المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عطايا الرحمن في رمضان


نبيل القيسي
09-06-2016, 09:11 AM
الحمد الله الذي بلَّغَنا شهر الصيام، وعرَّفَنا فضْلَه وفضل القيام، وجعل لِمن احتسب صيامه وقيامه مغفرةَ الذنوب والآثام، سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صاحب الفضل والإنعام، الكريم العظيم الرَّحيم الرحمن، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله خير مَن صلَّى لربه وصام، وأتقى من تهجَّد وقام، صلى الله عليه وعلى آلِه وصحبه خير الأنام، ومصابيح الظلام.

وبعد:
فإنَّ شهر رمضان هو من الله عطيَّة لأهل الإيمان؛ لينزل عليهم بها الرِّضا والرضوان، ويكتب لهم بالصِّيام دخول الجنة من باب الريَّان، فالبشرى لمن أحسن صيامه وأخلصه لله المنَّان، والشقاء لمن لم يُغفر له بشهر رمضان كلُّ الذنوب والآثام.

ومن عطايا ربنا في شهر مضان:
1- إذا كانت أول ليلة من رمضان يسَّر الله لعباده فعل الطاعات: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صفِّدَت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقَت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير أقبِل، ويا باغي الشرِّ أقصِر، ولله عُتقاء من النار، وذلك كل ليلة))؛ (صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم: 998)، فتصفيد الشياطين المرَدَة منهم ما هذا إلَّا لييسر ربُّنا على الصالحين ليسعدوا بصومهم، فسَدُّ بابِ الغَواية هذا عظيمُ كرمٍ من الله عز وجل.

2- شهر رمضان وصيامه يكفِّر الذنوب: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان: مكفِّرات ما بينهنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائرَ))؛ (أخرجه مسلم).

3- تحصيل التقوى: يقول ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

بيَّن الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة لعباده المؤمنين أنه سبحانه قد كتَب عليهم صيامَ شهر رمضان؛ أي: فرَضَه عليهم؛ لعلَّهم يتَّقون؛ فهذه علَّة ظاهرة للصيام؛ أي: لعلَّها تتحقَّق فيهم صفة التقوى؛ وذلك بأن يكونوا عاملين بطاعة الله، مبتعدين عن معصيته، وهي الصِّفة التي تؤهِّلهم وتأخذهم إلى السعادة في الدنيا والآخرة؛ فقد بيَّن سبحانه في آيات أخرى فضلَ التَّقوى وعظيم آثارها على أهلها، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3]، وقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

وأيُّ نعمة وسعادة تَعدل ما جاء بيانه في هذه الآيات لآثار التَّقوى؛ من تفريجٍ للكروب، وتيسير للأمور، وجلب للأرزاق، من حيث يعلم المرء ومن حيث لا يعلم.

4- أنَّ الصيام يَغفر الله به ما تقدَّم من ذنوب: ففي الصَّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم قال: ((مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه))؛ (متفق عليه).
فهذا الحديث قد أفاد أنَّ الصيام المؤثِّر في غفران الذنوب وحطِّ الخطايا - له شرطان، هما: الإيمان والاحتساب.

والمراد بـ ((إيمانًا)) في الحديث: الاعتقاد بفرضيَّة صوم شهر رمضان؛ كما أفاده الحافظ ابن حجر رحمه الله، ومعنى ((احتسابًا)) قال الإمام الخطابي رحمه الله: "أي: عزيمة، وهو أن يصوم على مَعنى الرَّغبة في ثوابه، طيِّبة نفسه، غير مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه"؛ (الفتح 4/ 115).

5- أن الصِّيام يشفع لصاحبه يومَ القيامة، وكذا القرآن: عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الصِّيام والقُرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقولُ الصيامُ: أيْ ربِّ، منعتُه الطَّعامَ والشهوات بالنهار، فشفِّعني فيه، ويقولُ القُرآنُ: منعتُه النومَ بالليل، فشفِّعني فيه، قال: فيُشفَّعان))؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (73299).
فصوم العبد الصَّحيح الذي حافَظ فيه على الإخلاص والمراقبة - كَفيلٌ أن يَشفع له بين يدي ربِّه تبارك وتعالى.

