02-02-2010, 07:57 AM
|
رقم المشاركة : 1 (permalink)
|
|
|
التغيير في ضوء سنن الله في الآفاق والأنفس(3)
|
التغيير في ضوء سنن الله في الآفاق والأنفس(3)
الأستاذ سعيد جودت
أريد أن أعود الى مفاهيم التغيير ، والى مشاكلنا الساخنة المؤلمة ، التي بسببها لانستطيع ان ننظر في وجوه بعضنا بعضا ، وبالمقابل نستطيع ان نمد أيدينا الى أسرائيل فنعانقها ونقبلها ونفرح بمهادنتها وبتطبيع العلاقات معها .
اننا لانستطيع ان نفكر أو نصنع سلاما فيما بيننا نحن العرب والمسلمين ، وكأننا مصروفون عن هذا الموضوع ن وكلما تحدثت عن السلام ، أجابه بأسئلة عن اسرائيل وضرورة محاربة اسرائيل ، ولكنني اكرر ما قلته في ندوة (الحوار سبيل التعايش ) من أن أسرائيل هي ليست المشكلة ، وأن المشكلة كامنة في قلوبنا ، فنحن الذين لانستطيع ان ننظر في وجوه بعضنا ،ولا أن نتحدث مع بعضنا بعضا ، فينبغي ان نحلل ونحفر ونعمق عن هذا المرض ، لنبحث عن الكيفية التي تكون بها الى أن توطن في أعماق نفوسنا وترسخ في قلوبنا.
ان في القرآن اتجاهات عجيبة في وصف تغيير الأنفس ، فهو يشير الى أن النفوس التي يطول عليها الأمد وتستمر على الجهالة تصير غير قابلة للعودة الى الهداية " وان تدعهم الى الهدى فلن يهتدوا اذا أبدا " (الكهف:18/57) .
هذه الأمور يمكن لنا ان نبحثها ببحوث نفسية وبدراسات اختبارية في مختبر علم النفس ، وبدراسة احداث التاريخ ، وبذلك يتبين لنا السبب الذي يجعلنا عاجزين عن تغيير مابأنفسنا ، وعن تغيير العداوة التي نحملها لأصدقائنا . اننا نعادي أخواننا وأصدقاءنا الى درجة الموت ، ولاقدرة لنا على التعامل معهم ، بل نلجا الى الآخر الذي يحتوينا جميعا .
ان هذا المرض الخبيث الذي نعيشه ؛ كمرض السرطان ، فينبغي ان نبحث ونفكر كي نتخلص منه كما تخلصت امم كثيرة منه .
ان احداثا هائلة تحدث في العالم تحت أعيننا وأبصارنا : " وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون " (يوسف : 12/105 ) ، نمر على آية ثمود وآية عاد ، على أيات الأمم التي هلكت قديما ، وعلى آيات الأمم الحالية فالمانية آية واليابان آية والأتحاد السوفييتي آية وأمريكا آية ، كل هذه آيات نستطيع ان نبصرها ، واوروبة ألآن كبيرة ، لقد تقاتلت شعوب اوربة كثيرا خلال القرون الأربعة الأخيرة ؛ في حروب دينية وطائفية استماتية ، وسعى كل منهم الى ذبح الآخر حتى النهاية ، وقاموا بحروب قومية وعالمية ، ولكنهم بعد ذلك تعلموا من الأثمان التي دفعوها ، وهم الآن يقومون بعملية رائدة في العالم ، واذا كان المسلمون لايعطون لهذا قيمة ، فانني مضطر الى أن أقول : انني اعطي قيمة لما يحدث في أوروبة من أتحاد الآن ، فبعد التجارب التي مرت عليهم ، وبعد أن دفعوا ثمنا باهظا ، وقدموا مئات الملايين من الضحايا الذين ماتوا في الحرب العالمية الثانية ، بعد كل هذا تقف فرنسة وألمانيا لتقيما الوحدة الأوروبية ، ان الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية لم ينقرضوا ، ولازال بعضهم أحياء ، والآن تقوم الوحدة من غير أن يخسر أحد شيئا ويربح الجميع .
ان في أنفسنا رواسب عمرها ألف سنة أو أكثر ينبغي أن نغيرها ، ومن الأفكار والمفاهيم التي تحول بيننا وبين ألأستفادة والتقدم ، فهمنا لكل من التوحيد والوحدة ، هذا الفهم الذي تركز في اذهاننا خلال القرون المتطاولة ، ولانستطيع ان ننزعه من أنفسنا ، فبمفهوم التوحيد الغينا جهد الأنسان ، ظنا منا بأن توحيد الله يكون بسلب البشر القدرة على التغيير ، أو حتى على التدخل في عملية التغيير . هذا الأمر ليس من الفلسفات الخيالية ، لكنه من المسلمات النفسية الخطيرة ، وبهذا المفهوم ننسب سيئاتنا الى الله ، وذلك حين نقول أرادة الله هكذا . نعم ان ارادة الله الكونية هكذا ، ولكن ارادته الشرعية ليست هكذا ، وينبغي أن نفهم الفرق بين الأرادتين ، فارادة الله الكونية هي سننه ، ومنها أن من يلمس النار سيحترق ، وبهذه السنة كل الناس يحترقون ولكن سنته الشرعية انه يأمرنا بألا نمد ايدينا الى النار، فاذا مددنا أيدينا طبقت علينا السنة الكونية ، وكذلك هو يأمرنا الا نشرب المسكر ، فاذا شربناه أعطى النتائج أيضا ، اننا نستطيع أن نخرق القانون الشرعي ، ولكن القانون الكوني لن يخرق أبدا ، ولذلك نحن نرى أن النتائج السيئة للكفر قد وقعت علينا أيضا .
