المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تسليم حماة ودمشق


المراقب العام
10-08-2016, 06:59 AM
http://islamstory.com/sites/default/files/styles/300px_node_fullcontent_img/public/16/07/30/demashq.gif

استقر الوضع لهولاكو في شمال سوريا وجنوب تركيا، وبدأ يفكر في التوجه جنوبًا لاحتلال مدينة حماة أولًا، ثم المرور على بعد ذلك على مدينة «حمص»، ليصل في النهاية إلى «المجاهد» الناصر يوسف الأيوبي وجيشه الرابض في شمال دمشق!

بينما كان جيش التتار يستعد للتوجه إلى حماة، حدث ما لا يتوقع!

تسليم «حماة»:
جاء إلى هولاكو وفد من أعيان حماة وكبرائها يقدمون له مفاتيح المدينة، ويسلمونها له دون قتال.. وذلك برغبتهم وإرادتهم الذاتية، ودون طلب من هولاكو! وقبل منهم هولاكو المفاتيح، وأعطاهم الأمان[1]، ولكنه كان في هذه المرة أمانًا حقيقيًا، وذلك ليشجع غيرهم على أن يحذوا حذوهم.

وتحرك هولاكو بجيشه الجرار في اتجاه الجنوب، ومر على حماة دون أن يدخلها، وكذلك مر على حمص بلد «صديقه» الأشرف الأيوبي ولم يدخلها كذلك، واتجه مباشرة إلى دمشق، وبينها وبين حمص 120 كيلومترًا فقط.

ولنترك هولاكو قليلًا، ونذهب لمتابعة الموقف في دمشق.

دمشق في هذه الأثناء:
الناصر يوسف يعسكر الآن في جيشه خارج دمشق، والأخبار السيئة جاءت بسقوط حصون ميافارقين، وقتل الكامل محمد الأيوبي بالطريقة البشعة التي أشرنا إليها، ثم جاءت الأخبار -أيضًا- بسقوط مدينة حلب واستباحتها، ثم سقوط حصن حارم، ثم تسليم حماة وحمص دون قتال.. والخطوة القادمة للتتار هي -ولا شكَّ- دمشق!

ماذا يفعل الناصر يوسف الملك الجبان، وقد أعلن حربًا ليست له بها طاقة.. ليس لقوة التتار فقط، بل لضعفه هو في الأساس؟

لقد عقد الناصر يوسف مجلسًا استشاريًا مهمًّا يضم قادة جنده.

ماذا نفعل؟

بطل في مستنقع الأذلاء:
كان المجلس يضم معظم أمراء الجيش، وعلى رأسهم الأمير زين الدين الحافظي، وكان يضم -أيضًا- الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وهو من أمراء المماليك البحرية الذين فروا قبل ذلك من مصر أثناء فتنة دارت بين المماليك هناك، واستقبله الناصر يوسف، وضمه إلى قواده لما له من الكفاءة العسكرية العالية جدًّا، والقدرات القيادية الهائلة.

بدأ الاجتماع، ولم يكن يخفى على الحضور مظاهر الرعب والهلع التي يعاني منها الناصر يوسف، والتي انتقلت منه بعد ذلك إلى معظم أمرائه.

وبدا واضحًا -أيضًا- أن الناصر يوسف لا يميل مطلقًا إلى الحرب، ولا يقوى على اللقاء، وكذلك أمراؤه، فبدأ معظم الحضور يتخاذلون، ويتحدثون عن الفجوة الهائلة بينهم وبين التتار، ثم انتقل الحديث إلى أمير الجيش الأمير زين الدين الحافظي فقام يعظم من شأن التتار، ويهون من شأن المسلمين، ويشير على الناصر يوسف ألا يقاتل.

هنا انتفض الأمير ركن الدين بيبرس، وكانت فيه حمية كبيرة للدين، وحماسة عالية للقضاء على التتار، ورغبة جارفة في المواجهة.. لكنه وجد نفسه في مجموعة من المتخاذلين والخونة.

صرخ الأمير ركن الدين بيبرس في وجه زين الدين الحافظي، ثم سبّه سبًّا عنيفًا، بل إنه لم يتمالك نفسه فقام وضربه، وقال له: أنت سبب هلاك المسلمين.