6- أن قيام رمضان يَغفر الله به ما تقدَّم من آثام: عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه))؛ (رواه البخاري ومسلم).

الحديث دليل على فضل قيام رمضان، وأنَّه من أسباب مَغفرة الذنوب، ومَن صلَّى التراويح كما يَنبغي، فقد قام رمضان؛ فلقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رغَّب في صلاة التراويح جماعة، فقال: ((مَن قام مع الإمام حتى يَنصرف، كُتب له قيامُ ليلةٍ))؛ رواه الترمذي (806).

وهذا الثواب لا يناله إلَّا مَن صلَّى مع الإمام حتى ينتهي من الصَّلاة كلِّها، أمَّا مَن اقتصر على بعض الصلاة ثم انصرف، فلا يستحق الثَّوابَ الموعود به في هذا الحديث، وهو ((قيام ليلة)).

وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:
إذا صلَّى الإنسان في رمضان مع من يصلِّي ثلاثًا وعشرين ركعة، واكتفى بإحدى عشرة ركعة ولم يتم مع الإمام، فهل فعله هذا موافِق للسنَّة؟
فأجاب: "السنَّة الإتمام مع الإمام، ولو صلَّى ثلاثًا وعشرين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قام مع الإمام حتى يَنصرف، كَتب الله له قيامَ ليلة))، وفي اللفظ الآخر: ((بقية ليلته)).

فالأفضل للمأموم أن يقوم مع الإمام حتى يَنصرف، سواء صلَّى إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، أو ثلاثًا وعشرين، أو غير ذلك؛ هذا هو الأفضل؛ أن يتابِع الإمام حتى ينصرف"؛ انتهى (مجموع فتاوى ابن باز 11 /325).
والمغفرة مشروطة بقوله: ((إيمانًا واحتسابًا))، والمعنى تقدَّم شرحه.

7- العمرة في رمضان أجرها أجر حجَّة تامَّة، غير أنها لا تُسقط الفريضة: عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأةٍ من الأنصار - يُقال لها: أم سنان -: ((إذا جاء رمضان، فاعتمري؛ فإنَّ عمرة فيه تَعدل حجة))؛ (متفق عليه).

وهذا من فَضل الله تعالى ونِعَمه على عباده، فقد صارتِ العمرة بمنزلة الحجِّ في الثَّواب بانضمام رمضان إليها، وهذا يدلُّ على أنَّ ثواب العمل يزيد بزيادة شَرَف الوقت؛ كما يزيد بحضور القلب وخُلوص القصد.

8- أفضل الصدقة في الثواب صَدَقة رمضان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الرِّيح المرسلة، قال صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصَّدَقة صدقة في رمضان))؛ (أخرجه الترمذي عن أنس)، للصدقة في رمضان مزيَّة وخصوصية؛ فلنبادِر إليها، ولنحرص على أدائها.

9- ومن عطايا ربنا عز وجلَّ أنْ جعل مَن فطَّر صائمًا كان له من الأجر مثل أجر الصائم الذي فطَّره: عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من فطَّر صائمًا، كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء))؛ (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

• وهذه عادة الصَّحابة والسلف رضوان الله عليهم، قال ابن رجب رحمه الله: كان ابن عمر يَصوم ولا يفطر إلَّا مع المساكين، فإذا منعه أهلُه عنهم، لم يتعشَّ تلك الليلة، وكان إذا جاء سائل وهو على طعامه، أخذ نصيبَه من الطعام وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكَل أهلُه ما بقي في الجفنة، فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا.

وجاء سائلٌ إلى الإمام أحمد، فدفع إليه رغيفين كان يعدُّهما لفطره، ثمَّ طوى وأصبح صائمًا، وكان ابن المبارك يُطعم إخوانَه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم.

هذا، والله تعالى أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.

محمد عبدالعاطي محمد عطية