يغضون الطرف عن الكتب الحديثة بالرغم أن الكتب التراث مفيدة وخاصة للمتخصصين إلا أنها أحيانا ما تعالج مشاكل معاصرة لأزمنتها وهذا قد يدعو البعض لإسترجاع هذه المشكلات واحضارها إلى حيز الوجود وكأنها مشكلة معاصرة فنعود لنعيش مشاكل الماضي ونحييها بينما هي غير موجودة في الأصل ولكنها مفتعلة بينما كتب المعاصرين تقرأ الواقع وتعالج مشكلاته وتجعلنا نعيش في الحاضر ونعالج مشكلاته ولهذا أعدت نشر هذا الكتاب لنفكر في حلول لمشاكل الحاضر

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب

إهداء
إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين , فوجدتهم في وقع الحياة قائمين.. يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم , مؤمنين في قرارة نفوسهم : أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.وإلى هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالي أمنية وحلما , فإذا هم حقيقة وواقع , حقيقة أعظم من الخيال, وواقع أكبر من الآمال.
إلى الفتية الذين انبثقوا من ضمير الغيب كما تنبثق من ضمير العدم, وكما ينبثق النور من خلال الظلمات.
إلى هؤلاء الفتية الذين يجاهدون باسم الله . في سبيل الله . على بركة الله . أهدى هذا الكتاب.
رجب1373هـ
مارس1954م
سيد قطب

مصطفى الكومي 07-11-2010 07:28 AM

رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام
 
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب

بسم الله الرحمن الرحيم

الدين والمجتمع بين المسيحية والإسلام

في عالم الاقتصاد, لا يلجأ الفرد إلى الاستدانة, وله رصيد مذخور, قبل أن يراجع رصيده , فيرى إن كان فيه غناه , ولا تلجأ الدولة إلى الاستيراد قبل أن تراجع خزائنها, وتنظر في خاماتها ومقدراتها كذلك .. أفلا يقوم رصيد الروح , وزاد الفكر و وراثات القلب والضمير و كما تقوّم السلع والأموال في حياة الناس؟ !
بلى! لكن في العالم الذي يطلق عليه اسم" العالم الإسلامي", لا تراجع رصيدها الروحي وتراثها الفكري, قبل أن تفكر في استيراد المبادئ والخطط, واستعارة النظم والشرائع, من خلف السهوب ومن وراء البحار !
إن الناس تنظر فترى واقعا اجتماعيا لا يسر , وتبصر فترى أوضاعا اجتماعية لا تحقق العدالة ,عندئذ تتجه بأبصارها إلى أوربا وأمريكا وروسيا والصين ويوغسلافيا ... وما إليها ! تستجلب منها الحلول لمشكلاتها , كما تستورد منها السلع لمعاشها. غير أنها عند استيراد السلع تراجع أرصدتها القديمة, وتحصي موجوداتها في السوق, وتنظر في قدرتها على الإنتاج. فأما عند استيراد المبادئ والنظم والقوانين فلا تصنع شيئا من هذا كله؛ولا تتحرج أن تلقي بكل تراثها الروحي , وكل مقوماتها الفكرية, وكل الحلول التي يمكن أن يتيحها النظر فيما لديها من أسس ومبادئ ونظريات , لتستجلب المبادئ الديمقراطية, أو الاشتراكية , أو الشيوعية ؛فتكل إليها حل مشكلاتها الاجتماعية ؛ مهما اختلفت أوضاعها ,وظروفها , وتاريخها , ومقومات حياتها المادية والفكرية والروحية , عن ظروف القوم فيما وراء البحار , وفيما خلف السهوب!
وهؤلاء الناس يعلنون أن دينهم هو الإسلام . ويزعمون أحياناً أنهم حماة الإسلام ودعاته! ولكنهم يقصون هذا الدين من حياتهم العملية ,ولا يحكم الحياة , ولا يصرف شئونها , ولا يعالج مشكلاتها ... فالدين ـ كما يقال ـ صلة ما بين العبد وربه ؛ أما صلات الناس , وعلاقات المجتمع , ومشكلات الحياة , وسياسة الحكم وسياسة المال ... فلا دخل للدين بها , ولا دخل لها بالدين .. هذا ما يقوله الذين لا ينكرون الدين . فأما الآخرون فيقولون : لا تذكروا لنا هذا الدين ؛ فالدين إن هو إلا مخدر أستغله الرأسماليون والحكام المستبدون , لتنويم الطبقات الكادحة , وتخدير الجماهير المحرومة! ومن أين جاء هؤلاء الناس بهذه النظريات الغريبة على طبيعة الإسلام , وعلى تاريخ الإسلام ؟ لقد استوردوها هي الأخرى ـ كما يستوردون كل شيء ـ من خلف السهوب ومن وراء البحار!
ذلك أن قصة العزلة بين الدين والدنيا لم تنبت في العالم الإسلامي , ولم يعرفها الإسلام , وقصة تخدير الدين للمشاعر لم تكن يوماً وليدة هذا الدين , ولم تعرفها طبيعته . ولكنهم يتلقفونها كالببغاء, ويحاكونها محاكاة كالقردة , ولا يحاولون أن يفتشوا عن أصلها ونشأتها , ولا يعرفون مصدرها وموردها.. فلننظر من أين جاءت , وكيف جاءت هذه القولة الغريبة .