وطبعًا كلام «بيبرس» وإن كان موجهًا إلى زين الدين الحافظي إلا أن المقصود الأول من الكلام هو الناصر يوسف نفسه.. فهو من أهم أسباب هلاك المسلمين.. لكن بيبرس كان يخاطب مجموعة من الأموات.. والموتى لا يسمعون! فما وقعت كلماته في قلب أحد[2].

{إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}[النمل: 80].

وهؤلاء موتى! وصُمٌّ! ومُدْبرون!

ومن ثَمَّ اتخذوا القرار المناسب في رأيهم.

والقرار............. هو الفرار! ! !

الأمير الناصر يوسف سيفر، والأمراء سيفرون، والجيش سيفر، وستبقى مدينة دمشق وشعبها الكبير دون حماية ولا دفاع! وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولم يجد ركن الدين بيبرس حلًا مع هؤلاء فتوجه إلى غزة بفلسطين، وهناك راسل سلطان مصر ليذهب عنده على أمل التوحد في لقاء التتار[3].. وبالفعل استقبله سلطان مصر بحفاوة، وسنأتي لتفصيل ذلك مستقبلًا إن شاء الله.

وخلت دمشق من الأمراء والحراس.

ومدينة دمشق مدينة كبيرة وحصينة، وكان يتوقع لها الثبات فترة طويلة قبل أن تسقط، ولكن الأمراء من أمثال الناصر يوسف يأمرون بالمقاومة ويحضون عليها ما دامت بعيدة عن أرضهم، فإذا اقتربت جيوش العدو من مدينتهم كانت الخطة البديلة دائمًا هي.. الفرار.

حدث ذلك في دمشق، ويحدث كثيرًا إذا وُجد أمثال هؤلاء الأمراء الأقزام.

تسليم «دمشق»:
ووقع أهل دمشق في حيرة كبيرة.. ماذا يفعلون؟! جيوش التتار ستأتي إليهم في غضون أيام قليلة جدًّا.. والتتار لا يبقون على أخضر ولا يابس، وشعب دمشق لم يتدرب قبل ذلك على جهاد، وليست له دراية بفنون القتال، والجند المحترفون والأمراء القواد هربوا وتركوا مواقعهم.

لقد كان الموقف في غاية التردي.

وهنا اجتمع أعيان دمشق وكبراؤها، واتفقوا على أن يفعلوا مثلما فعل أهل «حماة»، فيأخذوا مفاتيح المدينة، ويسلموها إلى هولاكو، ثم يطلبوا الأمان منه، ولم يخالف هذا الرأي إلا قلة من المجاهدين قرَّرُوا التحصن في قلعة دمشق، والدفاع حتى النهاية.

وصدق ظن هولاكو عندما أعطى الأمان الحقيقي لأهل حماة، فإن ذلك دفع غيرهم من أهل المدن الكبرى أن يفعلوا مثلهم.

وخرج وفد من أعيان دمشق يستقبل جيش هولاكو، ويسلمه مفاتيح المدينة ومقاليد الحكم في دمشق[4].

موت «منكوخان»:
في هذه الأثناء حدث أمر لم يكن في حسبان هولاكو في هذا التوقيت.. لقد مات «منكوخان» زعيم دولة التتار، وجاءت الأخبار بذلك إلى هولاكو قبل أن يصل إلى دمشق، وبالطبع كانت هذه أزمة خطيرة، فمنكوخان يحكم دولة مهولة اتسعت في وقت قياسي، وحدوث أي اضطراب في الحكم قد يهدد هذه الدولة العظيمة بالتفكك.

كما أن هولاكو -بلا شكٍّ- هو أحد المرشحين لحكم دولة التتار، فهو أخو منكوخان، وهو حفيد جنكيزخان، وله الانتصارات العظيمة الكثيرة، وله الفتوحات المبهرة.. ويكفيه فخرًا أنه أوَّل مَن أسقط الخلافة الإسلامية في التاريخ.. فكانت كل هذه المؤهلات تجعل هولاكو من أوائل المرشحين لحكم دولة التتار بكاملها، بدلًا من حكم منطقة الشرق الأوسط فقط.

لذلك لما وصل خبر وفاة منكوخان، لم يتردد هولاكو في أن يترك جيشه، ويسرع بالعودة إلى قراقورم عاصمة التتار للمشاركة في عملية اختيار خليفة منكوخان، وترك هولاكو على رأس جيشه أكبر قواده وأعظمهم «كتبغا نوين»، وهو كما ذكرنا قبل ذلك من التتار النصارى.

