المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حاسة السمع بين القرآن الكريم والعلم الحديث.....................//


نبيل القيسي
09-07-2016, 02:31 PM
لحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اهتم القرآن الكريم كثيرًا بالسمع وقدَّمه على باقي الحواس، وامتنَّ به على الإنسان، وفيما يلي بعض مظاهر الاهتمام وملامح الإعجاز في القرآن الكريم والسُّنة المطهرة.

معنى السمع في القرآن الكريم:
تتضمَّن كلمة السمع في القرآن مدًى واسعًا من المعاني كما يلي:
1 - الإحساس المجرد بالصوت بلا فَهمٍ؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171].

2- الإحساس بالصوت مع الفَهم؛ كما في قوله جل وعلا:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75].

3- الإحساس بالصوت مع الفهم، بالإضافة إلى الاقتناع والإيمان والطاعة:
﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام: 36].
﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [الروم: 53].

وهذه المعاني الثلاثة لكلمة السمع تتوافق مع ما هو معروف في علم وظائف الأعضاء من مراحل التعرف على الصوت، والتي تتضمن الإحساس sound perception والتمييزsound discrimination، ثم الوظائف العليا الأخرى للمخ، والتي تتضمن العواطف والإرادة والتصرفات.

كما فرَّق القرآن الكريم بين السمع والاستماع والإنصات، فالسماع قد يكون بقصد أو بدون قصدٍ، أما الاستماع، فهو قصد السماع بُغية فَهْم المسموع أو الاستفادة منه، وأما الإنصات فهو السكوت والسكون، وترْك الأشغال بقصد الاستماع؛ قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204].

السمع في الآخرة:
يعد سماع التسليم والتحية من أفضل نعيم المؤمنين؛ كقول الله تعالى:
﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة: 24 - 26].

وكما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نعيم أهل الجنة فيما يرويه عن ربه عز وجل:
((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ، ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]))[1].

بينما يُعد الحرمان من السمع من أنواع العذاب المعدة للكافرين؛ كما في قول الله تعالى:
﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 100].

أهمية السمع:
ذكر القرآن الكريم وسائل العلم والمعرفة، فجعل في مقدمتها السمع، ثم البصر، ثم العقل:
﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78].

وقد ورد ذكر كلمة (سمع) ومشتقاتها مائة وخمسة وثمانين مرة في القرآن الكريم، وقد تكرَّر تقديم السمع على البصر في جميع الآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان، بل اكتفت بعض الآيات بذكر السمع والعقل عند الحديث عن وسائل الهداية؛ مثل قوله تعالى:
﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 44].

واكتفى البعض الآخر من الآيات بذكر السمع فقط؛ كقوله جل وعلا:
﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام: 36].

وقد امتنَّ الله تبارك وتعالى على عباده بنعمة السمع بعد نعمة الخلق؛ لعلهم يشكرون نعمة ربهم، ولا يكفرونها.
﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الملك: 23].

وهذا التقديم لذكر السمع على بقية الحواس له دلالته، ولا شك في كتاب الله، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقدِّم ما قدَّم الله ذكره في كتابه، فبدأ في سعيه بين الصفا والمروة بالصفا قائلاً: ((أبدأ بما بدأ الله به))[2].

ولعل تقديم ذكر السمع على البصر؛ لكونه أهم منه في عملية التعلم، وكم رأينا من كفيف وصل إلى أعلى مراتب العلم، أما من ولد أصَمَّ لا يسمع، فإنه لا يتعلم الكلام، ومِن ثَمَّ لا يكـاد يتعلم شيئًا يُذكر.

ومن أجل أهمية السمع كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو بالمعافاة في بدنه وسمعه وبصره عند نومه واستيقاظه، فعن عبدالرحمن بن أُبَيّ أنه قال لأبيه: "يا أبت، إني أسمعك تدعو كل غداة: اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت، تعيدها ثلاثًا حين تصبح، وثلاثًا حين تمسي، فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو بهن، فأنا أحب أن أستنَّ بسنت"[3].

كذلك كان من دعائه-صلى الله عليه وسلم-: ((اللهم متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منَّا))[4].