* * *
لقد نشأت المسيحية في ظلال الإمبراطورية الرومانية ؛ وفي وقت تحجرت فيه الديانة اليهودية ؛ واستحالت طقوسا جامدة لا حياة فيها , ومظاهر خاوية لا روح فيها . وكان للإمبراطورية الرومانية قوانينها المشهورة التي لا تزال ينبوعا للقوانين الأوربية الحديثة ؛وكان للمجتمع الروماني نظمه الوضعية ؛ ومقوماته الاجتماعية , فلم تكن المسيحية الكنسية كما صاغها بولس وقدمها لأوروبا , وفي الظروف التي كانت قائمة يومذاك , بقادرة على أن تضع للدولة الرومانية الوطيدة , وللمجتمع الروماني المعقد , قوانين ونظماً , وحدوداً للسير على هداها وفي الدولة والمجتمع . بينما بنو إسرائيل الذين أرسل إليهم عيسى عليه السلام والأرض المقدسة كلها مستعمرة رومانية ! فانصرفت بحكم هذه الظروف إلى التهذيب الروحي والتطهير الوجداني ؛ وعنيت بهذا الجانب بقدر ما كانت معنية بنقد الطقوس الجامدة , والمظاهر الخاوية في شعائر اليهودية , ورد الروح والحياة إلى الضمير الإسرائيلي .
ولقد بلغت المسيحية في بعض فتراتها مستوى عاليا في التطهير الروحي , والتجرد المادي , والسماحة الوجدانية , وأدت واجبها في هذا الجانب من حياة الإنسانية الروحية , وبقدر ما تستطيع تعاليم روحية مجردة من الشريعة أن ترتفع بالروح , وأن تسمو بالوجدان , وأن تنظف القلب والضمير وأن تكبت الغرائز , وتعلوا على الضرورات , وتهدف إلى أشواق مقدسة في عالم المثال والخيال , وتاركة للدولة تنظمه بقوانينها الأرضية في عالم الظاهر والواقع , إذ كانت هي معنية بعالم النفس والضمير , وكانت بذلك منطقية مع الصورة التي رسمتها الكنيسة للمسيحية , ومع نشأتها في بيئة خاصة , ومع حاجة الأمة الإسرائيلية بصفة خاصة في تلك الفترة .
ولما عبرت المسيحية في صورتها هذه البحر إلى أوربا وجدت الرومان ورثة الحضارة الإغريقية المادية الوثنية , وكما وجدت أقواما في أنحاء أوربا حديثي العهد بالبربرية , يتناحرون بجموعهم الكثيفة على رقعة من الأرض ضيقة , وذات طبيعة قاسية وعرة ضنينة شحيحة , لا يملك من يعيش فيها طعم الراحة فترة , ولا يلقي سلاحه لحظة , ولا أن يركن في واقع الحياة إلى نظريات المسيحية وتعلقها بملكوت السماء , وانعزالها عن الحياة الأرضية الواقعية .
لقد رأى هؤلاء الأقوام أن الدين لا يصلح للحياة , فقالوا: إن الدين صلة ما بين العبد والرب , وأنه لا بأس عليهم أن يستظلوا بظله في الكنيسة ؛ وأن يستروحوا نسماته في الهيكل المقدس , وأن يواجهوا صراعا الحياة بعد ذل في المجتمع بتقاليدهم البربرية ؛ وأن يدعوا السيف يقضي بحكمه في أبان همجيتهم , ويدعوا القانون المدني يقضي بحكمه بعد أن تحضروا . فأما الدين فقد بقى في عزلته الوجدانية هناك في القلوب والضمائر, وفي الهيكل المقدس وكرسي الاعتراف ! ولم تتمثل المسيحية هنالك قط في نظام يهيمن على الحياة كلها , ويربط ملكوت الأرض بملكوت السماء .
ومن هنا كانت تلك العزلة بين الدين والدنيا في حياة الأوربيين . بل كانت الحقيقة الواقعة التي تنطق بها طبائع الأشياء , وهي أن أوربا لم تكن مسيحية قط في يوم من الأيام. وقد بقى الدين في عزلة عن تكييف الحياة وتنظيمها من يوم دخوله إلى يومنا هذا .
ولكن رجال الدين من القساوسة , ومن الكرادلة , والبابوات .. لم يكونوا ليستطيعوا أن يضمنوا مصالحهم , ولا أن يحافظوا على نفوذهم , إذا بقيت الكنيسة في عزلة عن الحياة الاقتصادية الاجتماعية والسياسة فلابد إذن أن تكون الكنيسة سلطة تقابل سلطة الملوك والأمراء ولا بد أن تستغل سلطانها الروحي في ميدان الحياة العامة . وجاءت عصور كان للكنيسة أملاك وجيوش وسلطان لا تقل عن أملاك الملوك وجيوشهم وسلطانهم . ووقع النزاع ـ كما لابد أن يقع ـ بين الكنيسة والسلطة , وبين البابوات والأباطرة ؛ وكان الدهماء في الغالب في صف الكنيسة . ثم وقع الوفاق ـ كما لابد أن يقع ـ بين هاتين السلطتين , لالتقاء مصلحتيهما في تسخير الجماهير, واستغلال الدهماء , ما دامت مصالح مادية واقتصادية في حقيقتها , وما دام النزاع في أصله على السلطة الزمنية .
وكان هذا . وقيل : إن الدين مسخر لإخضاع الملايين للمستبدين ورجال الدين . لأنه هكذا كان الأوربيين !
* * *
وبقيت الكنيسة سلطة مقدسة , وتملك رقاب الناس في الدنيا , وفي الآخرة كذلك بقيت تبيع " صكوك الغفران " وتصدر "قرارات الحرمان" , وظلت تتحكم في مشاعر الناس وأفكارهم على السواء ؛ ومن خلفها محاكم التفتيش , تقتل وتحرق كل من يرفع رأسه , أو يتهم بالزيغ والإلحاد .. حتى جاء عصر الإحياء ورأت الكنيسة ما يهدد سلطانها من تفتح الأذهان والمشاعر بعد القرون المظلمة ؛ ولم يكن هينا عليها أن تفقد سلطانها أمام تيار الفكر الحديث والعلم الآخذ بالنماء؛ فانطلقت تقاوم وتجاهد لتكميم الأفواه الجريئة , وتعطيل الأفكار المتحررة من الجهل والخرافة , التي تناقض النظريات البالية العتيقة ؛ فكان العداء الشنيع بين الكنيسة وحرية الفكر منذ ذلك التاريخ . ولما كانت الكنيسة لا تريد أن تكتفي بملكوت السماء , و أن تقنع بالتحكم بالآخرة . فقد اصطدمت نظرياتها عن الأرض والأفلاك والمواد بنظريات العلم القائمة على الدراسة الطليقة مما فرضته الكنيسة من مقررات , ولم تقم إلا على ناقص من علم البشر , ولا علاقة لها بالدين في أصوله ... فقد نشأت أجيال من العلماء والمفكرين تكره الكنيسة وتحتقرها معاً ؛ وتكن في نفوسها العداوة والبغضاء والاشمئزاز للدين ولرجال الدين .
ومن هنا كانت الجفوة بين الدين والعلم , وبين الكنيسة والفكر , في حياة الأوربيين !(1)
* * *
ثم سارت الحياة في طريقها ؛ وآتى العلم الحديث ثمراته ونشأ عنه في عالم الصناعة ما يعرف بالإنتاج الكبير ؛ وتضخمت رؤوس الأموال ؛ وأصبح في ميدان العمل معسكران منفصلان : معسكر أصحاب رؤؤس الأموال , ومعسكر العمال ؛ وانفرجت الهوة بين مصلحة كل المعسكرين ؛ وانتقلت السلطة الحقيقية من يد الدولة إلى أيدي أصحاب رؤوس الأموال . ولما لم يكن بد للكنيسة أن تنضم للسلطة الحقيقية , فقد انضمت إلى معسكر رأس المال ! .
ولا أحب أن أظلم رجال الكنيسة الأوربية جميعا ؛ فقد يكون منهم المستنفع الذي يدرك مركز القوة فينضم إليه ؛ ويتخذ من الدين مخدراً للطبقات الكادحة ؛يصدها عن الثورة لحقها ؛ ويخذلها عن طلب النصفة في الدنيا , ويمنيها العوض في الآخرة . ولكن بعضهم لا بد أن يكون مخلصا في دعوة من هذا القبيل , حسب فهمه لعقيدته المسيحية كما رسمتها الكنيسة , فالمسيحية في جوهرها تزهد , واحتقار للحياة الظاهرة , وتطلع إلى ملكوت الرب وعلم السماء , وانفصال كامل بين بين ملكوت الأرض وملكوت السماء . وعلى أية حال , لقد وجدت الطبقات الكادحة التي تريد أن تصارع ,أن الدين لا يغذي رغبتها في الصراع ؛ وأن الكنيسة تتخذ منه مخدراً للكادحين ؛ فأعلنت ثورتها الكاملة على الدين ؛ وقالت عنه : إنه مخدر الملايين . وسواء كان دعاة المذهب المادي مخلصين في موقفهم من الكنيسة أم غير مخلصين , فالحق أن الكنيسة كانت تقف في غير صف الكادحين !
ومن هنا كان العداء الجاهر الصريح بين الشيوعية والدين (2)!
* * *
ولكن نحن ! نحن الذين نسمي أنفسنا مسلمين ونتسمى بأسماء المسلمين ـ ما بالنا وهذا كله ؟ وظروفنا التاريخية , وطبيعة الإسلام وظروفه ليست في شيء من هذا جميعه !
ولقد نشأ الإسلام في أرض لا سلطان لإمبراطورية ولا ملك عليها ؛ ونشأ في مجتمع بدوي قبلي ليست به أوضاع أو قوانين من نوع ما كان في الإمبراطورية الرومانية . وكان هذا انسب وضع لهذا الدين في نشأته الأولى , ليتولى إنشاء المجتمع الذي يريده بلا عوائق حقيقية ويضع له قوانينه ونظمه ؛ ويتولى في الوقت ذاته ضميره وروحه , كما يتولى سلوكه ومعاملاته ؛ ويجمع بين الدنيا والدين في توجيهاته وتشريعاته .. وقد قام على أساس توحيد عالم الأرض وعالم السماء في نظام واحد يعيش في ضمير الفرد , كما يعيش في ضمير الجماعة , ولا ينفصل فيه النشاط العملي عن الوازع الديني ؛ ولا يتعدد جوهره الموحد , وإن اختلفت مظاهره ومسالكه .
ولم يكن الإسلام ـ ووظيفته الأولى هي إنشاء صورة جديدة وكاملة للحياة الإنسانية ـ بمستطيع أن ينعزل في الوجدان البشري , بعيدا عن الحياة العملية الواقعية ؛ ولم يكن مضطراً من ناحية نشأته التاريخية كذلك أن يضيق دائرة عمله لحظة واحدة خشية إمبراطورية أو سلطان ؛ فهو سيد نفسه حتى والجاهلية العربية تعارضه . فهي تعارضه بغير أوضاع اجتماعية ذات جذور راسخة وبغير نظام اجتماعي وطيد الأركان كالمجتمع الذي صادفته المسيحية في أول عهدها . وميدان عمله هو الحياة البشرية كلها , روحيها وماديها , دينها ودنيويها. وقد نشأ في أنسب بيئة ليزاول طبيعته كاملة , ويبلور حقيقته في صورة واقعية منذ اللحظة الأولى . والله أعلم حيث يجعل رسالته , وقد كان من قدر الله لهذا الدين الذي سيبقى إلى آخر الزمان أن يطبق تطبيقاً كاملاً بلا عوائق منذ ولادته لتبقى منه صورة كاملة للأجيال لا غبش فيها ولا شبهة .