أسرع هولاكو بالعودة، حتى إذا وصل إلى إقليم فارس جاءته الرسل من قراقورم بأنه قد تم اختيار أخيه «قوبيلاي» خاقانًا جديدًا للتتار، ومع أن الأمر كان صدمة كبيرة لأحلام هولاكو، وكان على خلاف توقعاته، بل وعلى خلاف قواعد الحكم التي وضعها جنكيزخان قبل ذلك، إلا أنه تقبل الأمر بهدوء، وآثر أن يمكث في منطقة الشرق الأوسط[5]، لا سيما وقد رأى الخيرات العظيمة في هذه المناطق، لكنه لم يرجع مرة أخرى إلى الشام، بل ذهب إلى تبريز (في إيران حاليًّا)، وجعلها مركزًا رئيسيًا لإدارة كل هذه الأملاك الواسعة.

وتبريز بالإضافة إلى حصانتها وجوها المعتدل، فإنها تتوسط المساحات الهائلة التي دخلت تحت حكم هولاكو حتى الآن، فهو يحكم بداية من أقاليم خُوارِزم والتي تضم كازاخستان وتركمنستان وأوزبكستان وأفغانستان وباكستان، ومرورًا بإقليم فارس وأَذْرَبِيجَان، وانتهاءً بأرض العراق وتركيا والشام.. والذي شجعه أكثر على عدم الرجوع إلى الشام هو أن ما تبقى في بلاد الشام يعتبر جزءًا ضعيفًا ليس فيه مدن كبيرة، لاسيما أنه قد سمع قبل رجوعه بفرار جيش الناصر يوسف الأيوبي في اتجاه الجنوب إلى فلسطين تاركًا وراءه دمشق دون حماية.. غير أن هولاكو لم ينس أن يرسل رسالة مهمَّة إلى «كتبغا» يؤكد له فيها ضرورة الإمساك بهذا المتمرد الصعلوك «الناصر يوسف الأيوبي».

دمشق بعد السقوط:
لقد وصل أعيان المدينة وهم يحملون مفاتيحها إلى جيش التتار، فاستقبلهم القائد الجديد كتبغا، وقبل منهم التسليم، وأعطاهم الأمان، وتقدم بجيشه لدخول المدينة العظيمة دمشق! ها هي «دمشق» عاصمة الخلافة الأموية تسقط كما سقطت من قبل «بغداد» عاصمة الخلافة العباسية!

سقطت دمشق! واحدة من أعظم مدن الإسلام قاطبة.. ومن أهم ثغور الجهاد.. ومن أرقى دور العلم.

ها هي الجيوش التترية تزحف على دمشق، وتنساب من أبوابها إلى داخلها دون أدنى مقاومة!

أواه يا دمشق!

يا درّة الشام.. ويا قلب العالم الإسلامي!

أين أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة رضى الله عنهم أجمعين، والذين فتحوا هذه المدينة الحصينة منذ أكثر من ستة قرون؟

أين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الذي حكم الدنيا من هذا المكان؟

أين عمر بن عبد العزيز الذي نشر العدل في الأرض من هذه المدينة؟

أين خلفاء بني أمية رحمهم الله الذين فتحوا البلاد الواسعة التي يسقطها التتار الآن؟

أين عماد الدين زنكي ونور الدين محمود رحمهما الله اللذان سطّرا بجهادهما آيات من المجد والعزة والفخار؟

أين صلاح الدين الأيوبي الذي يرقد الآن في مدينة دمشق؟

ها قد مرت الأيام وشاهد المسلمون في دمشق أمورًا ما خطر على الذهن أصلًا أن تحدث.

لقد شاهد المسلمون ثلاثة أمراء من النصارى يتبخترون بخيولهم في مقدمة جيوشهم، وهم يخترقون أبواب دمشق، ويسيحون في شوارع المدينة الإسلامية العظيمة.. لقد كان يتقدم جيوش التتار كتبغا نوين، قائد الجيش التتري، وبصحبته الملك هيثوم النصراني ملك أرمينيا، والأمير بوهيموند النصراني أمير أنطاكية.. ودخلوا جميعًا المدينة المسلمة المجيدة.. وهذه أول مرة يدخل أمراء النصارى مدينة دمشق منذ أن تركها أمراء الجيوش الرومانية أيام هرقل قيصر الروم، وذلك عند الفتح الإسلامي لها في سنة 14 هجرية[6].