ومع كون المعافاة في البدن تتضمَّن المعافاة في السمع والبصر، إلا أن تخصيص السمع والبصر بالذكر بعد التعميم، يدل على الأهمية الزائدة لهاتين الحاستين.

ولعلنا نفهم من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (و اجعله الوارث منا)، إشارة إلى أن بعض الناس يصابون بضعف السمع نتيجة التقدم في السن، الأمر الذي أشار إليه قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ [يس: 68].

والمعروف علميًّا أنه يحدث ضَعف سمع عصبي مضطرد متماثل في كلتي الأذنين في بعض الناس فوق سن 60 سنة، وهذا الضعف يحدث في أكثر من ثلث البشر فوق 75 سنة.

ولذلك دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- الله أن يحفظ عليه سمعه وبصره ويُمتعه بهما؛ حتى يكون هو الوارث منه؛ أي: ألا يفقد حواسه قبل موته، بل يموت وهو مكتمل لجميع الحواس.

نشأة حاسة السمع وتطوُّرها:
أما من حيث مراحل النشأة والتكوين، فمن المعلوم أن أول حاسة من حواس الإنسان تبـدأ وتكتمل في التكون هي حاسة السمع[5]؛ حيث يُحدثنا علم الأجنة أن بداية تخلق الأذن الداخلية يكون في اليوم الثاني والعشرين من عمر الجنين، بينما يكون طوله 1,5 إلى 2 ملليمتر فقط، وتستمر هذه في النمو حـتى تصـل إلى كمالهـا وحجمها النهائي كما هو عند البالغين في منتصف فترة الحمل تقريبًا، وذلك في الأسبوع 20- 22[6]، وبذلك تكون الحاسة الأولى في ابتداء الخلق وفي كمال الخلق.

أما عن كيفية الخلق، ففي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إِذَا سَجَدَ قَالَ: "اللّهُمّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلّذِي خَلَقَهُ وَصَوّرَهُ، وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"[7].

وفي رواية الإمام أحمد: "الَّلهُمَّ لَكَ سَجَدتُ، وَبِكَ آمَنتُ، وَلَكَ أَسلَمتُ، سَجَدَ وَجهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، فَصَوَّرَهُ فَأَحسَنَ صُوَرَهُ، فَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحسَنُ الخَالِقِينَ".

وليس هناك ما هو أبلغ وأخصر من هذه الكلمة: (شقَّ) في وصف تخلق الأذن بجميع أقسامها الداخلية والوسطى والخارجية؛ حيث يبدأ الأمر بتكوين صحيفة ثخينة من الأديم الظاهر -الصحيفة السمعية - (Otic placode) ما تلبث أن يحدث بها شقًّا يتحول إلى الحويصلة الأذنية التي تفقد اتصالها بالسطح؛ لتتمدد وتتشكَّل على هيئة الأذن الداخلية، ثم تتم إحاطة هذه الأذن الغشائية بغلاف غضروفي من اللحمة المتوسطة في الأسبوع الثامن عشر، وينمو هذا ويتحول إلى عظام، حتى يصل إلى حجمه الطبيعي عند البالغين في نهاية الأسبوع الواحد والعشرين، ومِن ثَمَّ تبدو الأذن الداخلية في النهاية كمجموعة من الشقوق المحفورة بإحكام وعناية في العظم الصخري (Petrous bone).

أما الأذن الوسطى، فتبدأ بشق من الردب النفيري الطبلي (Tubotympanic recess) في قاع البلعوم، ويتمدد هذا الشق مكونًا بذلك قناة استاكيوس (Eustachian tube)، ثم تتفلطح نهايته حول عظيمات الأذن الوسطى مكونة تجويف الأذن الوسطى.

وأما الأذن الخارجية، فهي تتطور من الشق البلعومي الأول (First pharyngeal groove)، وتتعمق بتكاثر الأديم الظاهر (ectodermal plug)، وهذه الكتلة الخلوية تنفتح على هيئة شق؛ لتكون تجويف قناة الأذن الخارجية، ويلتقي هذا الشق الخارجي مع الشق الداخلي، ويفصل بينهما غشاء الطبلة.