انني أشكر الدكتور البوطي كثيرا لأنه نبهنا الى موضوع العمل ، وأسأل الله أن يجعلنا من العمليين ، ولكن العمل مبني على الفكر ، وأعتقد أن مشكلة العالم الأسلامي هي أن النظريات لم تستقم بعد ، وقد عقد البخاري بابا بعنوان العلم قبل العمل) . ان العلم هو الذي يوجه العمل ، ولانستطيع أن نعمل عملا مفيدا الا اذا كان لدينا علم ، والا فلماذا يتوجه العالم الأسلامي الى اقامة السلام مع اسرائيل ولانجد من يفكر ويدعو الى ان نقيم سلاما فيما بيننا ؟ لماذا لانتساءل هذا التساؤل ؟ أهو صعب الى هذا الحد ؟ ايصعب علينا أن نفكر في صنع السلام فيما بيننا ؟
انني حين أتحدث عن هذا الموضوع أصرف عنه ويرتج علي ، لأن أمامي جبالا من المسلمات القديمة السابقة التي صغناها ، والتي لانستطيع أن نتخلى عنها .
لقد تحدثنا عن صدام في الندوة السابقة ، وقلت : ان المفاهيم التي في رؤوسنا هي التي دفعته الى القيام بهذا العمل ، والبدء بجاره بدل أن يبدأ باسرائيل التي ضربت مفاعله النووي ، ولو انه وجه صواريخه الى المفاعلات النووية في اسرائيل ، لكانت قلوب المسلمين جميعا معه ، ولكان معذورا امام العالم – وان كان هذا لاينجيه من العقوبة – ولكنه وجه صواريخه الى ذاته ، وكأننا نقول : نحن نريد أن نطهر داخلنا قبل أن نقاتل عدونا ، نريد ان نذهب لنقاتل أسرائيل عبر العواصم العربية !! ..
هذه المفاهيم التي ينبغي أن تبحث ، رغم أنها الى الآن قابلة للطرح ، وحتى الأمام الحسين حين ذهب الى العراق ، عانقه الفرزدق وودعه وقال له : " أودعك من شهيد ، ان قلوب الناس معك وسيوفهم عليك " ، وصدام كان يقول " الشارع العربي معي ياحسني مبارك " ، ولكن من الذي صنع الشارع العربي ، وكيف صنع خلال القرون ؟ كيف صار الناس يستبشرون بمثل هذا الرجل الذي يريد أن يزيل الآخرين ، وقد جربنا تغيير الأمور بواسطة هؤلاء المغامرين الذين يريدون أن يغيروا الأمور بالعنف ، فلطالما قتلنا زعماء وحكومات وأسرا ، وازلناهم من الوجود ، ولكن المفاهيم والأمور النفسية الراسخة في نفوسنا ما تغيرت ، وفي الواقع فان هذا الموضوع كبير وينبغي أن نعيد القول فيه ونكرر ونبحث .
انني مع الأسف الشديد – لست عالما ولامختصا في هذه الدراسات ، وانما أشعر بأن هذه المشكلات والعلل لها أسباب ولها أدوية ، ونستطيع أن نضعها تحت المجهر ، ونستطيع ان نبصرها ، وهي ليست أمورا غيبية أو ما ورائية ، بل هي أمور أسبابها موجودة في مجتمعنا وقابلة للرؤية والعلاج .
أريد ن أعرض وجهة نظري في موضوع الوحدة الأوروبية ن ولاحرج في أن يعترض علي الآخرون ، ولكنه شيء ينبغي أن أعرضه :
ان الوحدة الأوروبية ، والسوق الأوروبية المشتركة حدث كبير وجديد في تاريخ الأنسانية ، والذين يهتمون بما حدث في التاريخ ، وبالكيفية التي تقدمت فيها القيم الأنسانية الى أن صار الأنسان محترما ودمه مقدسا لايراق ، ولايسر الناس باراقه الدماء ، ان الذين يعرفون هذه الأشياء يدركون معنى الحدث الأوروبي .
لقد كان قول الملائكة لله تعالى حين أراد أن يستخلف الأنسان في الأرض " اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " (البقرة : 2/30) ، وحالنا اليوم تدل على أننا لازلنا عند تهمة الملائكة ، والسؤال الذي يرد هنا : هل نحن نحقن الدماء ؟ من الذي يحقن الدماء ؟ من الذي الذي يعدل مع أمته وشعبه أكثر؟ أين تحدث هذه ألأشياء؟
ينبغي أن لايمنعنا احتقارنا للكفار ، والمآسي التي خلفوها حين أستعمرونا ، من أن نرى العمل العجائبي الذي يقومون به من غيرأن يخسر احد شيئا ويربح الجميع .
لم ينتظر الأوروبيون هتلر ولانابليون ولاصدام ، بل قامت الشعوب والدول الكبيرة والصغيرة ، وتعاونت ضمن القانون وبالعدالة والمساواة ، وأخذوا يقيمون وحدة هادئة رزينة من غير أن يخسر أحد مالا ولاأرضا ولازعامة وبخطوات متئدة ، وقبل شهرين فتحوا حدود سبع دول منهم ، هذا الذي يحدث أمامنا ، فينبغي أن نعتبر به لنقيم الوحدة التي يأمرنا الله تعالى : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا " (آل عمران :3/102)
والى اللقاء في الحلقة القادمة |
|
|
|
|