المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مآثر العرب والمسلمين في ميدان الفلاحة


المراقب العام
26-05-2016, 01:28 PM
http://islamstory.com/sites/default/files/styles/300px_node_fullcontent_img/public/16/04/17/agriculture.gif

من المسلَّم به أن الحضارة دائمة التنقل، وهي مشاع بين الناس لا يحتفظ بها إلا الأقوى والأجدر، فإذا ما أصابه الوهن أو انتابه الضعف ولت سراعًا، ومن هنا كان للعرب والمسلمين الأوائل جهدهم وفضلهم في الدفع بعجلة الحضارة إلى الأمام، وقد شهد المنصفون من الغربيين لعلماء العرب والمسلمين بما قدموه من إنجازات أسهمت في رقي المدنية وتقدم الحضارة بعد أن كان الأوروبيون أو كثير منهم ينسبون اكتشافات العرب والمسلمين أو يدعونها لأنفسهم كذبًا وزورًا، غير أن الحقيقة كالشمس لا يمكن حجبها أو إخفاؤها، فعرف الحق لذويه وعاد الفضل لأهله، وحديث اليوم عن فضل العرب ومآثرهم في مجال الزراعة وحرث الأرض ومكافحة الآفات، ودورهم في رقي الحضارة الإنسانية التي قامت في البداية على أكتاف الزراعة والمزارعين قبل أن تقوم على أكتاف الصناعة والصانعين.

الزراعة عند العرب:
العرب هم أمة أقدم من اسمها الذي تعرف به اليوم؛ لأنها على أرجح الأقوال أرومة الجنس السامي التي تفرع منها الكلدانيون والآشوريون والكنعانيون والعراقيون وسائر الأمم السامية التي سكنت بين النهرين وفلسطين وما يحيط بفلسطين من بادية وحاضرة، وقد تتصل بها الأمة الحبشية بصلة النسب القديم مع اختلاط بين السامية والحامية [1].

ويرى الباحثون أن أسلاف العرب كانوا يتمتعون بحضارة أصيلة، ويقطنون الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية، ولكن بسبب تزايد عدد السكان وتعرض تلك المنطقة لتغيرات مناخية سيئة اضطر سكان الجنوب إلى الخروج من بلادهم على شكل موجات متعاقبة، فاتجه بعضهم شرقًا إلى بلاد الرافدين، ومنهم من توجه شمالًا، وبقي في وسط الجزيرة قبائل حافظت على كيانها واستقلالها وحرمتها ولغتها [2].

ومن البدهي أن عرب وسط الجزيرة لم يهتموا بالزراعة وكانوا يحصلون على المنتجات الزراعية التي يحتاجونها عن طريق التجارة وتبادل السلع، كما كانت شجرة النخيل أثمن النباتات لديهم لأنها تنمو في الواحات المبعثرة بين كثبان الرمل، فتعطيهم أطيب الثمر بأدنى جهد وأقل ماء، أما القاطنون في أطراف الجزيرة -وخاصة في الحجاز واليمن والعراق وبلاد الشام- فكانوا على جانب كبير من الخبرة في شؤون الزراعة والعناية بالأشجار المثمرة واستخراج المياه، لذلك لم تزل بقاع اليمامة إلى ما بعد الإسلام مشهورة بالمراعي الواسعة، والعيون والأمطار الغزيرة والمروج المعشبة التي تخلفت مما هو أخصب منها وأعمر بالإنسان والحيوان في أقدم الزمان، وقد لاحظ الرحالة الألماني شوينفرت أن القمح والشعير وجدا في حالتهما الآبدة في اليمن وبلاد العرب القديمة قبل أن تستأنس في مصر والعراق [3].

وقد اكتشفت في أرض اليمن كتابات بالخط المسند، تعتبر قوانين صدرت عن الحكومات اليمنية قبل الإسلام نظمت بموجبها العلاقات الزراعية بين المزارعين الذين يعملون في الأرض التي تمتلكها الدولة وتقوم بتأجيرها لمن يريد استثمارها من القبائل والأفراد، كما نظمت حقوق السقي والاستفادة من الماء [4].