ومن هنا يكون عالم الأجنة عالمًا صاخبًا، يسمع فيه الجنين دقات قلب أمه، وسَريان الدم في عروقها، ومرور الطعام في أمعائها، ويتعرف على صوتها، بل يتعرف على الأصوات الخارجية، وإذا تعودت الأم سماع القرآن الكريم أثناء فترة حملها، فإن ابنها يستكين وينصت لسماعه بعد ولادته، وقد أمكَن تسجيل الإشارات العصبية السمعية المتولدة في الأذن الداخلية والعصب السمعي والمنطقة السمعية في مخ الجـنين بآلات التسجيل المخبرية، بل اكتشف العلماء حديثًا أن الجنين في بطن أمه يستجيب للموجات فوق الصوتية إذا تعرضت الأم لهذا الفحص أثناء فترة الحمل وذلك بزيادة حركته.

وكذلك تنمو المنطقة السمعية المخية وتتطور وتتكـامل وظائفها قبل مثيلتها البصـرية، لـذلك يكون التعلم في المرحلة الأولى من حياة الطفل معتمدًا على المعلومات المسموعة، فهـو يفهـم الكلام الذي يسمعه ويدركه ويعيه، ثم يحاكيه، فيتعلم الكلام في وقت مبكر جدًّا بالنسبة لتعلمـه القراءة والكتابة[8].

الأذان في أذن المولود ودلالته العلمية:
ولكون الأذن تكون مكتملة التكوين عند الولادة، فقد كان من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يؤذن في أذن الوليد عند ولادته، فعن أبى رافع قال:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أَذَّنَ في أُذُنِ الحسن بن علي حين ولدته فاطمة رضي الله عنها[9].

يقول ابن القيم رحمه الله: وسر التأذين - والله أعلم -: أن يكون أول ما يَقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكـان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها[10]، واللافت للنظر في هذا الحديث أمران:
الأول هو التبكير في تلقين الوليد الأذان الذي هو نشيد المؤمن، أليس الوقت مبكرًا جدًّا لهذا التعليم!

يولد الطفل بأقل من ثُلُث قدرة المخ التي يمتلكها الكبير، ويعتمد نمو ونضوج الجهاز العصبي في 75 % على البرمجة الجينية التي نخلق بها، ويبقى 25 % من هذا النضج يعتمد على الخبرات المكتسبة بالتعلم؛ ولذلك ينصح العلماء بإحاطة الوليد ببيئة غنية بالمؤثرات بداية من الولادة حتى سن السادسة، ففي هذه الفترة يمكن تعديل الخلايا العصبية تركيبيًّا ووظيفيًّا؛ اعتمادًا على عمرها وكيفية استخدامها.

ومن المعروف أن المخ يتكون من شبكة من الخلايا العصبية، هذه الخلايا تكوِّن فيما بينها شبكة من الاتصالات، وفى كل مرة يتم تنبيه المخ تتكـون صلات جديدة بين الخلايـا، وكلمـا زادت الصلات زاد التكامل بين الخلايا، وهذا يحدد ويؤثر في الذكاء والمهارات الاجتماعية والعاطفية.

وقد بدأت الدراسات الحديثة تركِّز على البداية المبكرة جدًّا في تعليم الطفل، حتى قبل ولادته في بعض الدراسات.

إذًا هذا هو الوقت المناسب؟ وأي شيء هو أهمُّ وأولى من الأذان؛ ليكون أول مؤثر يدخل هذا الرأس الصغير؛ يقول ابن القيم رحمه الله: "وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به، وإن لم يشعر به، مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد، فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها، فليسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به.

وفيه معنًى آخر:
وهو أن تكون في دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام، وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة الله التي فطَر عليها سابقة على تخيير الشيطان لها ونقله عنها، وغير ذلك من الحكم، والأمر الآخر اللافت للنظر في الحديث هو أنه -صلى الله عليه وسلم- أذَّن في أُذن الوليد، لماذا لم يؤذن في المكان الذي يوجد به الوليد، فيسمعه كما يسمعه الآخرون؟!

