منتدى قصة الإسلام

منتدى قصة الإسلام (http://forum.islamstory.com//index.php)
-   مكتبة قصة الإسلام (http://forum.islamstory.com//forumdisplay.php?f=60)
-   -   فوائد من كتاب "الداء والدواء" للعلامة ابن القيم (http://forum.islamstory.com//showthread.php?t=137878)

امانى يسرى محمد 12-06-2022 08:35 PM

فوائد من كتاب "الداء والدواء" للعلامة ابن القيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فمن مؤلفات العلامة ابن القيم رحمه الله، كتابه النافع العظيم "الداء والدواء" والكتاب مليء بالفوائد المتنوعة، وقد يسَّر الله الكريم فاخترتُ بعضًا منها، وهي فوائد مختصرة، أسأل الله أن ينفعني والجميع بها.

حسن الظن بالله يكون بطاعته:
حسن الظن يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه أنه يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته، وأما المسيء المصرُّ على الكبائر والظلم والمخالفات، فإن وحشة المعاصي والظلم والإجرام تمنعه من حسن الظن بربه.

وحسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدل السيئة الحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة....فحسن الظن إن حمل على العمل، وحثَّ عليه، وساق إليه، فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور.

الجاهل من اعتمد على رحمة الله مع تَضْيِيعِه لأمره ونهيه:
كثير من الجُهَّال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيَّعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا، وأنه لا يغير به، ويظن أن ذلك من محبة الله له... وهذا من الغرور، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج))، ثم تلا: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ[الأنعام: 44].

كل شر وداء في الدنيا والآخرة سببه الذنوب:
مما ينبغي أن يعلم أن الذنوب تضر ولا بد، وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرٌّ وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟

من عقوبات الذنوب المعاصي:
حرمان العلم، وحرمان الرزق، ووحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله، والوحشة التي تحصل بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير منهم، وتعسير أموره عليه، ووهن القلب والبدن، وحرمان الطاعة، وتزرع أمثالها ويولد بعضها بعضًا، وينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة، وسببًا لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، وتورث الذلَّ ولا بدَّ فإن العزَّ كل العزِّ في طاعة الله تعالى، وتطفئ من القلب نار الغيرة، وذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وتستدعي نسيان الله لعبده، وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهناك الهلاك الذي لا يُرجى معه نجاة، ومن أقوى الأسباب لزوال نعم الله وتحول عافيته وفجاءة نقمته وجميع سخطه، وتمحق بركة العمر وبركة الرزق؛ فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وتُجرِّئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات، فيجترئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء والوسوسة والتخويف والتحزين....ويجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره، وتجترئ عليه نفسه، فتتأسد عليه وتستصعب عليه، فلو أرادها لخير لم تطاوعه، ولم تَنْقَدْ له، وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبى.

الذنب لا يخلو من عقوبة ألبتة:
الذنب لا يخلو من عقوبة ألبتة ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحا أحسَّ بالمؤلم.

العقوبة قد تقع مع الذنب وقد تتأخر عنه قليلًا:
قد تقارن المضرة الذنب، وقد تتأخر عنه، إما يسيرًا وإما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه، وكثيرًا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل عمله على التدرج شيئًا فشيئًا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذْوَ القُذَّة بالقُذَّة، فإن تدارك العبد نفسه بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا فهو صائر إلى الهلاك، هذا إذا كان ذنبًا واحدًا لم يتداركه بما يزيل أثره، فكيف بالذنب على الذنب كل يوم وكل ساعة؟! والله المستعان.

استحضر بعض عقوبات الذنوب ليكون ذلك داعيًا إلى هجرانها:
استحضر بعض العقوبات التي رتبها الله سبحانه على الذنوب، وجوز وصول بعضها إليك، واجعل ذلك داعيًا للنفس إلى هجرانها منها: المعيشة الضنك في الدنيا، وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124] فالمعرض عنه له ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعيم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، فالمعيشة الضنك لازمه لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده.

طيب النفس في العافية من الشهوات المحرمة:
إن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة، هو النعيم على الحقيقة.

غض البصر:
النظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل، ولا بد، ما لم يمنع منه مانع.

