المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بغداد بين سقوطين


المراقب العام
15-09-2016, 04:05 AM
http://islamstory.com/sites/default/files/styles/300px_node_fullcontent_img/public/16/07/29/25.gif

ما أشبه الليلة بالبارحة!

ما أشبه سقوط بغداد تحت أقدام أمريكا بسقوط بغداد تحت أقدام التتار!

ما أشبه مسلمي اليوم بالمسلمين أيام التتار!

وما أشبه حكام المسلمين اليوم بحكام المسلمين أيام التتار!

وما أشبه الأميركان بالتتار!

وما أشبه حلفاء الأميركان بحلفاء التتار!

صورة متكررة في التاريخ بشكل عجيب!

لقد ظهر الأميركان فجأة على مسرح الأحداث كما ظهر التتار تمامًا.. أمة بلا تاريخ.. قامت على السلب والنهب.. قتل الأميركان عشرات.. بل مئات الألوف من الهنود الحمر لكي يقيموا لهم دولة.. نهبوا ثروات غيرهم وأقاموا ما يسمونه «حضارتهم» على أشلاء وجماجم سكان البلاد الأصليين.

ومرت الأيام وصاروا «قطبًا أوحد» في الأرض تمامًا كما كان التتار.. ولم يقبلوا الآخر قط.. ورسخوا الظلم والبطش والقهر في الأرض مع ادعائهم المستمر أنهم ما جاءوا إلا لنشر العدل والحرية والأمان للشعوب.

ما أشبه طاولة مفاوضات الأميركان بطاولة مفاوضات التتار! عهود ولا ضمير.. مواثيق ولا أمان.. كلمات جوفاء تطلق في الهواء لتسكين الشعوب إلى أجل.. ولخداع البشر إلى حين.. والعزم مبيت على نقض العهود.. والنية معقودة على الطعن من الظهر.

لقد دخل الأميركان بلاد المسلمين بحجج واهية تمامًا كما دخل التتار بحجج واهية.

ما احتاجوا إلى دليل دامغ أو إلى حجة ساطعة.. بل هي أوهام في أوهام.. وادعاءات في ادعاءات.. فتارة هم يحاربون الإرهاب.. وتارة يرسخون الديمقراطية.. وتارة يحررون الشعوب.. وتارة يبحثون عن أسلحة الدمار الشامل!

ليس المهم أي سبب سيدخلون من ورائه، ولكن المهم أنهم حتمًا سيدخلون.

لقد حارب الأميركان في بلاد المسلمين حروبًا كحروب التتار.. حروبًا بلا قلب.. لا تفرق بين مدني ومحارب.. ولا بين رجل وامرأة.. ولا بين طفل أو شاب أو شيخ كبير.. واستولى الأميركان على ثروات المسلمين تمامًا كما فعل التتار.. وإلا فما الفارق بين البترول وبين الذهب والفضة؟! وما الفارق بين تغير المناهج وتبديلها وتزييفها وبين إغراق مكتبة بغداد؟!

طمس لكل ما هو إسلامي.. وروح همجية لا تقبل الحضارة.

وسبحان الله.. كأن الله عز وجل أراد أن يطابق الأميركان أفعال التتار فجعل خطواتهم في إسقاط بغداد شديدة الشبه بخطوات التتار.

فكما تمركز التتار في أفغانستان أولاً قبل إسقاط بغداد.. تمركز الأميركان كذلك في أفغانستان عن طريق الاحتلال وإسقاط نظام طالبان قبل إسقاط بغداد! وسعوا إلى إقامة قواعد لهم في أوزبكستان وباكستان.. كما فعل التتار ذلك تمامًا قبل عدّة قرون! {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}[الذاريات: 53].

وكما كان إعداد التتار العسكري باهرًا وقويًّا كذلك كان إعداد الأميركان.. فهم لم يبخلوا على حربهم بالمال ولا بالسلاح ولا بالفكر.. أساطيل مهولة.. وأسلحة حديثة.. واستعدادات وتدريبات وحصار وخطط.

وكما عقد التتار أحلافهم عقد الأميركان أحلافهم كذلك.