والجواب أنه ومع أن أُذن الوليد الآن هي مكتملة النمو، إلا أن الجنين في بطن أمه يكون مغمورًا في سائل السلي (Amniotic fluid)، وهذا السائل يوجد في كل تجاويف جسمه، بما في ذلك الأذن الوسطى والخارجية؛ مما يؤدي إلى حالة مشابهة للحالة المعروفة بالتهاب الأذن الوسطى الإفرازي، والتي تمتلئ فيها الأذن الوسطى بإفرازات مخاطية تؤدي إلى ضَعْف سمع توصيلي يقدَّر بحوالي 20- 40 ديسيبل "مرجع رقم 23"، ويحتاج الأمر إلى بضعة أيام لتتخلص الأذن من هذه الإفرازات، فيصبح حادَّ السمع بعد أيام قلائل من ولادته؛ لذلك فلو أذَّن المؤذن بعيدًا عن أذن الوليد، ربما لم يسمعه جيدًا، فيفقد الأمر معناه.

حاسة السمع أثناء النوم:
تبقى حاسة السمع تعمل أثناء النوم، وقد دلت الدراسات أن الصوت الأعلى من 35 ديسيبل[11] يمكن أن يوقظ النائم، وحتى لو لم يستيقظ النائم بالصوت، فإن نشاط المخ الكهربائي يظهر تغييرًا في موجات ألفا.

وهناك عوامل أخرى كثيرة تؤثر في إيقاظ النائم خلاف الضوضاء؛ منها: الحافز، والعمر، والجنس، ووقت دورة النوم، ومعنى الصوت نفسه؛ مثل: بكاء الطفل، أو رنين الجرس[12].

وهذا يعني أن هناك مستوًى من مستويات الوعي يظل موجودًا في النوم؛ حيث يتم تفسير الصوت ويستيقظ النائم، أو لا يستيقظ تبعًا لأهمية المعنى المسموع.

لذلك لما طُعِن أمير المؤمنين سيدنا عمر رضي الله عنه غُشِي عليه، فقال بعضهم لبعض: إنكم لن تزعجوه بشيء مثل الصلاة، فنودي: "الصلاة الصلاة"، فأفاق رضي الله عنه وقال: "هاه هاه الصلاة! لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة"، فصلى رضي الله عنه وجُرحه يثعب دمًا[13]، وهذا دليل على أهمية الصلاة عند الصحابة رضي الله عنهم، وعلى أن عمر رضي الله عنه أفاق من غشيته لما نُودي بالصلاة؛ مما يد ل على أن الأُذن تظل تعمل أثناء النوم والغيبوبة، وأن المخ يتأثر بالمعنى الذي يسمعه، فيستيقظ من النوم أو يفيق من الغيبوبة حسب أهمية المعنى المسموع؛ لذلك حين أراد الله تبارك وتعالى أن يجعل أصحاب الكهف ينامون ثلاثمائة وتسع سنين، ضرب على آذانهم كيلا يستيقظوا.
﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ [الكهف: 11].

أثر الضوضاء على الأذن والبدن:
من أدب الحديث خفض الصوت كما في قوله تعالى:
﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ [لقمان: 19].
وربما كان في هذا إشارة إلى الأثر الضار لرفع الصوت على الأذن.

وفي آية أخرى يسمي الله تعالى يوم القيامة بالصاخة؛ حيث قال تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴾ [عبس: 33].

وهذه الكلمة ذات الحروف الأربعة تدل على أربعة معان: الأول على يوم القيامة، عن ابن عباس قال: الصاخة من أسماء يوم القيامة، والثاني كون يوم القيامة يبدأ بصوت، والثالث كون هذا الصوت مرتفعًا، والأخير هو أثر هذا الصوت في أذن من يسمعه، وأنه يذهب بسمعه، قال القرطبي: والصاخة: الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، تصخ الأسماع؛ أي: تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للأحياء؛ قال الخليل: الصاخة: صيحة تصخ الآذان صخًّا؛ أي: تصمها بشدة وقعتها، وأصل الكلمة في اللغة: الصك الشديد.

وربما كانت هذه الآية أول ما عرفه الإنسان عن أثر الضوضاء في الذهاب بسمع الإنسان.

والمعروف أن التعرض للضوضاء يؤدي إلى التعود (Adaptation)، ثم إذا زاد التعرض في المدة أو الشدة، حدث ضعف مؤقت في السمع (Temporary threshold shifts)، فإن زاد أكثر أدى إلى ضَعف مستديم في السمع (Permanent threshold shifts).

