المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبو الحسن القلصادي .. الإبداع في الرياضيات


المراقب العام
30-08-2016, 01:09 PM
http://islamstory.com/sites/default/files/styles/300px_node_fullcontent_img/public/16/08/35/qasady.gif

يعد أبو الحسن القلصادي واحد من أشهر علماء الرياضيات الذين ظهروا في العام التاسع الهجري، وممن أظهروا إبداعًا في نظرية الأعداد، وهو أول من دشن واستعمل الإشارات والرموز الجبرية المستعملة في الجبر حتى الآن.

من هو أبو الحسن القلصادي؟
هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي القرشي البسطي القلصادي (815 - 891هـ / 1412 - 1486م) نسبة إلى مدينة قلصادة في الأندلس رياضي اشتهر بعلم الحساب، فرضي، نحوي، فقيه بالمذهب المالكي، ولد في مدينة بسطة (من أعمال جيان تقع شمال شرقيّ غرناطة)، وبها نشأ، وتلقّى علومه الأولى، وتابعها. أخذ القرآن، وأتقنه حفظًا وتجويدًا, ثم تابع علومه الدينية من تفسير وحديث وفقه وفرائض، وفي اللغة العربية ونحوها، وذلك في مجالس شيوخ بلده.

وكان القلصادي صاحب فضل وعلم، اعترف له بذلك علماء عصره المشهورون، حتى إن القاضي أبا عبد الله بن الأزرق سماه بالفقيه وبالأستاذ العالم المتفنن. وقد درس في بادئ الأمر في بسطة على أشهر علمائها، ثم رحل إلى غرناطة، حيث درس كثيرًا من العلوم على أساتذة أجلاء، كان لهم الفضل الأكبر في تثقيفه وإعداده لكي يكون في مصاف الرياضيين الأفذاذ.

رحلات القلصادي العلمية:
ولم يكتف القلصادي بذلك، بل عزم على القيام برحلة علمية إلى مناهل العلم بالمشرق العربي. حيث اجتمع بأعلام الرجال، واستمع لدروس فحول العلماء، فاستفاد كثيرًا وأفاد -فيما بعد- كثيرًا. فبدأ عام 840هـ / 1436م بمدينة وهران الساحلية بالمغرب العربي، ومنها انتقل إلى تلمسان، والتقى بشيوخها وحضر مجالسهم مدة ثمانية أعوام، وقال في صدد ذلك: "أدركت فيها كثيرًا من العلماء والزهاد، وسوق العلم حينئذ نافقة، وتجارة المتعلمين والمعلمين رابحة، فأخذت فيها بالاشتغال بالعلم على أكثر الأعيان والمشهود لهم بالفصاحة والبيان".

ثم تابع طريقه من تلمسان إلى تونس التي كانت حينئذ المركز العلمي الثاني ومنهلًا من مناهل العلم، وظل يأخذ عن علمائها وشيوخها مدة سنتين ونصف، يقول في صدد ذلك: "إن ينابيع العلوم على اختلافها مغدقة، فلا عليك أن ترى مدرسة أو مسجدًا إلا والعلم فيه يُبث ويُنشر".

وفي عام 851هـ / 1447م غادر القلصادي تونس متجهًا إلى مصر عن طريق البحر، وكانت استراحته الأولى في الجامع الأزهر، حيث اجتمع فيها إلى بعض أهل المغرب. ثم كان اجتماعه الأول مع الفقيه العالم أبي الفضل المشذالي البجائي محمد بن محمد، ولم يستقر في القاهرة غير بضعة أشهر، اتجه منها إلى الأراضي المقدسة للقيام بفريضة الحج، حيث اشتغل بمكّة برواية الحديث عن أبي الفتح الحسني المراعي الذي أجازه في أسانيده على كتب الحديث، وفيها أيضًا أنجز تأليف كتاب له بالفرائض يتعلق بـ"شرح فرائض ابن الحاجب".