وإذا كان منكوخان خاقان التتار أيام سقوط بغداد يقسّم العالم إلى دول «مارقة» أي: معادية.. ودول «صديقة» أي: تابعة، فكذلك فعل خاقان أميركا «جورج بوش[1]!».. بمنطق السيد الذي يسوس عبيده لا الحليف الذي يعاهد ويفاوض.

وكما تحالف التتار مع الصليبيين على حرب المسلمين مع اختلاف أيديولوجياتهم وسياساتهم وتوجهاتهم وإستراتيجياتهم.. كذلك تحالف الأميركان مع اليهود مع شدة العداء بين النصارى واليهود.. وتعاون الأميركان مع الروس على الرغم من التاريخ الأسود الذي يجمع بين البلدين.. وجلس الأميركان على طاولة المفاوضات مع الصين مع توجس كل طرف من الآخر.

وكما كون التتار قوات التحالف وتحالفوا مع دول نصرانية ضعيفة -مقارنة بهم- كأرمينيا والكُرْج.. فعل ذلك الأميركان وتحالفوا مع إنجلترا وإسبانيا وغيرهما مع ضعف هذه الدول بالنسبة إلى أميركا! واستفادوا من هذه الدول كما استفاد التتار من أرمينيا: فإنجلترا -مثلًا- صاحبة خبرة بعيدة في بلاد المسلمين، ولها معهم تاريخ طويل، كما أنها ستتولى السيطرة على مناطق قد يكون بها خطورة شديدة على الأميركان فلا مانع من دفع الإنجليز إلى هذه المناطق في مقابل الفتات، وفي مقابل السماح لهم بالعيش إلى جوار الأميركان.

وكما تعاهد التتار مع بعض أمراء المسلمين.. فعل الأميركان الشيء نفسه.. وتحالفوا مع بعض الأمراء المسلمين.. أو مع كثير من الأمراء المسلمين.. وكما تحالف بدر الدين لؤلؤ زعيم الأكراد في شمال العراق مع التتار كذلك تحالف أكراد الشمال العراقي مع الأميركان، وكما فتح كيكاوس الثاني وقلج أرسلان الرابع المجال الأرض التركي لقوات التتار فعل كذلك الأتراك الآن.. وكما اخترقت الجيوش التترية أراضي المسلمين دون مقاومة لتصل إلى العراق كذلك اخترقت جيوش الأميركان أراضي المسلمين الآن ليس فقط من دون مقاومة ولكن بترحيب عالٍ، وباستقبال حافل.

حقًّا.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

فكما فكر التتار في التعاون مع الشيعة في العراق فكر الأميركان كذلك.

وكما استغل التتار بعض المنافقين من المسلمين لبث الحرب الإعلامية التي تحط من نفسيات المسلمين، وتُلقي الرعب في قلوبهم قام الأميركان بالشيء نفسه حتى رأينا الصحف القومية في البلاد الإسلامية تتحدث عن تدريبات الأميركان وتسليحاتهم وإمكانياتهم، وتوسع الفجوة جدًّا بين أميركا والمسلمين، وتحبط المسلمين من أي إمكانية للمقاومة.

وكما عمد هولاكو إلى توصية مؤيد الدين العلقمي الشيعي أن يقوم بإنقاص أعداد الجيوش الإسلامية كذلك فعل الأميركان مع كثير من بلاد المسلمين فوضعوا عليها قيودًا في التسليح وفي أعداد الجنود وفي التدريبات.

وكما حوصرت بغداد من التتار حوصرت من الأميركان، وكما قُصفت بغداد من التتار قُصفت من الأميركان كذلك، وكما انهارت أسوارها تحت قذائف التتار انهارت كذلك تحت قذائف الأميركان.

وكما طلب التتار تسليم المجاهدين فعل ذلك الأميركان.

وكما طلب التتار تدمير الأسلحة فعل ذلك الأميركان.

وكما هرب المستعصم بالله من الموقف ورضي بالهوان كذلك فعل صدام حسين.

وكما قُتل ولدا المستعصم قبل أن يُقبض عليه قُتل ولدا صدام قبل أن يُقبض عليه!

وكما خالف التتار عهودهم بالأمان قبل دخول بغداد كذلك خالف الأميركان.

وكما دخل التتار البلاد لكي لا يخرجوا منها.. دخل كذلك الأميركان العراق لكي لا يخرجوا منها.