ومن الناحية التشريحية: فإن التعرض للضوضاء يؤدي إلى فقْد بعض الخلايا الشعرية المسؤولة عن السمع في الأذن الداخلية وتغيُّرات في الإمداد الدموي للقوقعة بالأذن الداخلية[14].

الإهلاك بالصيحة:
المعروف أن الصوت ما هو إلا شكل من أشكال الطاقة، فهو عبارة عن تضاغطات وتخلخلات في الهواء، وتستجيب الأذن الطبيعية للصوت طالما كان في مدى معين من الترددات (من 20 إلى 20000 ذبذبة في الثانية)، ومدى معين من شدة الصوت (من-10 حتى 110 ديسيبل)، فإذا خرج الصوت عن المدى السمعي للأذن، فإنها قد لا تدركه إذا كان في غير الترددات التي تدركها الأذن البشرية، وهي المعروفة بالموجات فوق الصوتية، أو كان خافتًا جدًّا، أو تتضرر منه إذا كان عاليًا جدًّا، فتصاب بضَعف سمع عصبي، كما أن الضوضاء لها تأثيرات على أجهزة الجسم الأخرى مثل الجهاز العصبي، فيصاب الإنسان بالإجهاد والضيق والتوتر العصبي وعدم التركيز، ويؤثر على القلب والجهاز الدوري، فيصاب الإنسان بسرعة النبض وارتفاع ضغط الدم، وتتزايد هذه التأثيرات بتزايد شدة الصوت، ومدة التعرُّض له، حتى تصل إلى ذِروتها في الانفجارات المصاحبة للقنابل الكبيرة؛ حيث يؤدي الصوت الشديد إلى معظم الإصابات، وذلك لما يطلقه من طاقة عظيمة جدًّا في وقت قصير جدًّا، يتبدد جزء من هذه الطاقة على صورة حرارة عالية جدًّا يمكن أن تصل إلى 400 درجة مئوية، والجزء الآخر يطلق على هيئة زيادة في الضغط، يمكن أن يصل إلى بضع مئات من الضغط الجوي، حتى إن هذا الضغط الشديد والمنتشر خلال الأرض يمكنه أن يحدث رجفة مشابهة للزلازل ذات المدة القصيرة، ومن هنا عبَّر القرآن العظيم هنا تارة بالصيحة وتارة بالرجفة، هذه الطاقة الهائلة يمكن أن تدمِّر الأعضاء الرئيسية والأوعية الدموية، وإلى انفجار في الرئتين يصاحبه توقُّف للقلب والدورة الدموية؛ مما يؤدي إلى وفاة الإنسان، والقرآن الكريم قد سبق كل المعارف البشرية حين قرَّر إهلاك بعض الأُمم بالصيحة؛ كما في قوله تعالى:
﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ [يس: 29].

والمتأمل في الآيات التي ذكرت هلاك بعض الأقوام بالصيحة، يعجب من دقة الوصف لوسيلة العذاب ولأثرها على المعذبين.

أذن الخير صلى الله عليه وسلم:
ويبقى الشرف العظيم للأذن حين وصف الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأُذن الخير عندما أراد المنافقون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا عنه: {هو أذن}؛ أي: سَمَّاع لكل قول يجوز عليه الكذب والخداع، ولا يفطن إلى غش القول وزُوره، من حلف له صدقه، ومن دسَّ عليه قولاً قبله، فأخذ الله كلامهم؛ ليجعل منه ردا عليهم:
﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 61].

نعم هو أذن الخير للناس يستمع إلى الوحي، ثم يبلغه لكم، وفيه خيركم وصلاحكم، وأذن خير يستمع إليكم في أدب ولا يجبهكم بنفاقكم ولا يرميكم بخداعكم، ولا يأخذكم بريائكم.

يؤمن بالله فيصدق كل ما يخبره به، ويؤمن للمؤمنين، فيطمئن إليهم ويثق بهم؛ لأنه يعلم منهم صدق الإيمان الذي يعصمهم من الكذب والالتواء والرياء؛ ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾ [التوبة: 61] يأخذ بيدهم إلى الخير ويبعدهم عن الشر؛ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 61]، وهي غيرة من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أن يؤذى[15].
د. حسني حمدان الدسوقي حمامة