ومن مكّة عاد إلى القاهرة، ومكث فيها مدّة من الزمن، درس فيها المنطق، وأخذه عن بعض علماء العجم، كما اشتغل أيضًا بدراسة كتب عديدة في التفسير والبلاغة والعلوم العقليّة في مجلس الشيخ العالم السمرقندي شمس الدين محمد الكريمي، كما كان للقلصادي في القاهرة مجلس علم كان يحضره كثيرون من طلبة العلم. قرؤوا عليه وكتبوا عن مصنفاته. كما كان يتابع مجالس شيوخ آخرين ليقرأ عليهم الحساب والفرائض والعلوم العقلية، كما يروي السخاوي في كتابه "الضوء اللامع".

وبعد نحو خمس عشرة سنة عاد القلصادي إلى مسقط رأسه في بسطة، وهو مزود بعلوم أخذها عن علماء الأندلس والمشرق العربي ومشايخهما تجاوز عددهم نحو 33شيخًا عالمًا، لم تطل إقامته في بسطة أكثر من شهور عدة اضطر في نهايتها إلى النزوح عنها بسبب الفتن والاضطرابات السياسية التي ذرّ قرنها في هذه الآونة في الأندلس، وسافر إلى غرناطة حيث تتلمذ عليه كثيرون ونبغ منهم نفر غير قليل كأحمد داود البلوي والإمام السنوسي، إلا أنه التي لم يستقر بغرناطة إذ أحسّ بالأخطار وتفاقمها، فرحل عنها إلى باجة (مدينة تقع في الشمال الغربي من تونس تعرف بباجة القمح) حيث استقر فيها إلى حين وفاته في آواخر القرن التاسع الهجري سنة 891هـ / 1486م ، ودفن بضاحية سيدي فرج.

إبداعات القلصادي ومنجزاته الرياضية:
وأبو الحسن القلصادي هو أول من دشن واستعمل الإشارات والرموز الجبرية المستعملة في الجبر حتى الآن. حيث يعُده بعض علماء الرياضيات الغربيين من أوائل العلماء العرب الذين استخدموا الرموز الجبرية التي ورد ذكرها في كتابه "كشف الأسرار"، يقول فلورين كاجورى Cajori في كتابه (مختصر تاريخ الرياضيات): "اشتغل القلصادي بالحساب وألف فيه تآليف نفيسة وأبدع في نظرية الأعداد وله في ذلك ابتكارات، كما له بحوث في الجبر جليلة ومؤلفه (كشف الأسرار عن علم الغبار)، أول كتاب أثبت للأوروبيين، بأن الإشارات الجبرية كانت مستعملة عند علماء الرياضيات المسلمين".

فرمز كما يقول الرياضي كاجوري Cajori:

لعلامة الجذر بالحرف الأول من كلمة جذر (جـ)

وللمجهول بالحرف الأول من كلمة شيء (ش) يعني (س)

ولمربع المجهول بالحرف الأول من كلمة مال (م) يعني (س2)

ولمكعب المجهول بالحرف الأول من كلمة كعب (ك) يعني (س3)

ولعلامة المساواة بالحرف (ل)

وللنسبة بثلاث نقط (...)

ونقل "ووبكة" في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد الإشارات الجبرية المستعملة عند العرب من نسخة خطية موجودة عند (ره نو) المستشرق الشهير وترجم أيضًا إلى الفرنسية النسخة المذكورة، وأدرجها في نسخة سنة 1895م من مجموعته. وقد اكتُشف أن أحد الرياضيين الغربيين وهو فرانسوا فيته (ت 1603م) الذي اشتهر بعلم المثلثات والهندسة والجبر، قد أخذ رموز القلصادي في مبدأ استعمال الرموز في الغرب ونسبها لنفسه.

يقول قدري طوقان في كتابه (تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك): "وقد أعطى القلصادي قيمة تقريبية للجذر التربيعي" لكمية (س2 +ص)، والقيمة التقريبية هي: (4س3+3س ص/4س2+ص)

ثم يسترسل طوقان، ويقول: ويعتقد (غنتر Gunter) الرياضي أن هذه العملية أبانت طريقة لبيان الجذور الصم بكسور متسلسلة استعملها (ليونارد أوف بيزا Leonard of Pisa) و(تارتاغليا Tartaglia) وغيرهما القانون العربي الموجود في كتب (ابن البناء والقلصادي) في استخراج القيم التقريبية للجذور الصم. كما جاء ذلك في كتاب القلصادي "كشف الأسرار عن علم حروف الغبار؛ أي الحساب".