الزراعة في القرآن الكريم:
ولما جاء الإسلام حث دستوره (القرآن الكريم) المسلمين على الزراعة وحرث الأرض والتصرف فيما تنبته الأرض من زروع وأشجار وثمار وأزهار قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النمل: 10-11]، {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذلك لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 3-4]، {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} [يس: 33 -34]، فالذين يتفكرون في النباتات وحرثها وزراعتها ويتعمقون في بحثها وفحصها يصلون إلى أسرار وآيات تشهد بعظمة مبدع الكون، والإسلام دين الجهد والجهاد والعقل والتدبر [5].

وقد أفرد القرآن الكريم الكثير من مفردات علم النبات والزراعة ووسائلها، فمثلا أورد حقيقة على جانب كبير من الأهمية العلمية حينما قرر القرآن في سورة الحجر الآية 22 قوله تعالى:{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}، وهذا ما اكتشفه علماء النبات بعد ذلك بقرون طويلة عندما قالوا: إن الرياح وسيلة من وسائل التلقيح في النباتات [6].

الزراعة في السنة النبوية:
وفي السنة النبوية الشريفة نجد أن هناك الكثير من الأحاديث التي تحث على الزراعة وفلاحة الأرض منها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة"، يقول الإمام الشنقيطي: قال العيني: وفي الحديث أن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد، وفيه أيضًا الحض للمسلم على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتي بعده، وفي الحديث أيضًا أن الزراعة والغرس من أفضل المكاسب [7]، إذن العمل بالزراعة عبادة إلى جانب أنها كسب شريف.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه".

اعتناء المسلمين بالزراعة:
وعلى نهج القرآن وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم سار المسلمون فتركوا لنا آثارًا كانت الشرارة الأولى في بناء حضارة العالم، من ذلك ما روي من أن يزيد بن مسيلمة كان يغرس في أرضه، فقال له عمر رضي الله عنه: "أصبت، استغن عن الناس يكن أصون لدينك وأكرم لك عليهم". وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال: "زارعوا على الأرض بنصفها، بثلثها، بربعها .. إلى عشرها ولا تدعوا الأرض خرابًا [8].

وكان لانتشار الإسلام أن ساد الوفاق بين القبائل العربية وأخذ بعضها يستقر إلى جوار القرى والمدن، وأصبحت الحاجة ملحة لتوافر كميات من المواد الغذائية في تلك المجتمعات، لذلك قام الرسول صلى الله عليه وسلم بحض الناس على الزراعة فقال: "التمسوا الرزق في خبايا الأرض"، كما بشر الزارعين بأجر جزيل عند الله عز وجل.

اهتمام الخلفاء الراشدين بالزراعة:
وقد عمل كثير من الصحابة في الزراعة، واشتهرت المدينة المنورة بمزارعها وبساتينها، وأقطع النبي صلى الله عليه وسلم رجالًا من أصحابه الأراضي الواسعة ليعمروها ويزرعوها ويستثمروها، ومن هؤلاء: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر بن الخطابرضي الله عنه الذي أُعطي أرضًا نفيسة بخيبر، ومنهم ربيعة الأسلمي، وأعطى أبوبكر رضي الله عنه في خلافته أرضًا زراعية لطلحة بن عبيد الله، وأرضًا أخرى لعيينة بن حصن، وأرضًا ثالثة للزبير بن العوام.

وتوسع عمر في توزيع الأراضي ليقوم الناس بإحيائها وزراعتها واستثمارها، فأعطى سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد- رضي الله عنهم- وآخرين.. وكذلك فعل من بعده من الخلفاء (عثمان وعلي).

وكان الناس يزرعون أراضيهم بأنفسهم وأهليهم، أو يؤجرونها للزراعة والغراسة، أو يعطونها للزراع بالربع والثلث، قال موسى بن طلحة: رأيت سعدًا وابن مسعود وجبر بن عتيك يعطون أرضهم بالثلث والربع، وكانت بعض المزارع والبساتين تحمل في السنة مرتين، وكان يزرع فيها أنواع الحبوب وأصناف الثمار المعروفة وقتذاك، ويذهب بها إلى سوق المدينة المنورة، وأسواق الأماكن المجاورة [9].

