التغيير في ضوء سنن الله في الآفاق والأنفس (4)
|
التغيير في ضوء سنن الله في الآفاق والأنفس (4)

بقلم الشيخ جودت سعيد
السؤال الأول :
لقد عرف الغرب الكثير عن سنن الكون المادية ، وتفوق على المسلمين بذلك ، فهل يعد وضعهم بنظركم صحيحا ينسجم مع سنة التغيير التي وجهنا اليها كتاب الله عز وجل ؟ وهل هذا يحق المطلوب منا ؟ وهل الأستجابة التغييرية تكون نحو ماغرسه الله فينا بخلقه ؟ أم أن الأستجابة تكون على النحو الذي أمر الله به تعالى ، وذلك عن طريق التزكية التي أشار اليها الدكتور البوطي في كلمته ؟
وأرجو أن يصحح التعبير التالي : " الله لم يخلق المزارع" ، أليس الله خالق كل شيء ؟ بماذا تفسر قوله تعالى : " يضل من يشاء ويهدي من يشاء " (النحل :16/93) ، وقوله تعالى : " وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، وأنه اليه تحشرون " (الأنفال: 8/24) .
الجواب :
هذا ما كنت أهدف اليه حين قلت : اننا نحمل رواسب نفسية عميقة ، ومشكلات فكرية كبيرة .
هناك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث فيه عن الفتن يقول فيه : " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين : على أبيض مثل الصفا ؛ فلاتضره فتنة مادامت السموات والأرض ، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيا (مائلا) ، لايعروف معروفا ولاينكر منكرا ، الا ما أشرب من هواه [1]، وهذا الحديث يدل على أن القلوب تصدا وتفسد ، ويصير عليها الرين ، فتصبح غير قابلة للتغيير ، ويصير أصحابها يقولون : " انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون " (الزخرف : 43/23) ، ان كل ما ينبغي أن نبحثه الآن هو واجب التغيير الذي علينا أن نقوم به .
اننا نقول عن العالم الغربي أنه ضد الله ، وفعلا قد يكون ضد الله في بعض المواضيع ، ولكن لماذا يعرفون مصلحتهم ويتعاونون في السعي اليها بسنن الله ؟ صحيح أنهم لايريدون الخير للعالم ، ولكنهم يريدون الخير لأنفسهم ، حين يعملون بسنن الله ، ولهذا فهم ينجحون .
لاشك أن ما يحصل في أوروبة من اتحاد وتعاون أقرب الى الله مما نحن فيه ، ولوكنا مسلمين حقا لفعلنا مثل هذا الأتحاد فيما بيننا تطبيقا لقوله تعالى : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم اذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم " 3/103) .
ينبغي أن نؤلف بين قلوبنا ، لأن قلبونا متنافرة جدا ، بينما ألاخرون يؤلفون بين قلوبهم لمصلحتهم .
أنا لاأنظر الى الكيفية التي يعاملوننا ، ولكنني أنظر الى الكيفية التي يعاملون بها أنفسهم ، كي نستفيد منها ونعامل أنفسنا بها .
اما موضوع الهداية ، فأقول في الجواب عنه : صحيح اننا لانستطيع أن نهدي انسانا بعينه الى الحق ، ولكننا حين ندعوا الناس فان أكثهم سيهتدون " بل أكثرهم لايعلمون الحق فهم معرضون" (الأنبياء : 21/24) ، فاذا قمنا بنشر المعرفة في المجتمع ، فسيخرج منه من يقوده ويغيره ، وعندها لايستطيع الذين يرفضون الهداية تغيير اتجاه المجتمع ، قد يبقون على ضلالهم ، ولكن لايكون هؤلاء هم الذين يقودون المجتمع .
هذه قوانين وسنن في الواقع ، وهي جديرة بأن نبحثها كثيرا ، وأن نتعب أنفسنا في بحثها ، يجب أن نبحث في الكيفية التي يتكون بها المجتمع .
ان تغيير المجتمع الى عدد كبير من الناس ، ولعل عشرة بالمئة من الواعين يغيرون نظرة المجتمع حين يقفون موقفا سليما ، فلايشترط أن يطال التغيير الجميع ولكن حينما يرون النموذج يتغيرون ، " ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين" (الأنفال :8/65) ، نوعية كهذه النوعية تساوي الفئات الأخرى الكثيرة ، تسعون بالمئه يمكن ان يقودهم عشرة بالمئه ، وهذا ما أدركه البشر في معسكرات التدريب الحربية ، فقد وجدوا أن خمسة بالمئه هم المشاغبون الذين يحركون الناس ، فاذا فصلوهم عن البقية ؛ ظل الآخرون هادئين خاضعين .
اذن ، الأمورالأجتماعية قابلة للدراسة والمراقبة والمعرفة ، والمعرفة حين توزع وتنتشر لايستطيع أحد أن يتسلط على الناس ، ولهذا يحرص هؤلاء على عدم نشر المعرفة ، والناس ينكرون الأشياء التي لم يسمعوا بها
: " واسمعنا بهذا في آبائنا الأولين " (القصص : 28/36) ، فاذا لم يسمعوا احدا يتكلم بهذا الموضوع ، فلاقدرة لهم على فهمه والأيمان به ، وقلة من الناس هم الذين يستطيعون أن يدركوا الأمور التي لايبحث المجتمع فيها .
هذا ما أردت أن أقوله ، ولكنني لم أجب الأخ السائل عن سؤاله حتى الآن ، وهذه مهمة شاقة ، وعلى العلماء والربانيين الذين يعرفون خبايا النفوس أن ينهضوا بها ، والصوفية كثيرا ما بحثوا في اعماق النفوس ، واهتموا بتطهيرها ، وكانوا يهتمون بأمراض القلوب وطبها ، وهذا ما يبحثه علم النفس وعلم الأخلاق وعلى الأجتماع الآن .
ان علم الأخلاق لم يعد شيئا النتائج . كذلك في الأمور الأجتماعية حين نسلك الطرق الصحيحة ، وكما أن للكهرباء سنة يمكن تسخيرها بها ؛ كذلك هناك سنة لتسخير القلوب والخياليا ، فالمصلحة هي التي تدعواليه ، فحين ندرك أننا بالمحبة نكسب ، ونحن نرى أن من يريد أن يمارس تجارة أو يعقد صفقة جيدة يتعامل مع الآخر برفق ولين ، قد لايكون قلبه معه ، ولكنه يتعامل معه برفق شديد ليصل الى نفوس ، كما أن هناك سنة لتسخير ضروب أمراض الجسد ، هذا ماأؤمن به ، فاذا وجد فينا الأطباء فهم الذين يستطيعون أن يغيروا مجتمعنا ، وعلى يدهم سيتحقق وعد الله تعالى ..
والى اللقاء في الحلقة القادم |
آخر تعديل ابوسعود يوم 03-02-2010 في 01:41 PM.
|