مؤلفات القلصادي:
بلغت مؤلفات القلصادي: 13كتابًا في الحساب والنجوم والفلك، و16كتابًا في الحديث والفرائض والفقه والعروض والمنطق والحديث والسياسة.

كشف الجلباب عن علم الحساب:
من مؤلفاته في الحساب والمنطق كتاب "كشف الجلباب عن علم الحساب"، انتهى من تأليفه عام 849هـ / 1445م، مرتب في أربعة أجزاء، له نسخ خطية في دار الكتب المصرية بالقاهرة ودار البلدية بالإسكندريّة، والمكتبة الوطنية بباريس.

كشف الأسرار عن علم حروف الغبار:
وكتاب "كشف الأسرار عن علم حروف الغبار" أي الحساب، رتبه في مقدمة وأربعة أجزاء وفاتحه، صنفه عام 875هـ / 1470م في غرناطة. اختصر فيه القلصادي كتابه "كشف الجلباب". طبع الكتاب في مدينة فاس بالمغرب عام 1315هـ / 1897م، ثم طبع بمصر عام 1309هـ / 1891م. نسخه الخطية في: المكتبة الظاهرية بدمشق وفي دار الكتب القطرية والإسكندرية، ودار الكتب المصرية بالقاهرة بعنوان "كشف الأسرار عن وضع حروف الغبار"، وفي مكتبات تركيا وبيروت والموصل والجزائر والرباط وسلا بالمغرب وباريس والأسكوريال بإسبانيا.

ويقول كاجوري في كتابه (مختصر تاريخ الرياضيات): "لقد أرسل إلينا كتاب كشف الأسرار محمود داود من أعيان تطوان في المغرب، وفهمت من بعض الإخوان المراكشيين أن هذا الكتاب (كشف الأسرار) لايزال يستعمل في كثير من مدارس المغرب، أما محتوياته فهي كما يلي: المقدمة وتبحث في وضع حروف الغبار وما يتعلق بها. والجزء الأول ثمانية أبواب ويبحث في العدد الصحيح، الباب الأول في الجمع، الثاني في الطرح، الثالث في الضرب، والرابع في القسمة، الخامس في حل الأعداد، السادس في التسمية، والسابع في قسمة المحاصات، والثامن في الاختبار. والجزء الثاني فيه مقدمة وثمانية أبواب ويبحث في الكسور، فالمقدمة تبحث في أسماء الكسور ومايتعلق بذلك، والباب الأول في جمع الكسور، الثاني في طرحها، الثالث في ضربها،، الرابع في قسمتها، الخامس في تسميته، السادس في جبرها، السابع في خطها، والثامن في الصرف. والجزء الثالث يبحث في الجذور، وهو مقدمة وثمانية أبواب، فالمقدمة تبحث في معنى كلمة جذر، والباب الأول في أخذ جذر العدد الصحيح المجذور، الباب الثاني في أخذ جذر العدد غير المجذور وبالتقريب، الثالث في تدقيق التقريب، الرابع في تجذير الكسور، الخامس في جمع الجذور، السادس في ضرب الجذور، السابع في قسمة الجذور وتسميتها، والثامن في ذي الاسمين. والجزء الرابع يبحث في استخراج المجهولات وهو ثمانية أبواب، الباب الأول يبحث في الأعداد المتناسبة، الثاني في العمل في الكفات، الثالث في الجبر والمقابلة، الرابع في الضرب والمركبات، والخامس في الجمع من علم الجبر والمقابلة، والسادس في الطرح، والسابع في الضرب، والثامن في القسمة من علم الجبر والمقابلة، وأخيرًا الخاتمة وهي أربعة فصول".