ولن يستقيم هذا الدين في عزلة عن المجتمع ؛ ولن يكون أهله مسلمين , وهم لا يُحكّمونه في نظامه الاجتماعي والقانوني والمالي ؛ ولن يكون مجتمعهم إسلامياً , وأحكام الإسلام وشرائعه منفية من قوانينهم ونظمهم وليس لهم من الإسلام إلا شعائر وعبادات ؛ فلإسلام هو العبودية لله وحده , ولإفراده بخصائص الألوهية , وفي أولها الحاكمية , كما سنفصل بعد:
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (3)..( ... وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...)(4)..
( ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(5).
ومما يجعل هذا الطريق متعينا , أن هذا الدين كل لا يتجزأ: عباداته ومعاملاته وشرائعه وتوجيهاته . والشعائر التعبدية ليست منفصلة في طبيعته وأهدافه عن النظم والمعاملات , فالصلاة وهي من أخص الشعائر التعبدية تعني توجه الفرد وتوجه الجماعة إلى اله واحد عزيز قادر, ولا تعنوا الجباه إلا له , وإلى قبلة واحدة لا زيغ عنها ولا فسوخ , كما تعني المساواة أمام ديان واحد , الكل له عبيد , والكل أمامه سواء , ( شهادة أن لا إله إلا الله) ـ وهي الركن ألاعتقادي الأول في هذا الدين ـ تعني منهجاً كاملاً للحياة يقوم على التحرر المطلق وجدانيا وعمليا من كل عبودية لغير الله . وهذا التحرر الذي هو الخطوة الأساسية لتحقيق مجتمع صالح وكريم , الكل فيه متساوون .
وعلى أية حال فلن يرتاب باحث في هذا الدين , في أن فكرة المجتمع واضحة بارزة في شعائره ونظمه على السواء , وأنها الفكرة الأولى القوية الشائعة في كيانه كله . فإذا شاهدنا في بعض العصور محاولة لتضخيم الجانب "التعبدي"في هذا الدين وعزله عن الجانب الاجتماعي , أو عزل الجانب الاجتماعي عنه , فتلك آفة العصر لا آفة الدين( 6) .
وليس هذا الذي نقوله عن الإسلام بدعاً نبتدعه , ولا تأويلاً جديدا لحقيقته , وإنما هو الإسلام كما أبان عن وجهته , وكما فهمه صاحبه الأول ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ وكما فهمه أصحابه المخلصون له , والقريبون من منبعه الأصيل. جاء في القرآن الكريم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه...ِ" (7) وكلنا يعلم كم تستغرق الصلاة المفروضة من الزمن في اليوم , وما بقي للسعي والعمل , فوقت الصلاة نسبة ضئيلة في حياة الإنسان , وللمجتمع والحياة ما تبقى طوال الليل والنهار . وجاء في موضع آخر : " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا"(7) لأن الغالب في النهار المعاش لا الشعائر التعبدية .
على أن الإسلام لا يعد العبادة فيه هي مجرد إقامة الشعائر , إنما الحياة كلها خاضعة لشريعة الله , متوجهاً بكل نشاط فيها إلى الله . ومن ثم يعد كل خدمة اجتماعية وكل عمل من أعمال الخير فيه عبادة . قال صلى الله عليه وسلم : " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار"(8)والحادثتان التاليتان قاطعتان الدلالة على روح الإسلام , كما يفهمه صاحبه رسول الله : عن أنس رضي الله عنه قال : كنا مع النبي في سفر , فمنا الصائم ومنا المفطر . قال : فنزلنا منزلاً في يوم حار , أكثرنا ظلا صاحب الكساء , فمنا من يتقي الشمس بيده . قال فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا البنية , سقوا الركاب . فقال صلوات الله عليه وسلامه : ذهب المفطرون اليوم بالأجر كله (9) .
وعنه أيضاً أنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته , فلما أخبروا كأنهم تقالوها ! وقالوا أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قال أحدهم : أما أنا فاصلي الليل أبداً . وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر لا أفطر . وقال آخر : وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم فقال : "أنتم الذين قلتم كذا وكذا . أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له . ولكني أصوم وأفطر , وأصلي وارقد , وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني(10)" .
ولم يكن ذلك من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أعرف بدينه , استهانة بأمر الصوم والصلاة ؛ ولكن إدراكاً لحقيقة هذا الدين , الذي يعمل للحياة وهو يعمل للعقيدة, فيمزج العقيدة بالحياة , ولا يقف بها في معزل وجداني في عالم الضمير .
وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حين رأى رجلاً يظهر النسك والتماوت , فخفقه بالدُّرة وقال :" لا تمت علينا ديننا أماتك الله ". أو حين شهد عنده شاهد , فقال : أئتني بمن يعرفك , فأتاه برجل , وأثنى عليه خيراً , فقال له عمر : أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه ؟ قال : لا . قال كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الخلاق ؟ قال : لا . قال فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به رع الرجل ؟ قال : لا . قال : أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن , يخفض رأسه تارة ويرفعه أخرى! قال : نعم! فقال : اذهب فلست تعرفه ! وقال للرجل : اذهب فأتني بمن يعرفك !
فهذه من عمر ـ رضي الله عنه ـ كتلك من نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم فهم صحيح لحقيقة هذا الدين , وتصوره للعباد والسلوك , وفي العقيدة المستسرة في الضمير , والعمل الواضح للعيان : " وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا(12) ". " ... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ...(13)". " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(14)".. " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.." (15)
" من رأي منكم منكرا فليغيره "(16) .
فهذا هو قوام الإسلام في العمل والاعتقاد . ولا عزلة إذن بين الدين والدنيا , ولا بين العقيدة والاجتماع , كما كان الحال في المسيحية التي صاغتها المجامع المقدسة .
* * *
والإسلام لا كهانة فيه ولا وساطة بين الخلق والخالق , فكل مسلم في أطراف الأرض , وفي فجاج البحر , يستطيع بمفرده أن يتصل بربه , بلا كاهن ولا قسيس . والإمام المسلم لا يستمد ولايته من ’الحق الإلهي’ ولا من الوساطة بين الله والناس , إنما يستمد مباشرته من الجماعة الإسلامية , كما يستمد السلطة ذاتها من تنفيذ الشريعة , التي يستوي الكل في فهمها وتطبيقها متى فقهوها , ويحتكم إليها الكل على السواء .
فليس في الإسلام " رجل دين " بالمعنى المفهوم في الديانات التي لا تصح مزاولة الشعائر التعبدية فيها إلا بحضور رجل الدين . إنما في الإسلام علماء دين , وليس للعالم بهذا الدين من حق خاص في رقاب المسلمين , وليس للحاكم في رقابهم إلا تنفيذ الشريعة التي يبتدعها هو , بل يفرضها الله على الجميع . وأما في الآخرة , فالكل مصيرهم إلى الله : "وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا"(17) .
فلا صراع إذن بين علماء الدين والسلطان على رقاب العباد , ولا أموالهم ؛ وليست هنالك مصالح اقتصادية ولا معنوية يتنازعانها ؛ وليست هنالك سلطة روحية أخرى زمنية في الإسلام فلا مجال للصراع عليها , كما كان الحال بين الأباطرة والبابوات . والإسلام لا يعادي العلم ولا يكره العلماء ؛ بل يجعل العلم المؤدي إلى معرفة الله ـ وكل علم صحيح يؤدي إلى هذه الغاية ـ فريضة مقدسة داخلة في الطاعات الدينية : " طلب العلم فريضة على كل مسلم "(18) .. " من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقا إلى الجنة"(19) .
لم يعرف التاريخ الإسلامي تلك الاضطهادات المنكرة المنظمة لرجال الفكر أو رجال العلم كما عرفتها محاكم التفتيش . والمرات القليلة النادرة التي عوقب فيها رجال على أفكارهم , تعد شاذة في تاريخ المسلمين , وفي الغالب كانت تتلبس بها حالات سياسية , وتكمن خلفها نزعات حزبية , وهي على وجه العموم ليست طابعاً بارزا للحياة الإسلامية ؛ وقد جاءت على أيدي أناس ينكر عليهم الإسلام أن يكونوا فَهمَة للإسلام .
وذلك طبيعي في دين لم يعتمد الخوارق والمعجزات ؛ وإنما قام على التأمل والنظر في آيات الله في الأنفس والآفاق :