تطابق مذهل بين التاريخ والواقع!

لكن كل هذا الشبه بين التتار والأميركان لا يخيفني ولا يرهبني.. فملة الكفر واحدة.. وحال الكفار يتشابه في كل الأزمان، إن ما يخيفني ويرهبني حقًّا هو تشابه واقع المسلمين اليوم مع واقعهم أيام التتار.. فنحن لا نهزم أبدًا لقوة الكفار سواء كانوا من التتار أو الفرس أو الروم أو الروس أو الأميركان أو غيرهم.. إنما نهزم لضعفنا نحن.. لقد افتقر المسلمون أيام التتار لكل مقومات النصر فكان لا بُدَّ من الهزيمة والذل والهوان.. وكذلك افتقر المسلمون في زماننا إلى نفس مقومات النصر فكانت النتيجة هي العربدة الأميركية والروسية والهندوسية واليهودية والصربية في أراضي المسلمين.

الأمراض الأخلاقية التي تفشت في الأُمَّة الإسلامية وكانت سببًا في هذا الانهيار أيام التتار هي الأمراض الأخلاقية نفسها التي تتفشى في أمتنا اليوم.

لا بد أن يقف المسلمون وقفة صادقة مع أنفسهم يفتشون عن أدوائهم الخطيرة.. لماذا يفعل أهل الأرض بنا ما يشاءون ونحن نزيد على المليار؟.. لماذا لا يأبه بنا أهل الشرق أو أهل الغرب؟ لماذا نزع الله سبحانه المهابة منا من قلوب أعدائنا، ولماذا ألقى في قلوبنا الوهن والضعف والخور؟

فلنراجع التاريخ.. ولنرجع إلى الواقع.

ومع كل التطابقات السابقة بين السقوطين القديم والحديث فإن هناك فارقًا مهمًّا جدًّا بين القصتين، وهذا الفارق يبعث الأمل الكبير في النفوس، وينفي عنها الإحباط المقيت..

وهذا الفارق هو:

المقاومة!

لقد شاهدنا مقاومة ضارية من الشعب العراقي بعد انهيار الجيش، خاصةً في المثلث السني، وشاهدنا ضحايا من المغتصب الأميركي، وشاهدنا فشلًا أميركيًّا في اختراق صفوف المقاومة، وشاهدنا تعاطفًا من العالم الإسلامي مع المجاهدين العراقيين، وشاهدنا قلقًا أميركيًّا واضحًا سواء في القيادة أو في المعارضة أو في الشعب أو في الجنود، حتى وصل إلى الانتحار في صفوف المقاتلين الأميركان!

كل هذه المشاهدات لم نرها في القصة القديمة، مما يعطي انطباعًا أن وضعنا الآن أفضل، وأن حالتنا لم تصل إلى الحال المتردية التي كانت عليها الأمة أيام التتار، وكل هذا يبعث الأمل في النفوس، ويقوي العزيمة على القيام من جديد، ونصر الله لهذه الأمة آتٍ لا محالة مهما طال الزمان، ومهما تعقدت الظروف، وإذا كانت الأمة قد استطاعت الخروج من أزمتها الطاحنة أيام التتار -كما سيأتي معنا- فنحن -إن شاء الله- على الخروج من أزمتنا أقدر، والله الذي أخرج قطز من بين صفوف المؤمنين قادر على إخراج أمثاله من بين صفوفنا، {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 88]!

فستذكرون ما أقول وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

[1] جورج بوش الابن: جورج واكر (دبيلو) بوش (بالإنجليزية: George W. Bush)؛ (6 من يوليو 1946م)، رئيس الولايات المتحدة الثالث والأربعون؛ وذلك من 20 من يناير 2001 إلى 20 من يناير 2009م، كان حاكماً لولاية تكساس قبل توليه رئاسة الدولة، وذلك من 1995 إلى 2000م، وقد انتخب رئيسًا بعد انتخابات أتت نتيجتها متقاربة مع منافسه الديمقراطي آل جور، وفي عام 2004م أعيد انتخابه للمرة الثانية لمدة أربع سنوات بعد تغلبه على مرشح الحزب الديمقراطي جون كيري.


د.راغب السرجاني