الزراعة في العصر الأموي:
وفي العصر الأموي ولما استتب الأمر لبني أميه أٌمر الولاة بمسح الأرض الزراعية لجباية الخراج والزكاة، وقاموا بشق الترع وإصلاح المجاري وتشجيع الزراعيين على إحياء الأرض البور، وقد اشتهر زياد بن أبيه بأنه كان يقطع للرجل قطعة من الأرض ثم يمهله مدة عامين، فإذا أصلحها واستثمرها أصبحت ملكًا له وإلا استردها منه، وقد ازدادت في زمن الأمويين زراعة أنواع الحبوب والقطن وقصب السكر، كما ازداد غرس الأشجار المثمرة كالكرمة والزيتون والنخيل، وفي العصر الأموي أيضا بدأ إنشاء الحدائق والبساتين، فشيد الخليفة هشام بن عبد الملك سد طريقة وبجواره عدد من البساتين المثمرة، وفي العصر الأموي كذلك أقام الحجاج بن يوسف الثقفي الترع والجسور وأنشأ القنوات واستصلح الأراضي البور وزاد من الرقعة الزراعية في دولة بني أمية [10].

الزراعة في العصر العباسي:
وفي العصر العباسي، ولازدهار ورخاء الحياة ظهرت الزراعة البستانية لتزيين القصور، وحينما بنى المعتصم مدينة سامراء لم يفته كما يقول اليعقوبي العناية بإنشاء الحدائق الغناء والبساتين، يقول المستشرق رامبو: لم يكن في عصر العباسيين أهم من مهنة الفلاحة، فقد أظهر العرب بمهارتهم مزايا فواكه الفرس وأزهار إقليم زندران، وقد أغنوا العلم -ولاسيما علم النباتات- بمسائل جديدة كثيرة.

لقد أصبح العرب في العصر العباسي أول العارفين بالزراعة وأحسن العمال، وأصبحت الزراعة التي أخذوها من أساليب بابل والشام ومصر علمًا حقيقيًّا للعرب أخذوا نظرياتها من الكتب ثم وسعوها بتدفقاتهم وتجاربهم وكانوا يطبقونها بمهارة، ولا تستنكف أعلى الطبقات عن العمل بأيديهم في زراعة الأرض، وكان غيرهم يحقرها ويعدها عملًا مهنيًّا، وقد روى دوزي أن ابن الخطيب لم يكتسب من غير الفلاحة مالًا، وقد أقام من أعمال العمران ما يحسده عليه أعظم طواغيت الزمان [11].

وفي العصر العباسي أيضًا كان هناك اهتمام بالفلاحة العلمية التجريبية، فلم يعتمدوا فقط على النظريات الزراعية بل تابعوا العملية العلمية الزراعية من أولها إلى آخرها بدءا بالحرث وإعداد الأرض والعناية بالزروع ثم الحصاد والتخزين ومعالجة الآفات والأمراض، ثم تصنيع المزروعات، وبرع العرب في تخير الأرض ثم استنباط المياه لأنها أساس العمل الزراعي [12].

الزراعة العربية في المغرب العربي والأندلس:
كانت الأندلس والمغرب العربي متخلفين علميًّا وحضاريًّا عن مشرق العالم الإسلامي في مجال الزراعة حتى أول القرن التاسع للميلاد، ولما تولى الخلافة عبد الرحمن الناصر سعى إلى تدارك هذا القصور، وذلك بإرسال البعثات العلمية إلى الشرق العربي للدراسة في بغداد ودمشق والقاهرة، وجلب الكتب المؤلفة والمترجمة إلى العربية، وكانت هذه البعثات بداية لنهضة علمية زراعية في الأندلس حتى ظهر في الأندلس علماء أجلاء قاموا على علم وادخلوا الجديد في الطرق الزراعية.

وفي تلك الأثناء ظهرت مدرستان في علم الزراعة في الأندلس:
الأولى.. اهتمت بعلم العقاقير والنباتات الطبية، وكان من روادها ابن جلجل وابن وافد وابن سمجون والغافقى وابن ميمون وابن البيطار.

والمدرسة الثانية، اهتمت بعلم الفلاحة والنبات، وكان من روادها ابن بصال الطليطلي وابن حجاج الاشبيلي والحاج الغرناطي وابن العوام والشريف الإدريسي وأبوعباس النباتي، ثم حدثت نهضة غير مسبوقة في الأندلس في هذا المجال فعمرت المدن وكثرت الخيرات وانتشر العلم حتى كان في قرطبة وحدها دكان نسخ واحد يستخدم مائة وسبعين جارية في نقل المؤلفات لطلاب الكتب النادرة، وكان في قصر الخليفة أربعمائة ألف كتاب صنفت في شتى العلوم جميعها [13].