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ".."يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "(21)
وذلك طبيعي أيضاً في دين يربط التقوى بالعلم ؛ ويجعل العلم سبيلاً إلى معرفة الله وخشيته : ".. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ .."(22)... ويرفع العلماء على الجهال : " ..قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ .."(23).. " فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب " (24) .
فلا جفوة إذن بين الدين والعلم الصحيح المؤدي إلى معرفة الله عن طريق آياته في الأنفس والآفاق .لا جفوة بين الدين وهذا العلم , لا في طبيعة الإسلام ولا في تاريخه , كالجفوة التي وقعت بين الكنيسة والعلماء في عصر النهضة وما تلاه .
فأما وقوف " رجال الدين (25)" في صف السلطان وأصحاب المال وتخديرهم بالدين للعاملين المحرومين , فلا نكران لوقوعه في بعض عهود التاريخ الإسلامي . ولكن روح الدين الحقيقية تنكر على هؤلاء موقفهم ؛ والدين يتوعدهم بالعذاب والنكال جزاء ما اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً . ولقد حفظ التاريخ بجانب سير هؤلاء سيراً لنماذج من " علماء الدين "الذين لم تأخذهم في الحق لومة لائم , أو الذين جابهوا السلطان وأصحاب المال بحق الفقراء وحق الله ؛ وكما حرضوا أصحاب الحقوق على حقوقهم , وبينوها لهم , وتعرضوا لظلم الحكام , وللنفي أحياناً والاضطهاد .
* * *
ليس لدينا إذن سبب واحد لتنحية الإسلام عن المجتمع , لا من طبيعته الخاصة , ولا من ظروفه التاريخية , كالأسباب التي لازمت المسيحية في أوربا ؛ فعزلت الدنيا عن الدين
وتركت للدين تهذيب الضمير وتطهير الوجدان ؛ بينما تركت للقوانين الوضعية تنظيم المجتمع وتسيير الحياة .
كذلك ليست لدينا أسباب حقيقية للعداوة بين الإسلام والكفاح لتحقيق العدالة الاجتماعية ـ في حدود المنهج الإسلامي والشريعة الإسلامية ـ كالتي لابست العداوة بين المسيحية والشيوعية ؛ فالإسلام يفرض قواعد العدالة الاجتماعية ؛ ويضمن حقوق الفقراء في أموال الأغنياء ؛ ويضع للحكم والمال سياسة عادلة ؛ ولا يحتاج لتخدير المشاعر , ولا دعوة الناس لترك حقوقهم على الأرض , وانتظارها في ملكوت السماء . بل إنه لينذر الذين يتنازلون عن حقوقهم الشرعية , تحت أي ضغط , بسوء العذاب في الآخرة ؛ ويسميهم ظالمي أنفسهم : " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا "(26)..
ويحرضهم على القتال لحقهم " ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد "(27) .
فإذا اضطرت أوربا لتنحية الدين عن حياتها العامة , فلسنا بمضطرين أن نجاريها في هذا الطريق ؛ وإذا اضطرت الشيوعية أن تعادي الدين لتضمن حقوق الطبقات الكادحة ـ كما تزعم ـ فلسنا في حاجة إلى معاداة الدين !
ولكن بعض الناس ـ وفيهم من يزعمون أنهم مسلمون ويتسمون بأسماء إسلامية ـ يقولون : ومن الذي يضمن لنا أن هذا النظام الذي أقامه الإسلام في عصر تاريخي خاص , لا يزال يحمل عناصر النمو والتجديد الكفيلة بأن تجعله صالحاً للتطبيق في عصور تاريخية أخرى , قد تختلف مقوماتها كثيراً أو قليلاً عن مقومات العصر التاريخي الذي نشأ فيه الإسلام ؟
وهذا الكتاب بجملته هو الإجابة لهؤلاء على مثل هذا السؤال . ولكننا نقول هنا إجمال : إن الإسلام ـ وهو من صنع بارئ هذا الكون ومنشئ نواميسه , والعالِم بما يجِد فيه وما يتطور ـ كان في علمه هذا التطور التاريخي , وما يترتب عليه من تطور اجتماعي واقتصادي وفكري عام . وأنه لهذا وضع الخطوط الثابتة , والمبادئ العامة , والقواعد
الشاملة التي لا تخرج أطوار الإنسان في النهاية عن حدودها ؛ وترك التطبيقات لتطور الزمان , بروز الحاجات , في حدود مبادئه العامة , وقواعده الشاملة ؛ ولم يُدل بتفصيلات جزئية مقيدة إلا في المسائل التي لا تتغير حكمتها , والتي تؤدي أغراضها كاملة في كل بيئة , والتي يريد الله تثبيتها في الحياة البشرية , لأنها ضمان للخصائص التي يرتضيها لهذه الحياة . وانه بهذا الشمول وبهذه المرونة ,وقد كفل لأحكامه التطبيقية النمو والتجدد على مدى الأزمان .
ولقد بذل فقهاء هذا الدين جهداً ضخماً مشكورا في التطبيق والقياس والتفريع كفل لأحكام الإسلام أن تلبى حاجات المجتمع المتجددة في ذلك الزمان , الذي كان المجتمع فيه محكوماً بشريعة الإسلام .. ثم وقف هذا الجهد عندما تخلى المجتمع عن الإسلام بتخليه عن شريعة الإسلام , منذ أن غلب الاستعمار الصليبي على دار الإسلام في كل مكان !
ولم يكن العلاج لتلك الحال أن ندع ديننا الشامل في عزلة تعبدية , وننطلق إلى التشريع الفرنسي نستمد منه القانون , أو إلى النظريات السياسية الغربية نستمد منها نظام الحكم , أو إلى النظريات المادية نستمد منها نظام المجتمع , قبل أن نيئس من صلاحية هذه الشريعة لإقامة المجتمع الحديث ! ذلك النمو العضوي الطبيعي لأي نظام في بيئة من البيئات , يجعله أصلح بالقياس إلى هذه البيئة ـ على الأقل ـ من كل نظام متعسف غريب على طبيعة هذه البيئة , لم يتم فيها نموه العضوي الرتيب ... وذلك كله فضلاً على ما تقتضيه منا دعوى الإسلام التي ندعيها . وهي دعوى لا تقوم إلا على أساس من العبودية لألوهية الله وحده . ولن تتحقق العبودية لألوهية الله وحده إلا في صورة واحدة : صورة الحكم بشريعة الله . ولكنه الجهل بحقيقة هذا الدين , وبطبيعة المجتمعات وقوانين الحياة , والكسل العقلي والنفسي عن مراجعة الرصيد القديم , والتقليد المضحك للاتجاه الغربي أو الشرقي في فصل الدين عن الحياة , وحيث اقتضت ذلك طبيعة نشأة الدين عندهم دون أن تقتضيها طبيعة نشأة الإسلام , وحيث قامت هنالك الجفوة بين الدين والعلم والدولة لأسباب تاريخية بيناها , ولا نظير لها في تاريخ الإسلام !
وليس معنى هذا أننا ندعو إلى الوقوف بأوضاع المجتمع عند شكل تاريخي معين . فالإسلام منهج وإطار تصاغ منه أشكال متجددة ـ وفي الوقت ذاته قائمة على أصول ثابتة ـ للمجتمع المسلم وفق ظروفه المحيطة . ولكننا ندعو ـ على الأقل ـ إلى مراجعة الرصيد المذخور , ومعرفة أسسه العامة , وقبل أن نعمد إلى تقليد مبتسر , مفقود الأسس التاريخية في حياتنا , وتضيع شخصيتنا , ونصبح ذيلاً للقافلة الإنسانية . وديننا يدعو إلى أن نكون دائما في المقدمة : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ "(28).." وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " (29).
وما يدري هؤلاء الناس أن لدينا ما نعطيه لهذا العالم البائس المكدود , الذي دفعته حضارته المادية الخاوية من الروح , إلى حربين عالميتين في ربع قرن من الزمان ؛ والذي ما يزال يتخبط في طريقه إلى حرب ثالثة تنذر حضارته كلها بالبوار؟ !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع الفصام النكد في كتاب المستقبل لهذا الدين
(2) لا ينبغي أن ننسى ـ مع ذلك ـ أن الشيوعية مؤسسة يهودية ماسونية , وأن أولى وركائز الخطة اليهودية في تدمير العالم ـ غير اليهودي ـ هو سلب الدين منه وإبعاده عن المقوم الأساسي للحياة ! (3) النساء [65] (4 الحشر [7] (5) المائدة [44]
(6) التعبد في الإسلام يشمل الشعائر والشرائع والحركة والنشاط الإنساني كله . ولكن غلب في التآليف الفقهية اصطلاح العبادات على أحكام الشعائر واصطلاح المعاملات على فقه الشرائع . والإسلام وحدة لا تتجزأ راجع فصل" الشمول " في كتاب" خصائص التصور الإسلامي ومقوماته".
(7)الجمعة [9ـ10].(8) النبأ [10ـ11].(9) الشيخان الترمذي والنسائي.
(10) أخرجه الستة .(11) الشيخان والنسائي .(12) القصص77 (13) الحج 40
(14) البقرة 190 (15) البقرة177 (16) مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
(17) مريم 95 (18) ابن ماجه (19)مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
(20)البقرة164 (21) الروم 19ـ 24 (22) فاطر 28 (23) الزمر9
(24)أبو داود و الترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي
(25)نحن نفرق بين اصطلاح رجال الدين واصطلاح علماء الدين ... ففي بعض العهود يحاول أصحاب السلطان أن يقيموا في الإسلام هيئة دينية يستخدموها في تحريف الكلم عن مواضعه, والإفتاء بما يرضي أصحاب السلطان , ويصدق أقوالهم وأفعالهم وأوضاعهم التي لا سند لها من الدين وهي هيئات تشبه إكليروس الكنيسة لا يعرفها الإسلام.
(26) النساء97 (27) النسائي (28)آل عمران 110 (29) البقرة143


العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام

مصطفى الكومي 07-11-2010 07:31 AM

رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام
 
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام
لن ندرك طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام , حتى ندرك مجملاً للتصور الإسلامي عن الألوهية والكون والحياة والإنسان . فليست العدالة الاجتماعية إلا فرعا من ذلك الأصل الكبير الذي ترجع إليه كل تعاليم الإسلام .
إن الإسلام وهو يتولى تنظيم الحياة الإنسانية جميعاً , ولم يعالج نواحيها المختلفة جزافاً ولم يتناولها أجزاء وتفاريق . وذلك أن له تصوراً كلياً متكاملاً عن الألوهية والكون و الحياة والإنسان ؛ ويرد إليه كافة الفروع والتفصيلات ويربط إليه نظرياته جميعاً وتشريعاته وحدوده , وعباداته ومعاملاته ؛ فيصدر فيها كلها عن هذا التصور الشامل المتكامل , ولا يرتجل الرأي لكل حالة ؛ ولا يعالج كل مشكلة وحدها في عزلة عن سائر المشكلات .
ومعرفة هذا التصور الكلي للإسلام تيسر للباحث فيه فهم أصوله وقواعده ؛ وتسهل عليه أن يرُد الجزئيات إلى الكليات ؛ وأن يتتبع في لذة وعمق خطوطه واتجاهاته , ويلحظ أنها متشابكة متكاملة , وأنها كل لا يتجزأ , وأنها لا تعمل عملاً مثمراً للحياة إلا وهي متكاملة الأجزاء والاتجاهات.
وطريق الباحث في الإسلام أن يتبين أولاً تصوره الشامل عن الألوهية والكون والحياة والإنسان , قبل أن يبحث عن رأيه في الحكم أو رأيه في المال , أو رأيه في علاقات الأمم والأفراد ... فإنما هذه فروع تصدر من التصور الكلي , ولا تفهم بدونه فهما صحيحاً عميقاً.
والتصور الإسلامي الصحيح لا يُلتمس عند ابن سينا و ابن رشد أو الفارابي وأمثالهم ممن يطلق عليهم وصف " فلاسفة الإسلام " ؛ ففلسفة هؤلاء إنما هي ظلال للفلسفة الإغريقية غريبة في روحها عن روح الإسلام . وللإسلام تصوره الأصيل الكامل , يلتمس في أصوله الصحيحة ؛ القرآن والحديث , وفي سيرة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسنته العملية . وهذه الأصول هي حسبُ أي باحث متعمق ليدرك تصور الإسلام الكلي الذي يصدر عنه في كل تعاليمه وتشريعاته ومعاملاته .
وقد تناول الإسلام طبيعة العلاقة بين الخالق والخلق , وطبيعة العلاقة بين الكون والحياة والإنسان , وطبيعة العلاقة بين الإنسان ونفسه , وبين الفرد والجماعة , وبين الفرد والدولة وبين الجماعات الإنسانية كافة , وبين الجيل والأجيال . ورد ذلك كله إلى تصور كلي جامع , ملحوظ الخطوط في سائر الفروع والتفصيلات ..
والبحث المفصل في هذا التصور ليس مجاله هذا الكتاب وهو موضوع بحث مفصل بعنوان " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته " (1) .ولكنني سأشير فقط إلى رؤوس موضوعات عامة تمهيداً للحديث في موضوع العدالة الاجتماعية في الإسلام .
* * *
لقد ظلت الإنسانية أدهاراً طويلة لا تستقيم على تصور شامل عن الخالق والخلق وعن الكون والحياة والإنسان .
وكانت كلما جاءها رسول من عند الله بصورة منه , قبلتها منها قلة , وأعرضت عنها كثرة . ثم عادت بجملتها فارتدت عنه إلى تصورات جاهلية منحرفة ومشوهة ... حتى جاء الإسلام بأكمل تصور وأشمل شريعة مقترنين , وأقام عليها نظاما واقعيا للحياة يتمثل فيه التصور والشريعة في صورة عملية .
فأما العلاقة بين الخالق والخلق ( الكون والحياة والإنسان ) فهي الإرادة المباشرة التي تصدر عنها المخلوقات جميعا : " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "(2) فلا واسطة بين الخلق والخالق من قوة أو مادة . فمن إرادته المطلقة تصدر الموجودات صدوراً مباشراً ؛ وبإرادته المطلقة تحفظ وتنظم وتسير : " .. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ .. "(3) .. " ..وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.. " (4).. " لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ"(5).. "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(6) .
وهذا الوجود الصادر عن الإرادة المطلقة , وحدة متكاملة , وكل جزء فيها ملحوظ فيه تناسقه مع سائر الأجزاء ؛ ولكل موجود فيه حكمة تتعلق بهذا التناسق الكامل الملحوظ ؛ " .. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا "(7).. " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ "(8) .. " الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ "(9).. " وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا .."(10).. " اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ "(11).. وهكذا وهكذا يبدو أن لكل موجود حكمة تتناسق مع غاية الوجود , وأن الإرادة التي يصدر عنها الوجود أولاً , ويحفظ بها وينتظم ثانياً , تلاحظ في كل موجود تناسقه ونفعه الكلي للوجود . ولأن الوجود وحدة متكاملة الأجزاء , متناسقة الخِلقة والنظام والاتجاه , بحكم صدوره المباشر عن الإرادة الواحدة المطلقة الكاملة , كان مهيأً وصالحاً ومساعداً لوجود الحياة بصفة عامة , ولوجود الإنسان ـ أرقى نماذج الحياة ـ بصفة خاصة ؛ فليس في الكون عدواً للحياة ولا عدواً للإنسان ؛ وليست الطبيعة ـ بتعبير الجاهلية الحاضرة ـ خصماً للإنسان يصارعه ويغالبه , وإنما هي من خلق الله , وهي صديق لا تختلف اتجاهاته عن اتجاهات الحياة والإنسان , وليست وظيفة الأحياء أن يصارعوا الطبيعة , وهم في أحضانها نشأوا , وهي وهم من ذلك الوجود الواحد الصادر عن الإرادة الواحدة . والإنسان بالذات إنما يعيش في جو صديق وبين أصدقاء من الموجودات : فالله حين خلق الأرض "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا .."(12).. "وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ .."(13) .. " وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ "(14).. " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ .. " (15).." هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (16).. والسماء بكواكبها جزء من الكون متكامل مع سائر أجزائه , وكل ما فيها وما في الأرض صديق ومعاون ومتناسق مع سائر أفراده : " وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا "(17).. "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا "(18)
وهكذا تقرر العقيدة الإسلامية أن الله رب الإنسان قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً . أم سبيله إلى كسب هذه الصداقة فهو أن يتأمل هذه القوى و يتعرف إليها ويتعاون معها . أما سبيله إلى كسب هذه الصداقة فهو أن يتأمل هذه القوى ويتعرف إليها ويتعاون معها . وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً , فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها , ولم يعرف الناموس الذي يسيرها . والخالق ـ مع هذا ـ لا يدع الأحياء والناس لذلك الكون الصديق بلا رعاية مباشرة , وعناية متصلة ؛ فإرادته المباشرة متصلة بالكون كله , ومتصلة بكل فرد من موجوداته في الوقت نفسه : " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ "(19).." وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا.. "(20).. " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ "(21).. " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " (22).. " .. وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .."(23)...الخ
لأن الوجود الموحد صادر عن إرداة واحدة ؛ ولأن الناس جزء من الكون كتعاون كتناسق مع سائر أجزائه ؛ ولأن أفراد الإنسان خلايا متعاونة متناسقة مع الكون .. لم يكن بد إذن أن تكون متعاونة متناسقة فيما بينها . لذلك كان تصور الإسلام أن الإنسانية وحدة , تفترق أجزائها لتجتمع ؛ وتختلف لتتسق ؛ وتذهب شتى المذاهب للتعاون في النهاية بعضها مع بعض , كي تصبح صالحة لتتعاون مع الوجود الموحد : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ٌ " (24).
ونظام الحياة الإنسانية لا يستقيم حتى يتم هذا التعاون والتناسق وفق منهج الله وشرعه . وتحقيقه واجب لصالح الإنسانية كلها , وحتى ليباح استخدام القوة لإرجاع من يشذ عن هذا النهج إليه : "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ "(25) .." وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "(26) .." وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ "(27) .
فالأصل هو التعاون والتعارف والتناسق في حدود منهج الله وشرعه ؛ ومن شذ على هذا الأصل , فليرد إليه بكل طريق ؛ لأن سنة الله في الكون أولى بالإتباع من أهواء الأفراد والجماعات ؛ والتكافل بين الجميع يتفق مع غاية الكون الواحد , وغاية خالقه الواحد سبحانه .
فإذا نحن وصلنا إلى الإنسان الجنس , والإنسان الفرد , فهو وحدة متكاملة , وقواه المختلفة الظاهر الموحدة الاتجاه في الحقيقة , وشانه في ذلك شأن الكون كله ذي القوة المتعددة المظاهر .
ولقد ظلت الإنسانية أدهاراً طويلة لا تهتدي إلى فكرة شاملة عن القوى الكونية والإنسانية . وظلت تفرق بين القوى الروحية والقوى المادية , تنكر إحداهما لتثبت الأخرى , أو تعترف بوجودهما في حالة تعارض وخصام؛ وتصوغ تعاليمها على أساس أن هناك تعارضا أساسياً بين هذه القوى وتلك ؛ وأن رجحان إحداهما مرهون بخفة الأخرى ؛ وأنه لا مفر من رجحان كفة وخفة كفة , لأن التعارض في نظرها أساسي في فطرة الكون والناس . والمسيحية ـ كما صاغتها الكنيسة والمجامع المقدسة ـ من أظهر المثال على فكرة هذا التعارض في الإنسان ؛ وهي متفقة إلى حد ما في هذه الفكرة الهندوكية , ثم مع البوذية ـ على اختلاف بينهما فيها ـ فخلاص الروح مرهون بكبت الجسد أو بتعذيبه , أو بإفنائه , أو على الأقل بإهماله والكف عن لذائذه .
وهذا الأصل الكبير في المسيحية المحرفة , وفي الديانات التي تشبهها , وتترتب عليه تفريعات كثيرة في النظر إلى الحياة ومتاعها , وإلى سلوك الفرد وسلوك الجماعة حيالها , وفي النظر إلى الإنسان وما يضطرب في كيانه من قوى وطاقات .
وقد ظلت المعركة قائمة بين هذه القوى وتلك ؛ وظل الإنسان ممزقاً في هذه المعركة ,حيران لا يهتدي إلى قرار .. حتى جاء الإسلام , فإذا هو يعرض صورة كاملة متناسقة , لا عوج فيها ولا اضطراب , ولا تعارض فيها ولا خصام . جاء ليوحد القوى والطاقات جميعاً , ويمزج الأشواق والنزعات والميول , وينسق بين اتجاهاتها جميعاً , ويعترف بها وحدة متكاملة في الكون والحياة والإنسان . جاء ليجمع بين الأرض والسماء في نظام الكون ؛ والدنيا والآخرة في نظام الدين ؛ والروح والجسد في نظام الإنسان ؛ والعبادة والعمل في نظام الحياة .. ويسلكها جميعاً في طريق موحد . هو الطريق إلى الله ! ويخضعها كلها لسلطان واحد : هو سلطان الله ! .
فالكون وحدة , مركبة من الظاهر المعلوم والمغيب المجهول , والحياة وحدة مركبة من طاقات مادية وطاقات روحية لا تنفصل أبداً إلا وقع الاختلال بينها والاضطراب , والإنسان وحدة مركبة من الأشواق المتطلعة إلى السماء والنزعات اللاصقة بالأرض ؛ ولا انفصام بين هذه وتلك في طبيعة الإنسان , لأنه لا انفصام بين السماء والأرض أو بين المعلوم والمجهول في طبيعة هذا الدين .
ومن وراء هذا جميعه قوة الأزل والأبد . تلك التي لا أول لها يعرف , ولا آخر لها يوصف , تسيطر في النهاية على الكون والحياة والناس .. إنها قوة الله ..
والفرد الفاني يملك أن يتصل بهذه القوة الأزلية الأبدية , وهي توجهه في الحياة , وهو يستمدها في الشدائد . يملك أن يتصل بها وهو في المحراب يصلي ويتطلع إلى السماء , كما يملك أن يتصل بها وهو في الأرض يعمل مشغولاً بمعاشه ومحياه .
والفرد يملك أن يعمل للآخرة , وهو يصوم فيمنع عن الجسد كل لذائذه ؛ وهو يفطر فيستمتع بكل طيبات الحياة . ما دام يعمل هذا أو ذاك متوجهاً بقلبه إلى الله .