كتب أخرى:
له وكتاب "تبصرة المبتدى بالقلم الهندي" نسخه الخطيّة في مكتبات جامعة أم القرى بمكة بعنوان "بغية المبتدى بالقلم الهندي"، وفي اسطنبول ورامبور بالهند. وكتاب "قانون الحساب وغنية ذوي الألباب" نسخه الخطيّة في جامعة أم القرى بمكة وفي مكتبة برلين. و"شرح أرجوزة ابن الياسمين عبد الله بن محمد بن محمد بن الحسن" مطبوع. و"تحفة الناشئين على أرجوزة ابن الياسمين" نسخه الخطية بسلا بالمغرب. وشرحان لكتاب "تلخيص الحساب" لابن البناء أحمد بن محمد؛ وفيه أضاف للشرح الكبير خاتمة ذكر فيها تشكيل الأعداد التامة والناقصة والزائدة والمتحابة، وشرح رجز ابن إسحاق في النجوم.

ومن مؤلفاته في الفرائض، والمنطق والسياسة ورحلته العلمية: "كتاب إرشاد المتعلّم وتنبيه المعلّم" في الفرائض؛ صنفه في رمضان عام 880هـ، و"كليات الفرائض"، و"شرح التلمسانية" في الفرائض، و"شرح لب الأزهار" في الفرائض، وكتاب "بغية المبتدي وغنية المنتهي في حساب الفرائض"، وكتاب "أشرف المسالك إلى مذهب ابن مالك"، وكتاب "شرح إيسا غوجي" في المنطق، وكتاب "النصيحة في السياسة العامة والخاصة".

تمهيد الطالب ومنتهى الراغب إلى أعلى المنازل والمناقب:
وكتاب "تمهيد الطالب ومنتهى الراغب إلى أعلى المنازل والمناقب" وهو رحلة القلصادي العلمية في بلاد المشرق العربي والبلاد التي زارها، وأخذ علومه عن مشايخها وفي مجالس علمائها. اتبع في كتابتها أسلوب الإيجاز دون الاسترسال في الوصف لما يرى ويشاهد. وتركيزه كان على دراساته وما أخذه عن علماء المدن التي زارها والذين اتصل بهم، وتقدير أهميتهم العلمية سواء في الرياضيات أو علوم الفرائض والحديث والفقه، وكانت تراجمه لهؤلاء العلماء مصادر اقتبس منها بعض الذين ألّفوا في التراجم وسير العلماء، كان في طليعتهم المُقَّري الذي أخذ عن القلصادي أخبار هؤلاء العلماء، وسجلها في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" كما اقتبس منها صاحب "نيل الابتهاج بتطريز الديباج".

كما أخذ عنه محمد المديوني ابن مريم صاحب "كتاب البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان"؛ ومحمد بن مخلوف صاحب كتاب "شجرة النور الزكية في طبقات المالكية". ولهذا كانت هذه الرحلة وثيقة مهمة تُعبر عن ملامح عصر القلصادي العلمي والثقافي والتربويّ والجغرافي والتاريخي. حقق هذه الرحلة المهمة محمد أبو الأجفان، وأصدرتها الشركة التونسية للتوزيع عام 1978م.

مما سبق يتبيَّن لنا أن القلصادي يعتبر آخر المؤلفين الكبار في بلاد المغرب والأندلس، بما قدَّمه من إسهام في تطور الرياضيات، وخاصة علم الحساب وعلم الجبر، فقد أسدى للإنسانية خدمة جليلة بتطويره علم الجبر، ذلك التطوير الذي ظل ممتدًا منذ عصره وحتى العصر الحديث، وليس أدل على ذلك من أن مؤلفاته في الحساب والجبر، وبخاصة كتابه "كشف الأسرار عن علم الغبار" ظلت معينًا ينهل منه طلاب العلم في الغرب حتى القرن العشرين.

المصادر:
- صالح زكي: آثار باقية، إسطنبول 1329هـ.
- زهير حميدان: القلصادي، الموسوعة العربية العالمية.
- قدري طوقان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2008م.
- القلصادي .. إبداع في نظرية الأعداد، موقع الخليج.