يقول رتشارلس سينوبوس في كتابه تاريخ الحضارة: جرى أمراء العرب على أصول إسقاء الأرض بفتح الترع، فحفروا الآبار وجازوا بالمال الكثير ممن عثروا على ينابيع جديدة، ووضعوا المصطلحات لتوزيع المياه بين الجيران، ونقلوا إلى أسبانيا أسلوب النواعير لتمنح المياه والسواقي التي توزعها، وإن سهل "بلسنة" الذي جاء كأنه حديقة واحدة هو من بقايا عمل العرب وعنايتهم بالسقيا، كما أن العرب استعملوا جميع أنواع الزراعة التي وجدوها في مملكتهم وحملوا كثيرًا من النباتات إلى صقلية وأسبانيا، وربوها في أوروبا فأحسنوا تربيتها حتى لتظنها متوطنة وذلك مثل الأرز والبطيخ والقنب والمشمش والبرتقال والكبار والنخيل والهليون والزعفران والبطيخ الأصفر والعنب والعطر والورد الأزرق والأصفر والياسمين بل والقطن والقصب [14].

المؤلفات العربية في مجال الزراعة والحرث والري:
مرت الحضارة العربية الزراعية بطورين من أطوار الحضارة والتمدن، أولهما بعد أن استقرت الدولة العربية الإسلامية سياسيًّا بدأت النهضة العلمية بمرحلة الاكتساب البدائي-أي تجريب الخبرة المتوارثة- تلتها مرحلة الترجمة حيث اهتم الخلفاء بالحصول على المخطوطات اليونانية وترجمتها، ومن أولئك الخلفاء هارون الرشيد الذي أوفد الرسل لهذا الغرض مئات المرات إلى الإمبراطورية البيزنطية لشراء المخطوطات، كما كان الخليفة المأمون اشد تحمسًا في جمع الكتب واقتنائها، فكان على اتصال مباشر بالإمبراطور البيزنطي ليو، وقد طلب إليه أن يرسل له جميع ما لديه من المخطوطات العلمية، بهذا أصبح للمأمون الفضل الأعظم في مرحلة الاكتساب، فقد أسس بيت الحكمة وخصصه للترجمة وأضاف إليه مرصدًا فلكيًّا، وعلى هذا فإن القرن العاشر الميلادي أو الرابع الهجري لم ينقضِ على الدولة العربية حتى كانت نهايته نهاية طور الاكتساب والترجمة.

أما الطور الثاني فهو طور الخبرة، ولقد أخذ العرب عن غيرهم كما أخذت كل أمة عن غيرها، لكنهم وضعوا ما اكتسبوه من خبرات وافكار في بوتقة عربية وصاغوه بصيغتهم الخاصة حتى خرج فريدًا في بابه، وظهر بمظهر نظم ومؤسسات قائمة بذاتها [15].

هكذا قسمت المؤلفات الزراعية عند العرب إلى قسمين: قسم معرب عن اليونانية، وقسم مؤلف بالعربية، فمن الكتابات اليونانية في الزراعة التي عرفها العرب وترجموها كتاب ديمقراط الرومي من القرن الثاني قبل الميلاد، وآخر لـقيندانيوس أناطوليوس البروتي، من القرن الرابع الميلادي، وآخر لـلكسيانوس ياسوس، من القرن السادس الميلادي، وكتاب الفلاحة النبطية الذي نقل من السريانية إلى العربية في مطلع القرن العاشر الميلادي، غير أن العرب لم يتوقفوا عند نقل هذا التراث، بل طوروا العلوم الموروثة حتى أصبحت مؤلفاتهم بدورها أسسًا جديدة انطلقت منها العلوم الحديثة.