والحياة الدنيا بما فيها من صلاة وعمل وبما فيها من متاع وحرمان , وهي وحدها الطريق إلى الآخرة بما فيها من جنة ونار , ومن عقاب ورضوان .
إنها الوحدة بين أجزاء الكون وقواه , والوحدة بين كل طاقات الحياة ؛ والوحدة بين الإنسان نفسه , وبين واقعه ورؤاه !
إنها الوحدة التي تعقد السلام الدائم بين الكون والحياة , وبين الحياة والأحياء , وبين الجماعة والفرد , وبين أشواق الفرد ونزعاته . وفي النهاية بين الدنيا والدين , وبين الأرض والسماء.
وهي لا تعقد هذا السلام على حساب الجسد ولا على حساب الروح , بل تطلق لكل منهما نشاطه , لتوحد هذا النشاط , وتتجه به إلى الخير والصلاح والنماء.
ولا تعقده على حساب الفرد أو على حساب الجماعة , أو لحساب طائفة على طائفة , أو لحساب جيل على جيل , فلكل حقوقه ولكل واجباته , على سنة العدل والمساواة .
والفرد والجماعة والطائفة والأمة والجيل والأجيال كلها يحكمها قانون واحد , ذو هدف واحد : أن ينطلق نشاط الفرد وان ينطلق نشاط الجماعة ـ غير متعارضين ـ وان يعمل الجيل وتعمل الأجيال لبناء الحياة وإنمائها , والتوجه بها إلى خالق الحياة .
* * *
الإسلام دين الوحدة بين القوى الكونية جميعاً , فلا جرم هو دين التوحيد : توحيد الإله, وتوحيد الأديان جميعا في دين الله . وتوحيد الرسل في التبشير لهذا الدين الواحد منذ فجر الحياة (28) : " إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ "(29).
والإسلام دين الوحدة بين العبادة والمعاملة , والعقيدة والشريعة , والروحيات والماديات, والقيم الاقتصادية والقيم المعنوية , والدنيا والآخرة , والأرض والسماء !
وعن تلك الوحدة الكبرى تصدر تشريعاته وفرائضه , وتوجيهاته وحدوده , وقواعده في سياسة الحكم وسياسة المال , وفي توزيع المغانم والمغارم , وفي الحقوق والواجبات . وفي ذلك الأصل الكبير تنطوي سائر الأجزاء والتفصيلات .
وحين ندرك هذا الشمول في طبيعة النظرة الإسلامية للإلوهية والكون والحياة والإنسان , ندرك معها الخطوط الأساسية للعدالة الاجتماعية في الإسلام .
فهي قبل كل شيء عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية ومقوماتها , وليست مجرد عدالة اقتصادية محدودة . وهي إذن تتناول جميع مظاهر الحياة وجوانب النشاط فيها , وكما تتناول الشعور والسلوك , والضمائر والوجدانات . والقيم التي تتناولها هذه العدالة ليست القيم الاقتصادية وحدها , وليست القيم المادية على وجه العموم . إنما هي هذه ممتزجة بها القيم المعنوية والروحية جميعاً.
وحينما تنظر المسيحية المحرفة للإنسان من خلال أشواقه الروحية وحدها , وتحاول أن تكبت نزعاته لتطلق أشواقه . وحينما تنظر الشيوعية إلى الإنسان من خلال حاجاته المادية وحدها ؛ وتنظر إلى الإنسانية , بل إلى الكون كله , من خلال المادة بمفردها ... ينظر الإسلام إلى الإنسان على انه وحدة لا تنفصل أشواقه الروحية مع نزعاته الحسية , ولا تنفك حاجاته المعنوية عن حاجاته المادية ؛ وينظر إلى الكون والحياة هذه النظرة الشاملة التي لا تعدد فيها ولا انفصام .. وهذا هو مفرق الطريق بين الشيوعية والمسيحية والإسلام ! مفرق الطريق الناشئ من أن الإسلام من صنعة الله الخالصة , والمسيحية دخل فيها من تحريفات البشر , والشيوعية من أوهام الإنسان الخالصة !
ثم إن الحياة في نظر الإسلام تراحم وتواد وتعاون و تكافل محدد الأسس مقرر النظم , بين المسلمين على وجه خاص , وبين جميع أفراد الإنسانية على وجه عام . وهي كذلك في نظر المسيحية , ولكنها لا تقوم على تشريع واضح مرسوم ولا على واقع محدد معلوم . بينما هي في نظر الشيوعية تنازع وصراع بين الطبقات , ينتهي إلى انتصار طبقة على طبقة , فيتم الحلم الشيوعي الكبير ! ومن هنا يبدو أن المسيحية رؤيا في عالم المثال المجرد يلوح بها للبشر في ملكوت السماء ؛ وأن الإسلام هو حلم الإنسانية الخالد , ومجسماً في حقيقة تعيش على الأرض ؛ وأن الشيوعية هي حقد البشرية العارض في جيل من أجيال الناس !
* * *
على هذين الخطين الكبيرين : الوحدة المطلقة المتعادلة المتناسقة , والتكافل العام بين الأفراد والجماعات , يسير الإسلام في تحقيق العدالة الإجتماعية , مراعياً العناصر الأساسية في فطرة الإنسانية , غير متجاهل كذلك للطاقة البشرية .
يقول القرآن الكريم عن الإنسان : " وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ "(30).. حب الخير لذاته ولما يتصل بذاته . ويقول في وصف الإنسان بالبخل فطرة وطبعاً : " وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ "(31).. فهو حاضر أبداً . ووردت في صورة فنية معجبة لهذه الفطرة البشرية العجيبة : "قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا"(32).. على حين يقرر أن رحمة الله وسعت كل شيء . فيبرز بهذه السعة وبذلك الإمساك مدى الشح في فطرة الإنسان , ولو ترك بلا تهذيب أو توجيه !
وعندما يضع الإسلام نظمه وتشريعاته , وعظاته وتوجيهاته , ولا يغفل ذلك الحب الفطري للذات , ولا ينسى ذلك الشح الفطري العميق ؛ ولكنه يعالج الأثرة , ويعالج الشح , بالتوجيه بالتشريع . فلا يكلف الإنسان إلا وسعه , ولا يغفل في الوقت ذاته حاجات الجماعة ومصالحها وغايات الحياة العليا في الفرد والجماعة على توالي العصور والأجيال .
وإذا كان من الظلم الاجتماعي الذي يتنافى مع العدالة أن تطغى مطامح الفرد ومطامعه على الجماعة , فإنه من الظلم كذلك أن تطغى الجماعة على فطرة الفرد وطاقته . أنه من الظلم لا لهذا الفرد وحده , بل للجماعة ذاتها فتحطيم نشاط الفرد بتحطيم ميوله ونوازعه لا يقف أثره السيئ عند حرمان هذا الفرد ما هو حق له , بل يتجاوزه إلى حرمان الجماعة أن تنتفع بكل طاقته . ومتى كفل النظام للجماعة حقها في جهد الفرد وطاقته ؛ ووضع لحرية الفرد ونوازعه وأطماعه الحدود الكابحة ؛ فلا ينبغي أن يغفل حق الفرد في انطلاق نشاطه , في الحدود التي تضار بها الجماعة , ولا يضار بها الفرد ذاته ؛ ولا تصطدم بأهداف الحياة العليا . فالحياة تعاون وتكافل في نظر الإسلام , لا حرب وتنازع وخصام ! كما أنها إطلاق للطاقات الفردية والعامة ؛ وليست كبتاً حرماناً وسجناً . وكل ما ليس حراماً فهو مباح ؛ والمرء يثاب على نشاط حيوي في حدود منهج الله وشرعه يراعي فيه وجه الله وحده , ويحقق به الغايات العليا للحياة كما ارتضاها الله .
وانفساح المجال في نظرة الإسلام للحياة , وتجاوزه القيم الاقتصادية البحته إلى سائر القيم التي تقوم الحياة عليها ... يجعله أقدر على إيجاد توازن وتعادل في المجتمع . وعلى تحقيق العدالة في الدائرة الإنسانية كلها ؛ ويعفيه من التفسير الضيق للعدالة كما تفهمها الشيوعية . فالعدالة في نظر الشيوعية مساواة في الجور تمنع التفاوت الاقتصادي ـ وإن كانت حين اصطدمت بالتطبيق العملي لم تستطع تنفيذ هذه المساواة الآلية التحكمية ـ والعدالة في نظر الإسلام مساواة إنسانية ينظر فيها إلى تعادل القيم ؛ بما فيها القيمة الاقتصادية البحتة . وهي على وجه الدقة تكافؤ في الفرص , وترك المواهب بعد ذلك تعمل في الحدود التي لا تتعارض مع الأهداف العليا للحياة .
ولأن القيم في نظر الإسلام كثيرة متمازجة كانت العدالة في مجموعها أيسر ؛ لذلك لم يضطر إلى تحتيم المساواة الاقتصادية بمعناها الحرفي الضيق , الذي يصطدم بالفطرة , ويتعارض مع طبيعة المواهب المتفاوتة , ويعوق الاستعدادات الفائقة , ويسوي بينها وبين الاستعدادات الضعيفة , ويمنع أصحاب المواهب من إنفاق مواهبهم لخير أنفسهم , ولخير الأمة , فيحرم الأمة , ويحرم الإنسانية نتاج هذه المواهب.
إنه لا جدوى من المغالطة في أن استعدادات الأفراد الطبيعية ليست متساوية ؛ فنحن إذا غالطنا في المواهب الكامنة ـ ولا سبيل للمغالطة فيها عندما تجري الحياة العملية مجراها ـ فإننا لا نستطيع أن نغالط في أن بعض الأفراد يولد باستعدادات فطرية للصحة والاكتمال والاحتمال , وبعضهم يولد باستعدادات جسدية للمرض والنقص والضعف , ولا سبيل إلى تسوية جميع الاستعدادات والمواهب ما دامت الآلة لم تستطع بعد صنع الأحياء , لتصبهم في قالب واحد , على نظام الأجهزة والآلات!
إن إنكار الاستعدادات الجسدية والفكرية والروحية الفائقة هو ضرب من العبث لا يستحق المناقشة . فلابد أن نحسب حسابها ؛ وأن نمنحها الفرصة لتؤتي أقصى ما تستطيع من ثمراتها . ثم نحاول بعد ذلك أن نأخذ من هذه الثمرات ما نراه لازماً لمصلحة المجتمع لا أن نقطع الطريق على هذه الاستعدادات فنظلمها بتسويتها بالاستعدادات الضعيفة ونغلها عن العمل , ونبددها على الأمة والإنسانية تبديداً .
ولقد قرر الإسلام مبدأ تكافؤ الفرص , ومبدأ العدل بين الجميع ؛ ثم ترك الباب مفتوحاً للتفاضل بالجهد والعمل ؛ ثم جعل القيم الأصلية في المجتمع المسلم قيماً أخرى غير القيم الاقتصادية : " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "(33).. "يرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "(34).. " الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"(35) " .
وهكذا يبدو أن هناك قيماً أخرى غير القيم البحتة , يحسب الإسلام حسابها ؛ ويجعلها هي القيم الحقيقية , ويجعل منها وسيلة للتعادل في المجتمع حين تتفاوت الأرزاق المالية بين الناس , بأسباب التفاوات المعقولة على الجهد والموهبة ,لا على الوسائل المنكرة التي يحرمها الإسلام تحريما ( كما سيأتي في فصل سياسة المال) .
لا يفرض الإسلام إذن المساواة الحرفية في المال , لأن تحصيل المال تابع لاستعدادات ليست متساوية . فالعدل المطلق يقتضي أن تتفاوت الأرزاق , وأن يفضل بعض الناس بعضاً فيها , مع تحقيق العدالة الإنسانية : بإتاحة الفرص المتساوية للجميع ؛ فلا يقف أمام فرد حسب ولا نشأة , ولا أصل ولا جنس , ولا قيد واحد من القيود التي تغل الجهود . وبإدخال القيم الأصلية الأخرى في الحساب . وبتحرير الوجدان البشري تحريرا كاملاً من ضغط القيم الاقتصادية البحتة ؛ ووضع هذه القيم في مكانها الحقيقي المعقول ؛ وعدم إعطائها قيمة معنوية ضخمة كالتي تعطاها في المجتمعات البشرية التي تفقد الإحساس بالقيم الإيمانية , أو تصغر من أهميتها , وتجعل للمال وحده القيمة الأساسية الكبرى .
وإن الإسلام ليرفض أن يجعل للمال كل هذه القيمة ؛ ويأنف أن تستحيل الحياة لقمة خبز , وشهوة جسد ,ودراهم معدودات ... ولكنه في الوقت ذاته يحتم الكفاية لكل فرد وأحياناً ما فوق الكفاية , ويفضل أن تكون الكفاية عن طريق الملكية الفردية , أو العمل المنتج بأنواعه , ليرفع عنه ضغط العوز من ناحية وضغط الجهة التي تملك موارد الرزق من ناحية أخرى .. ويحرم الترف الذي يطلق العنان للمتاع والشهوات , وينشيء الفوارق في مستويات الحياة . ويرتب في الأموال حقوقاً للفقراء بقدر حاجتهم , وبقدر ما يصلح المجتمع , ويضمن له التكافؤ والتعادل والنماء . وبذلك لا يغفل جانباً واحداً من جوانب الحياة المادية والشعورية , الدينية والدنيوية .. دون مراعاته ؛ لتنصهر هذه الجوانب كلها , وتستحيل وحدة متماسكة , يصعب إهمال عنصر من عناصرها الممتزجة المتناسقة ؛ ولتتسق وحدتها مع وحدة الكون الكبير , ووحدة الحياة والإنسان .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)صدر القسم الأول منه وهو يعرض " خصائص التصور الإسلامي. والقسم الثاني مقومات التصور الإسلامي. (2)يس82 (3)الرعد 2 (4)الحج 65 (5)يس40 (6)الملك1 (7)الفرقان2 (8)القمر49 (9)الملك3ـ9 (10) فصلت10 (11)الروم48 (12) فصلت10
(13)النحل15 (14)الرحمن10 (15) الملك15 (16) البقرة29 (17) فصلت 12
(18)النبأ6ـ16 (19)فاطر41 (20)هود6 (21)ق16 (22)غافر60 (23)الأنعام151
(24)الحجرات13 (25)المائدة33 (26)الحجرات9 (27)البقرة251 (28)يراجع فصل القصة في القرآن من كتاب التصوير الفني في القرآن للمؤلف (29) الأنبياء 92 (30)العاديات8 (31)النساء128 (32)الإسراء100 (33)الحجرات13 (34)المجادلة11 (35)الكهف46