ولا حول ولا قوَّة إلا بالله!

وأعطى التتار الأمان فعلًا لأهل دمشق فلم يقتلوا منهم أحدًا اللهم إلا أولئك الذين تحصنوا في قلعة دمشق، فقد حاصرهم التتار حتى أسقطوا القلعة بعد عدة أسابيع وقتلوا كل من فيها.

لقد سقطت دمشق في أواخر صفر سنة (658=1260م)، وذلك بعد سنتين تمامًا من سقوط بغداد.. وهذا زمن قياسي حققه التتار، إذ إنهم اجتاحوا مساحات كبيرة في هذه المناطق، وأسقطوا مدنًا كثيرة في العراق وتركيا وسوريا.. نعم المدن الرئيسية الثلاث هي بغداد وحلب ودمشق، لكن المدن الأخرى -أيضًا- ليست بالمدن الهينة.. كما أن الكثافة السكانية في هذه المناطق كانت عالية جدًّا، لخصوبتها من ناحية، ولقدمها وتاريخها من ناحية ثانية، ولارتفاع مستوى المعيشة والحضارة فيها من ناحية ثالثة.

http://islamstory.com/uploads/image/15.jpg

هبطت معنويات العالم الإسلامي كله إلى الحضيض.. وأصبح معظم المسلمين يوقن باستحالة هزيمة التتار، كما أصبح معظمهم -أيضًا- يدرك أن اللحظات المتبقية في عمر الأُمَّة الإسلامية أصبحت قليلة جدًّا.

وبدأ التتار في إدارة مدينة دمشق بواسطة النصارى.. وذلك بعد أن خربوا أسوارها وقلاعها.. ووضعوا على إدارة المدينة رجلًا تتريًا اسمه «إبل سيان»، وهو -وإن لم يكن نصرانيًّا- إلا أنه كان معظمًا جدًّا للنصارى، ومحابيًا جدًّا لهم، وبدأت المدينة تعيش فترة عجيبة في تاريخها!

وأنقل هنا نص كلام ابن كثير وهو يصف حال دمشق وقت أن تولى حكمها «إبل سيان» التتري، فيقول:

«اجتمع إبل سيان لعنه الله بأساقفة النصارى وقساوستهم، فعظمهم جدًّا، وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة وصولة بسببه، وذهبت طائفة من النصارى إلى هولاكو (في تبريز) وأخذوا معهم هدايا وتحفًا، وقدموا من عنده ومعهم أمان من جهته، ودخلوا من باب توما (أحد أبواب دمشق) ومعهم صليب منصوب.. يحملونه على رءوس الناس، وهم ينادون بشعارهم ويقولون: «ظهر الدين الصحيح دين المسيح»، ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أوانٍ فيها خمر، لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرًا، وقماقم ملآنة خمرًا يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم، ووقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق فمدح دين النصارى، وذم دين الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم إنهم دخلوا الجامع بخمر، فلما وقع ذلك اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء، فدخلوا القلعة يشكون هذه الحال إلى إبل سيان زعيم التتار، فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون»[7].

وهكذا كان الوضع ينذر بكارثة حقيقية.. فقد وقع المسلمون بين شقي الرحى في دمشق.. بين التتار والنصارى.. وبات واضحًا للجميع أن التعاون بين الطائفتين التترية والنصرانية سيكون كبيرًا، خاصة أن رئيس المعسكر التتري في الشام نصراني وهو كتبغا، والنصارى الذين يعيشون في الشام يعرفون كل خباياها، ويدركون كل إمكانياتها.. ولا شك أن تعاونهم مع التتار سيكون ضربة موجعة للمسلمين.
ولنرى ماذا تخبئ الأيام وراءها.

[1] ابن كثير: البداية والنهاية 13/253.
[2] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/508.
[3] ابن الوردي: تاريخ ابن الوردي 2/197.
[4] ابن كثير: البداية والنهاية 13/253، 254.
[5] بسام العسلي: المظفر قطز ومعركة عين جالوت ص116، 117.
[6] بسام العسلي: المظفر قطز ومعركة عين جالوت ص114، 115.
[7] ابن كثير: البداية والنهاية 13/254.


د/راغب السرجاني