كتاب الفلاحة النبطية:
وأول كتاب كان بمنزلة حجر الأساس في نشأة الزراعة العربية هو كتاب "الفلاحة النبطية"، والذي رغم أنه معرب من السريانية فإنه أصبح أثرًا عربيًّا اقتفته سائر المؤلفات العربية في علمي الزراعة والنباتات، ويضم هذا الكتاب في صفحاته الألف سائر المعارف في أمور الفلسفة والدين والسحر والطلاسم، فضلا عن الزراعة وما تضمنه من زراعة الأزهار والأشجار المثمرة والحبوب والبقول، وفي استنباط المياه من الأرض وتطعيم الأشجار كذلك في عمل السماد واختبار الأرض لبعض المزروعات، ومعارف أخرى كثيرة تحيط بسائر أعمال الحقل مستندة كلها على خبرة عميقة وممارسة طويلة للعناية بالأرض والنبات.

كتاب الفلاحة لابن العوام:
أما أشهر الكتب العربية في الزراعة فهو كتاب الفلاحة لابن العوام -القرن الثالث عشر الميلادي- الذي اطلع على جميع العلوم التي كانت في عصره، ومنها العلوم الزراعية القديمة، ثم قام بتجارب عديدة في الزراعة دون نتائجها في كتابه الضخم الذي ترجم إلى الأسبانية والفرنسية في القرن التاسع عشر، ويتألف كتاب الفلاحة لابن العوام من ثلاثين فصلًا عن الزراعة تبحث في مواضع شتى، منها ما يتعلق بطبيعة الأرض والسماد وأنواع المياه وطبيعتها وإنشاء الجناين والمشاتل وزراعة الأشجار المثمرة وعمليات التطعيم وتقليم الأشجار وعمليات التسميد والري وإخصاب الأشجار الاصطناعي ومكافحة الأمراض الزراعية وطرق تعطير الثمار وتلوين الورد وحفظ الحبوب والبذور والنباتات الصالحة للنسيج والنباتات الصابغة وغيرها [16]. ويذكر أنه يعود الفضل لابن العوام لتعريفنا بجهود من سبقوه في هذا المجال من العلماء العرب والذين لم تصل إلينا كتبهم، مثل ابن وافد وابن سمجون وابن ميمون والحاج الغرناطي [17].

ولأبي حنيفة الدينوري، القرن الثالث الهجري، كتاب اسماه «النبات» حوى أنواع النباتات والتربة وكيفية شق الترع والجسور، وبه باب خاص يحتوي على شرح لغوي لأسماء النباتات التي وردت في أشعار العرب، ولابن البيطار، القرن السابع الهجري، جهود عظيمة في هذا المجال فقد سافر إلى الشام من الأندلس ودرس نباتها، ثم سافر إلى مصر فجعله الملك الكامل الأيوبي رئيسًا على العشابين وألف كتابه في النبات وهو فريد في بابه، وكان عليه معول أهل أوروبا في نهضتهم الأخيرة [18]، ومن علماء العرب في علم النبات رشيد الدين المتوفى سنة 629هـ صاحب كتاب الأدوية المفردة، وكان كثير التدقيق يخرج لدرس الحشائش في منابتها وله كتاب يسمى أحوال النباتات [19].

مكافحة الأمراض الزراعية في الحضارة العربية والاسلامية:
كان العرب والمسلمون اعلم الأمم بالزراعة إبان ازدهار حضارتهم، فقد عرفوا تفصيلًا وإجمالًا أهمية خدمة الأرض وأثرها في القضاء على الآفات الزراعية خاصة البادرات الحشرية، وذلك من خلال تقليب التربة وتعريض الآفات فيها للظروف الجوية غير الملائمة، إضافة إلى التخلص من الحشائش الضارة والأدغال النامية في الحقول [20].

واستخدم العرب والمسلمون المبيدات الحشرية الكيميائية في مكافحة الآفات الزراعية والسيطرة على الحشرات الضارة في صورة طعوم أو سوائل ترش أو غازات بواسطة التدخين، وليكن طريقنا لإيضاح ذلك بمثل واحد من كل هذه الطرق.

الطعوم السامة: استخدمها العرب والمسلمون لقتل الفئران والكلاب والخنازير والذباب والجراد والنطاط والقوارض الأخرى، فقد استخدموا مبكرًا برادة الحديد مخلوطة بالدقيق أو الخبز بالسمن، كما عرفوا أن تراب الزئبق يقتل الفأر والزرنيخ الأصفر يقتل الذباب برائحته [21].