من آفات النظر:
أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات؛ فيرى العبد ما ليس قادرًا عليه، ولا صابرًا عنه، وهذا من أعظم العذاب؛ أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة لك على بعضه.

حركة اللسان تدل على ما في القلب:
إذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يُطلعُ ما في القلب، شاء صاحبه أم أبى.

حفظ اللفظات:
وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، بل لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها فائدة أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوته بها كلمة هي أربح منها، فلا يضيعها بهذه؟

ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يُبالي بما يقول.

آفة الكلام وآفة السكوت:
في اللسان آفتان عظيمتان: إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت.

وقد يكون كل منهما أعظم إثمًا من الأخرى في وقتها، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاصٍ لله مُراءٍ مُداهِن؛ إذ لم يخف على نفسه، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين.

وأهل الوسط- وهم أهل الصراط المستقيم - كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا يرى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلًا أن تضره في آخرته.

مفسدة الزنا:
كم في الزنا من استحلال محرمات، وفوات حقوق، ووقوع مظالم.

ومن خاصيته: أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه، وثوب المقت بين الناس...ويشتت القلب، ويُمرضه إن لم يمته، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك، ويقرب منه الشيطان.

مفسدة اللواط:
في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد، ولأن يقتل المفعول به خيرٌ له من أن يُؤْتَى، فإنه يفسد فسادًا لا يُرجى له بعده صلاحًا أبدًا، ويذهب خيره كله، وتمُصُّ الأرض ماء الحياء من وجهه، فلا يستحي بعد ذلك لا من الله ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن.

أسباب سوء الخاتمة:
قال الحافظ أبو محمد عبدالحق بن عبدالرحمن الأشبيلي رحمه الله: واعلم أن لسوء الخاتمة- أعاذنا الله منها- أسبابًا، ولها طرق وأبواب، أعظمها: الإكباب على الدنيا، والإعراض عن الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي الله عز وجل، وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض، ونصيب من الجرأة والإقدام، فملك قلبه، وسبى عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه، فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة، فربما جاءه الموت على ذلك.

وقال: واعلم أن سوء الخاتمة- أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به، ولله الحمد، وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه، حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية، ويُصطلم قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله.

عقوبة اللوطية:
قلب الله سبحانه عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها، فجعلهم آيةً للعالمين وموعظة للمتقين ونكالًا وسلفًا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين. أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسُه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون! فانقلبت تلك اللذات آلامًا فأصبحوا بها يعذبون...ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوة، وأورثت الشقوة، تمتعوا قليلًا وعذبوا طويلًا، رتعوا مرتعًا وخيمًا، فأعقبهم عذابًا أليمًا، أسكرتهم خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين، فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.

منافع غض البصر:
في غضِّ البصر عدة منافع:

أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده.

الثانية: أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه.

الثالثة: أنه يورث القلب أنسًا بالله وجمعية على الله.

الرابعة: أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.

الخامسة: أنه يكسب القلب نورًا، كما أن إطلاقه يكسبه ظلمةً.

السادسة: أنه يورثه فراسة صادقةً يتميز بها المحق والمبطل، والصادق والكاذب.

السابعة: أنه يورث القلب ثباتًا وشجاعةً وقوةً.

الثامنة: أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة.

التاسعة: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر يشتته.

كلُّ محبة لغير الله فهي عذاب على صاحبها:

كل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها...بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه الله بمحبة غيره، فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو المردان أو النسوان أو الأثمان.

أنواع المحبة:

ههنا أربعة أنواع من المحبة، يجب التفريق بينها، وإنما ضلّ من ضلّ بعدم التمييز بينها:

أحدها: محبة الله، ولا تكفي وحدها في النجاة من عذابه والفوز بثوابه؛ فإن المشركين وعُبَّاد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.

الثاني: محبة ما يحبه الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام، وتُخرجه من الكفر، وأحبُّ الناس إلى الله أقومُهم بهذه المحبة وأشدُّهم فيها.

الثالث: الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحب، ولا يستقيم محبة ما يحب إلا بالحب فيه وله.

الرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحبَّ شيئًا مع الله، لا لله ولا من أجله ولا فيه، فقد اتخذه ندًّا من دون الله، وهذه محبة المشركين.

وبقي قسم خامس: ليس مما نحن فيه، وهو المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه؛ كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم والزوجة والولد، فتلك لا تُذمُّ إلا إذا ألهَتْ عن ذكر الله وشغلت محبته، كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[المنافقون: 9].

دفع الهموم والغموم بالإقبال على الله وإيثار مرضاته على كل شيء:
قال بعض العلماء: فكرت فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيت سعيهم كله في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، فهذا بالأكل والشرب، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء وهذا باللهو واللعب، فقلت: هذا مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده، ولم أرَ في جميع هذه الطرق طريقًا موصلةً إلا الإقبال على الله ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء.

لا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره:
لا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره، وتنعمه بحبه، وإيثاره لمرضاته، بل لا حياة ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة إلا بذلك، فعدمه آلم شيء له، وأشده عذابًا عليه، وإنما يغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالها بغيره، واستغراقها في ذلك الغير، فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت بفراق أحبِّ شيء إليها وأنفعه لها.

داء العشق:
هذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعزَّ عليهم شفاؤه، وهو- لعمر الله- الداء العضال، والسم القاتل، الذي ما عَلِقَ بقلب إلا عزَّ على الورى استنقاذه من إساره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا صعب على الخلق تخليصها من ناره.

وهو أقسام: فإنه تارة يكون كفرًا؛ كمن اتخذ معشوقه ندًّا يحبه كما يحبُّ الله، فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفر لصاحبه، فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإنما يُغفر بالتوبة النصوح.

وعلامة هذا العشق الشركي الكفري أن يقدم العاشق رضا معشوقه على رضا ربه، وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحظه وحق ربه وطاعته قدم حقَّ معشوقه على حق ربه، وآثر رضاه على رضاه، وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه- إن بذل- أردأ ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والقرب إليه، وجعل لربه- إن أطاعه- الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته.

دواء العشق:
دواء هذا الداء القتَّال: أن يعرف ما ابتلي به من الداء المضاد للتوحيد أولًا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يراجع بقلبه إليه.

وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله، وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: 24]، فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه، فإن القلب إذا خلص وأخلص عمله لله،لم يتمكن منه عشق الصور، فإنه إنما يتمكن من قلب فارغ كما قال: "فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا".

عشق المردان:
عشق هو مقت من الله، وبُعْد من رحمته، وهو أضر شيء على العبد في دينه ودنياه، وهو عشق المردان، فما ابتُلي به إلا من سقط من عين الله، وطرده من بابه، وأبعد قلبه عنه، وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبة المردان.

ودواء هذا الداء الدوي: الاستعانة بمقلب القلوب، وصدق اللجأ إليه، والاشتغال بذكره، والتعوض بحبه وقربه، والتفكر في الألم الذي يُعقِبه هذا العشق، واللذة التي تفوته به، فيترتب عليه فوات أعظم محبوب، وحصول أعظم مكروه، فإن أقدمت نفسه على هذا وآثرته فليكبر عليها تكبيره على الجنائز، وليعلم أن البلاء قد أحاط به.

أنفع المحبة وأجلها وأعلاها محبة الله جل جلاله:
اعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جُبِلت القلوب على محبته وفطرت الخليقة على تأليهه، وبها قامت الأرض والسماوات، وعليها فطرت المخلوقات، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألَّهَ القلوبَ بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع، وتعبدُه، والعبادة لا تصح إلا له وحده، والعبادة هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل، والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله، والله تعالى يُحَبُّ لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يُحَبُّ تبعًا لمحبته.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن آثر حبَّه على هواه، وابتغى بذلك قربه ورِضاه.



شبكة الالوكة

MAHMOOD 06-08-2022 08:25 AM

رد: فوائد من كتاب "الداء والدواء" للعلامة ابن القيم
 
مشكور محتوي مفيد


الساعة الآن 05:36 AM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.0 , Designed & TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى قصة الإسلام