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام

مصطفى الكومي 07-11-2010 07:34 AM

رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام
 
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
يقيم الإسلام هذه العدالة الاجتماعية التي كشفنا عن طبيعتها إجمالاً , على أسس ثابتة ؛ ويحدد لبلوغ أهدافها وسائل معينة ؛ فلا يدعها قضية غامضة ؛ ولا دعوة مجملة ؛ فهو بطبيعته دين تنفيذ وعمل في واقع الحياة , لا دين دعوة وإرشاد مجردين في عالم المثال .
وقد رأينا هناك إجمالاً أن للإسلام تصوراً أساسياً عن الألوهية والكون والحياة والإنسان ؛وأدركنا أن قاعدة "العدالة الاجتماعية" متأثرة بذلك التصور الأساسي , داخلة في إطاره العام ؛ وأن طبيعة نظرة الإسلام إلى الحياة الإنسانية , تجعل العدالة الاجتماعية عدالة إنسانية شاملة لكل مقومات الحياة الإنسانية , ولا تقف عند الماديات والاقتصاديات , وأن القيم في هذه الحياة مادية معنوية في الوقت ذاته , لا يمكن الفصل بين صفتيها المتحدة , وأن الإنسانية وحدة متكافلة متناسقة , لا جماعات متعارضة متنافرة .
وربما بدا في بعض الأحيان أن الواقع يخالف هذه الفكرة الأساسية للإسلام , فيجب أن نعرف أولاً ما هو الواقع ؟
إن الواقع الذي يعده الإسلام حقيقة , ليس واقع فرد , ولا واقع أمة , ولا واقع جيل .. فهذا إنما هو الواقع الصغير المحدود الموقوت , الذي تقف عنده مدارك الأفراد البشريين الفانين , حين يكفون بصيرتهم عن الاستشراف لما هو أكبر وأشمل في حياة البشرية الكبرى وحياة الكون كله . فأما الإسلام فإنه يمد ببصره إلى جميع الآفاق ؛ ويحسب حساباً لجميع المصالح ؛ ويهدف إلى تحقيق غاية الإنسانية كلها منذ البدء إلى النهاية . فما يبدوا تعارضاً في الواقع المحدود , قد لا يبدو كذلك حين نتجاوزه إلى الواقع الشامل . واقع الإنسانية كلها , لا واقع فرد ولا أمة ولا جيل.
وهذه النظرة الكلية البعيدة الأهداف إلى العدالة الاجتماعية , هي التي تفسر لنا فيما بعد نظماً عدة في الإسلام , لا تفهم حق الفهم إذا هي أخذت جزئيات وتفاريق , وإذا حسب فيها حساب الفرد وحده في جماعة , أو حساب الجماعة وحدها في أمة , أو حساب الأمة وحدها في جيل , أو حساب الجيل وحده في أجيال ... وهي التي تفسر لنا نظام الملكية الفردية , ونظام الإرث , ونظام الزكاة , ونظام الحكم , ونظام المعاملات ... إلى آخر ما يتضمنه الإسلام من نظم , تتناول الأفراد والجماعات والأمم والأجيال.
ولسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك كله , فسنقتصر إذن على تناول الأسس العامة التي أقام عليها الإسلام بناء العدالة الاجتماعية , في حدود فكرته الكلية . وسنرى من طبيعتها أن الإسلام قد نظر إلى وحدة الروح والجسد في الفرد , إلى وحدة المعنويات والماديات في الحياة . كما نظر إلى وحدة الهدف بين الجماعة , ووحدة المصلحة بين الجماعات المختلفة في الأمة الواحدة , ووحدة الغاية بين الأمم الإنسانية , ووحدة الصلة بين الأجيال المتعاقبة على اختلاف المصالح القريبة المحدودة .
هذه الأسس التي أقام عليها الإسلام العدالة الاجتماعية هي :
1 ـ التحرر الوجداني المطلق .
2 ـ المساواة الإنسانية الكاملة .
3 ـ التكافل الاجتماعي الوثيق .
فلنفرد لكل أصل من هذه الأصول كلمة نكشف عن طبيعته وغايته .
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
التحرر الوجداني
لن تتحقق عدالة اجتماعية كاملة , ولن يضمن لها التنفيذ والبقاء , ما لم تستند إلى شعور نفسي باطن باستحقاق الفرد لها , وبحاجة الجماعة إليها ؛ وبعقيدة في أنها تؤدي إلى طاعة الله وإلى واقع إنساني أسمى . وما لم تستند كذلك إلى واقع مادي يهيئ للفرد أن يتمسك بها , ويحتمل تكاليفها ويدافع عنها . ولن يستحقها الفرد بالتشريع قبل أن يستحقها بالشعور , وبالقدرة العملية على استدامة هذا الشعور . ولن تحافظ الجماعة على التشريع إن وجد , إلا وهناك عقيدة تؤيده من الداخل , وإمكانيات عملية تؤيده من الخارج .. وهذا ما نظر إليه الإسلام في توجيهاته وتشريعاته جميعاً .
وتذهب المسيحية ـ كما صورتها الكنيسة والمجامع المقدسة ـ والبوذية كذلك , إلى أن التحرر الوجداني من لذائذ الحياة وشهواتها , والتوجه إلى ملكوت الرب في السماء , واحتقار الحياة الدنيا , كفيل بأن يضمن للإنسان حريته , وللضمير سعادته . وهذا حق . ولكنه ليس الحق كله . فدوافع الحياة لا تقهر في جميع الأحوال , وضروريات الحياة الواقعة لا تغُلب أبد الدهر , ولابد أن يخضع الإنسان لضغطها في أكثر الأحيان .
على أن قهر دوافع الحياة وكبتها ليس خيراً دائماً , فالله خالق الحياة لم يخلقها عبثاً , ولم يخلقها ليعطلها البشر ويوقفوا نموها . وأنه لمن الخير أن يسموا الإنسان على ضروراته , وأن يرتفع على شهواته ؛ ولكنه ليس من الخير أن يعطل الحياة ذاتها بذلك السمو وهذا الارتفاع .
فإذا كان هناك طريق لأن تنطلق القوى المكنونة في كيان البشرية ؛ وأن يرتفع الإنسان على الخضوع المذل لضروراته . فذلك هو الطريق الأقوم والأسلم وهذا ما هدف إليه الإسلام وهو يوحد ضرورات الجسد وأشواق الروح في نظام , ويكفل التحرر الوجداني بالشعور الباطن والإمكان الواقع , و لا يغفل عن هذا أو ذاك .
وتذهب الشيوعية إلى التحرر الاقتصادي وحده كفيل بالتحرر الوجداني ؛ وان الضغط الاقتصادي على الفرد هو الذي يجعله يتخلى عما تكفل له القوانين النظرية أحياناً من عدالة ومساواة.. وهذا حق . ولكنه ليس الحق كله . فالتحرر الاقتصادي ذاته لا يكفل له البقاء في المجتمع إلا بالتحرر الوجداني من داخل الضمير . فهو عرضة لضغط آخر : ضغط الضرورات والاستعدادات والميول , التي لا تكفي التشريعات وحدها لمقاومتها . والفرد الذي تقعد به استعداداته الطبيعية عن مجاراة الآخرين في الإنتاج , وعن مجاراتهم في التطلع والطموح .. هذا الفرد لابد أن يفقد حرصه على المساواة , التي قد يكفلها له القانون , لإحساسه الباطن بأنه أقل من مستواه , ولو تبجح فترة وكابر . والفرد ذو الاستعدادات الفائقة النتاج الموفور . لابد أن يغالب قانون المساواة المطلقة ونظام الملكية العامة الشامل , فإن لم يستطع حقد عليهما وحنق ؛ فإما أن يتمرد , وأما أن يخبو ذكاؤه , وتنكمش استعداداته , ويقل نتاجه .
فأما حين تستند المساواة إلى تحرر وجداني عميق , كما تستند إلى التشريع والتنفيذ , فإن الشعور بها يكون أقوى عند القوي وعند الضعيف . إنها تستحيل في الضعيف تسامياً , وفي القوي تواضعاً ؛ وتلتقي في النفس بالعقيدة في الله , وفي وحدة الأمة وتكافلها .. وهذا ما هدف إليه الإسلام حين حرر الوجدان البشري تحرراً مطلقا كاملاً ؛ بعد ما كفل في الوقت ذاته حاجات الجسد,وضرورات الحياة , بحكم الأوضاع , وبحكم القانون , وبحكم الضمير سواء.
* * *
لقد بدأ الإسلام بتحرير الوجدان البشري من عبادة أحد غير الله , ومن الخضوع لأحد غير الله . فما لأحد عليه غير الله من سلطان ؛ وما من أحد يميته أو يحييه إلا الله ؛ وما من أحد يملك ضراً ولا نفعاً ؛ وما من احد يرزقه من شيء في الأرض ولا في السماء ؛ وليس بينه وبين الله وسيط ولا شفيع ؛ والله وحده هو الذي يستطيع , والكل سواه عبيد , ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئاً.
" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ "(الإخلاص) وإذا توحد الله توحدت عبادته , واتجه الجميع إليه فلا عبادة لسواه , ولا حاكمية لغيره , كي لا يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله , ولا يكون لأحد منهم فضل على أحد إلا بعلمه وتقواه:
" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ "(64آل عمران).
ويحرص الإسلام على هذا المعنى حرصاً شديداً ؛ فيتكيء عليه القرآن في مناسبات شتى . ولما كان الأنبياء هم مظنة أن يتجه إليهم الناس بشيء من العبادة , أو في معناها على وجه من الوجوه , فقد عني الإسلام بتحرير وجدان البشرية من هذه الناحية تحريراً كاملاً .
يقول عن نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم : "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ؟"(144آل عمران).
ويخاطب هذا النبي في صراحة قوية : "لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ"(128آل عمران).كما يخاطبه في موضع آخر بما يشبه التهديد : "وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا"(75الإسراء).
ويأمره أن يجهر بحقيقة موقفه جهراً :" قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا"(22الجن).
ويتحدث عمن ألهوا عيسى ابن مريم , فيصمهم بالكفر والسخف :" لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.. "(17المائدة).
ويقول عن المسيح في موضع آخر: "إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ "(59الزخرف) .
ويعرض مشهداً من مشاهد يوم القيامة يستجوب فيه عيسى ابن مريم عما زعمه بعض الناس عنه من ألوهية ؛ ويثبت براءة عيسى من هذا الزعم الذي لا يد له فيه , في أسلوب قوي أخاذ : " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"(118المائدة).
كما يعرض صورة من تأليه العباد للعباد لا تتمثل في اعتقادهم بألوهيتهم , ولكن تتمثل في تلقي الشرائع منهم , وجعلهم بذلك أرباباً ولو لم يعتقدوا بألوهيتهم أو يقدموا لهم شعائر العبادة : "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ"(31التوبة).
وهكذا . وهكذا . يستمر القرآن في توكيد هذه العقيدة وتثبيتها وتوضيحها , ليصل إلى تحرير الوجدان البشري من كل شبهة شرك في ألوهية أو ربوبية , قد تضغط هذا الوجدان , وتخضعه لمخلوق من عباد الله , وإن يكن نبياً أو رسولاً , فإنه عبد من عباده لا إله!
فإذا انتفى أن يكون عبد بذاته أميز عند الله من عبد بذاته , انتفت الوسائط بين الله وعباده جميعاً ؛ فلا كهانة ولا وساطة , بل يتصل كل فرد صلة مباشرة بخالقه ؛ ويتصل شخصه الضعيف الفاني بقوة الأزل والأبد , ويستمد منها القوة والعزة والشجاعة , ويشعر برحمة الله وعنايته وعطفه , فيشتد إيمانه وتقوى معنويته .
والإسلام حريص كل الحرص على تقوية هذه الصلة , وإشعار الفرد أنه يملك الإستعانة بتلك القوة الكبرى أناء الليل وأطراف النهار:"اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ"(19الشورى).
"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ "(186البقرة).. ".. وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"(87يوسف).. "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا "(53الزمر).
وقد شرع الإسلام خمس صلوات , يقف فيها العبد كل يوم أمام ربه , ويتصل فيها المخلوق بخالقه , في أوقات منظمة , غير ما يعن له هو أن يقف أمام إلهه , أو يتصل به في توجهه ودعائه .
وليس الغرض من الصلاة أو الدعاء ألفاظاً وحركات , بل القصد هو التوجه الكامل بالقلب والفكر والجسد في وقت واحد إلى الله , تمشياً مع تصور الإسلام الكلي عن وحدة الإنسان وتكوينه , ووحدة الخالق في ألوهيته : "فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"(5الماعون)..
* * *
فإذا تحرر الوجدان من شعور العبادة والخضوع لعبد من عباد الله ,وامتلأ بالشعور بأنه على اتصال كامل بالله , لم يتأثر بشعور الخوف على الحياة أو الخوف على الرزق , أو الخوف على المكانة . . . وهو شعور خبيث يغض من إحساس الفرد بنفسه ؛ وقد يدعوه إلى قبول الذل , وإلى التنازل عن كثير من كرامته , وكثير من حقوقه . ولكن الإسلام لشدة حرصه على أن يحقق للناس العزة والكرامة , وأن يبث في نفوسهم الاعتزاز بالحق , والمحافظة على العدل ؛ وان يضمن بذلك كله ـ علاوة على التشريع ـ عدالة اجتماعية مطلقة , لا يفرط فيها إنسان .. لهذا كله يعني عناية خاصة بان يقاوم الشعور بالخوف على الحياة وعلى الرزق وعلى المكانة , فالحياة بيد الله , وليس لمخلوق قدرة على أن ينقص هذه الحياة ساعة أو بعض ساعة ,كذلك ليس له أن يخدشها خدشا خفيفاً بضرر خفيف:" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا"(145آل عمران)
.. "قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا"(51التوبة).." وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ "(49يونس).
إذن فلا كان الجبن والجبناء , والحياة والأجل , والنفع والضر بيد الله دون سواه:"قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ"(14الأنعام)
.." اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ "(26الرعد).. "وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ"(60العنكبوت).." قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ" (31يونس).. "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ"(3فاطر).. "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ "(151الأنعام) "وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه ِإِنْ شَاءَ "(28التوبة) .
ويقرر القرآن أن خوف الفقر إنما هو من إيحاء الشيطان ليضعف النفس , ويصدها عن الثقة في الله , وعن الثقة في الخير : "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "(268البقرة) .
إذن فلا يجوز أن يُذِل الاسترزاق رقاب الناس , فإنما رزقهم بيد الله ؛ وبيد الله وحده ؛ ولن يملك أحد من عباده الضعفاء أن يقطع رزق إنسان , ولا أن يضيق عليه الرزق شيئاً. وهذا لا ينفي الأسباب والعمل , ولكنه يقوي القلب ويشجع الضمير , ويجعل الفقير المسترزق يواجه من يظن بيده رزقه بكل قوة وبكل شجاعة , فلا يقعده شعور الخوف عن المطالبة بحقه , وعن الاعتزاز بنفسه , ويدعوه إلى ترك بعض أجره أو بعض دينه أو بعض عزته احتفاظاً برزقه . على هذا النحو يجب أن يفهم توجيه القرآن واتجاه الإسلام , فهذا هو الفهم الحق الذي يتمشى مع منهجه العام في التوجيه والتشريع .
والخوف على المركز و المكانة قد يكون عدلاً للخوف من الموت والأذى , والخوف من الفقر والعيلة . والإسلام يحرص على أن يتحرر الفرد من الخوف أيضا ً, فلن يملك مخلوق لمخلوق في هذا الأمر شيئاً :" قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(26آل عمران).." قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ "(89المؤمنون) .. "إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ"(160آل عمران) .." مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا"(10فاطر) . . "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ "(8المنافقون). .
وإذن فلا خوف من هذه الناحية أيضاً , فإن القدرة لله وحده , وإن العزة لله جميعاً : "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ "(18الأنعام)..
* * *
ولكن النفس البشرية قد تتحرر من عبودية القداسة , ومن عبودية الخوف على الحياة أو الرزق أو المكانة ؛ ثم تتأثر بعبودية القيم الاجتماعية . قيم المال والجاه والحسب والنسب , ولو لم ينله منها نفع ولا ضر . فإذا استشعر الوجدان عبودية معنوية لأية قيمة من القيم , فلن يملك حريته كاملة إزائها , ولن يشعر بالمساواة الحقة مع أصحابها . وهنا يتصدى الإسلام لهذه القيم جميعاً , فيضعها في موضعها الحقيقي بلا إغفال ولا مغالاة , ويرد القيم الحقيقية إلى اعتبارات معنوية ذاتية , كامنة في نفس الفرد , أو واضحة في عمله . وبذلك يضعف تأثير القيم المادية , وتضؤل آثارها النفسية ؛ فيكون هذا ـ بجانب ما يكفله الإسلام من ضمانات معيشية وقانونية ـ وسيلة للتحرر الوجداني الكامل:" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"(13الحجرات).. والكريم عند الله هو الكريم حقاً وصدقاً . "وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ"(37سبأ) . .
فليكونوا أكثر أموالاً وأكثر أولاداً , فما لهذا من قيمة تجعل لهم ميزة أو استعلاء , "إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا "فالإيمان هو قيمة مكنونة في الضمير , والعمل الصالح هو قيمة بارزة في الحياة , هما القيمتان الحقيقيتان اللتان لهما كل الاعتبار .
والإسلام لا يغض مع هذا من قيمة المال ولا من قيمة الأبناء : "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" . . زينة ولكنها ليسا من قيمها التي ترفع وتخفض "وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"(46الكهف) . .
ويضرب القرآن للقيم المادية والقيم المعنوية مثلاً قي نفسي رجلين , لا يدع مجالاً للشك في إيثار إحداهما على الأخرى , في الوقت الذي يرسم صورة واضحة قوية للنفس المؤمنة وحقيقة القيم فيها : " وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا"(43الكهف) .
وهكذا يبرز اعتزاز المؤمن بإيمانه , واستهانته بتلك القيم التي اعتز بها صاحبه وهو يحاوره . مما يلفت النظر أن صاحبه هذا المعتز بجنته لم يظهر الشرك بالله , ولكن القرآن عده شركاً وجعله يعترف بإشراكه في النهاية . وذلك أنه أشرك قيمة مادية صرفة , وجعل لها الاعتبار في وجدانه . والمؤمن الحق لا يشرك بالله شيئاً .
وفي قصة "قارون" يعرض صورتين نفسيتين بإزاء فتنة المال والثراء : صورة لنفوس تزدهيها هذه القيم فتضعف وتتضاءل , وتحس بالصغر أما فتنة الأغنياء ؛ وصورة لنفوس مؤمنة تعتز وتقوى ولا تصغر أو تضعف أبداً : "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ"(82القصص) .
ويرتب الإسلام على نظرته هذه نتائج فينهي الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعطي قيمة لما يتمتع به بعضهم من متاع خلاب , فإنما هو فتنة واختبار وابتلاء : "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى"(131طه) .
ويفهم بعضهم أن هذه الآية ونظائرها إنما تدعوا إلى ترك الأغنياء يغتنون كما يشاءون , ورضي الفقراء بحرمانهم حقوقهم التي كفلها الإسلام لهم . وهو خاطيء لا يلتفت إلى التصور الإسلامي العام . وهو تفسير المحترفين من"رجال الدين" في عصور الاستبداد لتنويم الشعور العام , وكفه عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية . وعليهم وزرهم , والإسلام من تأويلهم برئ . فإنما جاءت هذه الآية وأمثالها لرد اعتبار القيم الإنسانية , ولإنقاذ أنفس الفقراء مما يلحقها من ضعف أو انكسار أما القيم المادية البحتة من مال ومتاع .
ومما يؤيد اتجاهنا هذا أمر الله ـ سبحانه ـ لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بألا يقيم وزناً لهذه القيم ؛ وألا يرتب اعتبارات الناس عليها :
"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " (28الكهف) . . "فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ "(55التوبة) .
وفي هذا المجال تعرض قصة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الرجل الأعمى الفقير " ابن أم مكتوم " ومع " الوليد بن المغيرة " سيد قومه . تلك القصة التي عتب الله فيها نبيه عتاباً شديداً :
" عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ"(12عبس) .
ولقد كانت لحظة حرص بشري ساورت محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ طمعاً في أن يهدي الله الوليد إلى الإسلام ؛ وكان بأمره مشغولاً حينما جاءه ابن أم مكتوم يطلب شيئاً من القرآن ويدعو مرة ومرة , وهو بأمر الوليد مشغول ؛ فتضايق منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعبس في وجهه ؛ فعاتبه ربه هذا العتاب الشديد , الذي كاد يبلغ حد التأنيب ؛ تصحيحاً للقيم التي يعتز بها الإسلام , وتحقيقاً لمنهجه الصحيح , واتجاهه القويم , في تحرير الوجدان .
* * *
وأخيراً فقد تتحرر النفس البشرية من عبودية القداسة ومن خوف الموت والأذى والفقر والهوان ؛ ومن كل الاعتبارات الخارجية والقيم الاجتماعية ؛ ثم تبقى مستذلة لذاتها ,مستذلة للذاتها وشهواتها , مستذلة لمطامعها وأهوائها ؛ فيأتي لها القيد من داخل حين تنفلت منه من خارج ؛ فلا تبلغ التحرر الوجداني الكامل الذي يريده الإسلام لها , ليحقق لها العدالة الاجتماعية الإنسانية الكبرى .
والإسلام لا يغفل هذا الخطر الكامن على التحرر الوجداني , فيلقى إليه إلتفاتة عميقة , وتشهد بعنايته بدخائل النفس البشرية وأغوارها ؛ وتدل على رعايته لكل استعداداتها وملابساتها ؛ ويلم بما لم تلم به المسيحية وتجعله غاية غاياتها :
"قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ "(24التوبة) .
وهكذا يجمع في آية واحدة جميع اللذائذ والمطامح والرغائب ونقط الضعف في نفس الإنسان , ليضعها في كفة , ويضع في الكفة الأخرى حب الله ورسوله , وحب الجهاد في سبيله , لتكون التضحية كاملة , والتخلص من أوهاق الشهوات كاملاً . فالنفس التي تتحرر من هذا كله هي النفس التي يتطلبها الإسلام , ويدعو إلى تكوينها لتستعلي على الضراوة المذلة , وتملك قياد أمرها وتنزع إلى ما هو أكبر وأبعد مدى من الرغبات الوقتية الصغيرة .
أو يقول : "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ"(15آل عمران).
وما كان هذا تخديراً ولا دعوة إلى الزهد وترك طيبات الحياة كما يحلو لبعضهم أن يفسر القرآن , أو كما يحلو لبعضهم أن يهتم الإسلام ؛ إنما كان دعوة للتحرر والانطلاق من ضعف الشهوات والغرائز , ثم لا ضرر بعد من ذلك من الاستمتاع بالحياة حين يملكها الإنسان ولا تملكه : "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ "(32الأعراف) "وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا "(77القصص).
وفي هذا الاتجاه نفسه كانت فريضة الصوم لترتفع النفس على ضرورات الفطرة القوية فترة من الوقت وتقوى بها إرادتها وتستعلي , ويسمو بها الإنسان على ذاته حين يرتفع على ضروراته .
ويسلك القرآن إلى هذه الغاية شتى السبل ؛ ومن بينها التحذير الإيحائي من فتنة الأموال والأولاد حين يقول : "أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ"(32الأنفال) . . وبذلك يثير عامل الحذر من الاندفاع وراء الضعف البشري بإزاء الأموال والأولاد . فكثيراً ما يؤتي المرء من ناحية حرصه على ماله أو بنيه , فيقبل ما لم يكن ليقبل , ويخضع لما لم يكن ليخضع , ويرتكب ما لم يكن ليرتكب . وقد خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات يوم وهو محتضن أحد ابني بنته فاطمة ـ رضي الله عنها ـ وهو يقول :"إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون"(الترمذي) .
وبعد , فلقد يتحرر المرء من كل ما يغض شعورياً من كرامته , ولكنه يحتاج . يحتاج إلى اللقمة فيذل , فليس أشد من الحاجة إذلالاً ؛ والبطن الجائعة لا تعرف المعاني العالية .
ولقد يضطر إلى الإستجداء فتذهب كرامته كلها ضياعاً . هنا يتولى الإسلام الأمر بالتشريع لمنع أسباب الحاجة ؛ ولإزالتها حين توجد : فيجعل للفرد حقه في الكفاية مفروضاً على الدولة وعلى القادرين في الأمة , فرضاً يعاقب عليه في الآخرة ويقاتل عليه في الدنيا (وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام على التكافل الاجتماعي في الإسلام) . ثم ينهى عن الاستجداء فيصف جماعة من المسلمين الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض؛ وصف استحسان بأنهم "لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا"(273البقرة)والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي سائلاً درهماً ثم يقول: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره , فيبيعها , فيكف الله بها وجهه , خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه"(الشيخان واللفظ للبخاري)ويقول :"اليد العليا خير من اليد السفلى"(الشيخان). فيحض على الاستغناء بوسائل أخرى غير وسيلة الاستجداء التي يراها الإسلام ضرورة مكروهة . أما أموال الزكاة فهي حق : حق يؤخذ , لا فضل يعطى :" وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"(19الذاريات) . حق تأخذه الدولة لتملكه لأصحابه , وتنفق منه على مصالح المسلمين بما يدفع حاجة الجسد , ويحفظ كرامة النفس , ويصون عزة الوجدان . فإن لم يكف شرعت من الفرائض والوظائف في أموال القادرين والأغنياء بقدر ما يسد حاجة الضعفاء والفقراء ( وسيأتي بيان هذا في فصل سياسة المال) .
* * *
وكذلك يأخذ الإسلام الأمر من وجوهه كلها ومن مناحيه جميعاً , فيكفل التحرر الوجداني تحررا مطلقاً ولا يقوم على المعنويات وحدها , ولا على الاقتصاديات وحدها , ولكن يقوم عليهما جميعاً . فيعرف للحياة واقعها , وللنفس طاقتها ؛ ويستثير في الطبيعة البشرية غاية أشواقها وأعلى طاقاتها ؛ ويدفع بها إلى التحرر الوجداني كاملاً صريحاً . فبغير التحرر الكامل لن تقوى على عوامل الضعف والخضوع والعبودية ؛ ولن تتطلب نصيبها من العدالة الاجتماعية ؛ ولن تصبر على تكاليف العدالة حين تتعاطاها.
وهذا التحرر هو أحد الأسس الركينة لبناء العدالة الاجتماعية في الإسلام . بل هو الركن الأول الذي تقوم عليه الأركان .
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
المساواة الإنسانية


الساعة الآن 08:12 AM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.0 , Designed & TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى قصة الإسلام