المبيدات المرشوشة: عرف العرب المبيدات المرشوشة واستخدموها بتوسع، فمثلًا كانوا يستخدمون ثمرة الحنظل بعد نقلها من الماء لرش البيوت بها لقتل البراغيث [22]، كما كانوا يرشون البيوت بالماء المذاب به النشادر لقتل جميع الهوام [23].

المواد الكمياوية الطيارة (التدخين): استخدم العرب في التدخين موادًّا كيماوية طاردة طيارة سريعة التبخر من اصل نباتي، كثيرًا ما تكون غير سامة وليس لها أي تأثير ضار على الإنسان والحيوان والنبات، فقد استخدموا الكبريت المدخن لطرد البراغيث [24]، وبخروا البيوت بالكزبرة لطرد الحيات والعقارب [25].

المبيدات الحيوية: العرب أول من استخدم المبيدات الحيوية من ذلك ما استخدم في ربوع اليمن منذ آلاف السنين، عندما استجلبوا نوعًا من النمل الصحراوي المفترس على أنواع الحشرات التي تصيب النخيل والتمر ومازالت هذه الطريق مستخدمة في بعض الدول العربية إلى الآن [26].

وفي وسع الباحثين أن يحصوا لنا آثار العرب في بعض العلوم أو بعض الصناعات، ولكن آثار العرب في الحضارة عامة لا تستقصيها الأرقام ولا الألفاظ، ولا هي موقوفة على الحصر أو الادعاء حتى في بعض العلوم التي يدعي الغرب أن العرب لم يألفوها مثل الكيمياء والهندسة والرياضيات أو حتى التكنولوجيات بمعناها الحديث.

1- عباس محمود العقاد، أثر العرب في الحضارة الأوروبية، القراءة للجميع 1998 ص 13.
2- مجلة هنا لندن، العدد 467 سبتمبر 1987، عبقرية الحضارة العربية ص 21.
3- عباس محمود العقاد، مصدر سابق ص15.
4- مجلة هنا لندن، مصدر سابق ص22 .
5- محمود عبدالوهاب فايد، التربية في كتاب الله، مكتبة الاعتصام 1972 ص20.
6- المصدر السابق ص31 .
7- الشنقيطي، زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، الجزء الثاني ص 333، طبعة مصر 1969.
8- الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، دار نهر النيل 1983 ص 58.
9- حسن عبدالغني أبوغيدة، النشاطات الحرفية والمهنية في صدر الإسلام، مجلة الفيصل العدد285 ص31.
10- نخبة من علماء الأزهر، الدين والحياة، وزارة الأوقاف الإدارة العامة لبحوث الدعوة، ص 82.
11- د.عبدالمتعال محمد الجبري، الحضارة والتمدن الإسلامي، بأقلام فلاسفة النصارى، مكتبة وهبة 1993 ص38.
12- محمد كرد علي، الإسلام والحضارة العربية، الجزء الأول ص 266.
13- عباس محمود العقاد، مصدر سابق ص90.
14- د.عبدالمتعال محمد جبري، مصدر سابق ص39.
15- جورجي زيدان، تاريخ التمدن الاسلامي، دار الهلال دون تاريخ، الجزء الثالث ص161.
16- ابن الفارض تاريخ علماء الأندلس، طبعة مدريد 1974 ص241.
17- المصدر السابق، ص242.
18- جورجي زيدان، مصدر سابق ص207.
19- المصدر السابق، ص 208.
20- د.عماد الحفيظ، مكافحة الآفات الزراعية عند العرب، مركز إحياء التراث 1989 ص 416.
21- القزويني، غرائب المخلوقات والحيوانات وعجائب الموجودات، سلسة الذخائر، الهيئة المصرية للكتاب، 2003 ص 57، 83.
22- المصدر السابق 87 .
23- المصدر السابق ص 95.
24- المصدر السابق ص 61.
25- المصدر السابق ص 74.
26- مجلة هنا لندن مصدر سابق ص20


د.بركات محمد مراد


مآثر العرب والمسلمين في ميدان الفلاحة (http://islamstory.com/ar/%D9%85%D8%A7%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D 9%86-%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%A9)

alraiah
25-06-2016, 12:13 PM
شكرا على الموضوع الرائع