المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قطز وإنهاء الأزمة الاقتصادية


المراقب العام
26-09-2016, 11:47 PM
http://islamstory.com/sites/default/files/styles/300px_node_fullcontent_img/public/16/08/31/38.gif

بعد قتل رُسل هولاكو، وبعد قرار الجهاد الصعب.. بدأ قطز في التجهيز السريع للجيش، فقد اقتربت جدًّا لحظة المواجهة.

لكن واجهت قطز مشكلة أخرى ضخمة لا تقل عن المشكلات التي قابلها قبل ذلك.. ولاحِظوا أن قطز قد تولّى عرش مصر في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 هجرية، وجاءته رسالة هولاكو قبل أن يغادر هولاكو أرض الشام عائدًا إلى منغوليا بعد وفاة زعيم التتار منكوخان، وهولاكو غادر الشام بعد سقوط حلب بقليل، وقبل فتح دمشق، وحلب سقطت في صفر (658هـ=1260م)، ودمشق سقطت في ربيع الأول سنة 658 هجرية.. أي بعد تولّي قطز لرئاسة مصر بثلاثة أشهر فقط.

إذن كل الترتيبات والخطوات التي أخذها قطز أُخذت في ثلاثة أشهر فقط، والمشكلات التي قابلها تحتاج فعلاً إلى سنوات - بل إلى عقود كاملة - حتى يتم حلها على الوجه الأمثل.. لكنه استعان بالله، وبدأ بحمية ونشاط يتعامل مع المشكلة تلو الأخرى، والهدف في ذهنه واضح جدًّا:

«لابدّ من القضاء على هذه القوَّة الهمجية.. قوَّة التتار، وتحرير بلاد المسلمين».

المشكلة الاقتصادية:
المشكلة الجديدة التي أمام قطز الآن هي: «المشكلة الاقتصادية!».

لا بدّ من تجهيز الجيش المسلم، وإعداد التموين اللازم له، وإصلاح الجسور والقلاع والحصون، وإعداد العدة اللازمة للحرب، وتخزين ما يكفي للشعب في حال الحصار.. هذه أمور ضخمة جدًّا.. والأزمة الاقتصادية التي تمر بالبلاد أزمة طاحنة، وليس هناك وقت لخطة خمسية أو عشرية.. والتتار على الأبواب.. لقد كان التتار في غزة!

ماذا يفعل قطز ؟!

من جديد جمع قطز مجلسه الاستشاري، ودعا إليه -إلى جانب الأمراء والقادة- العلماء والفقهاء، وعلى رأسهم سلطان العلماء الشيخ العزّ بن عبد السلام. وبدءوا يفكرون في حلٍّ للأزمة الاقتصادية الطاحنة، وكيف يوفرون الدعم الكافي لتجهيز الجيش الكبير الخارج لملاقاة التتار.

فرض الضرائب:
اقترح قطز أن تفرض على الناس ضرائب لدعم الجيش، وهذا قرار يحتاج إلى فتوى شرعية؛ لأن المسلمين في دولة الإسلام لا يدفعون سوى الزكاة، ولا يدفعها إلا القادر عليها، وبشروط الزكاة المعروفة، أما فرض الضرائب فوق الزكاة فهذا لا يكون إلا في ظروف خاصة جدًّا، ومؤقتة جدًّا، ولابدّ من وجود سند شرعي يبيح ذلك.. وإلا صارت الضرائب مكوسًا، وفارض الضرائب بغير حق عقابه أليم عند الله عز وجل.

فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ»[1].

ولما زنت المرأة الغامدية -وكانت متزوجة- فرجمت بالحجارة بعد أن اعترفت بالزنا؛ لتطهر نفسها من الذنب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعظم من شأن توبتها: «.. فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»[2].

وفي هذا تقبيح شديد لعملية فرض الضرائب إن فرضت في غير حق، وصرفت في غير حق.

يقول الإمام النووي تعليقًا على هذا الحديث: «إن المكس من أقبح المعاصي، ومن الذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها»[3].

فقطز يقترح الأمر، وينتظر رأي العلماء في هذه القضية.

ومع أن الغاية نبيلة، والمال المطلوب سوف يجهّز به جيش للقتال في سبيل الله، فإن الشيخ العزّ بن عبد السلام كان عنده تحفظ كبير على هذا القرار، فلم يوافق عليه إلا بشرطين.. والشرطان عسيران جدًّا!

فتوى في منتهى الجرأة!
قال الشيخ العزّ بن عبد السلام: «إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم (أي العالم الإسلامي)، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم (أي فوق الزكاة) بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء» هذا هو الشرط الأول، أما الشرط الثاني فكان أصعب! قال الشيخ: «وأن تبيعوا مالكم من الممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء ما يمتلكون(، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة، فلا!».

هكذا أعلنها العز بن عبد السلام: إنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بعد أن يتساوى الوزراء والأمراء مع العامة في الممتلكات، ويجهز الجيش بأموال الأمراء والوزراء، فإن لم تكفِ هذه الأموال جاز هنا فرض الضرائب على الشعب بالقدر الذي يكفي لتجهيز الجيش، وليس أكثر من ذلك.

كنوز مصرية:
إن كانت هذه الفتوى عجيبة في جرأتها، فإن استجابة قطز كانت أعجب!

لقد قبل قطز كلام الشيخ العز بن عبد السلام بيسر! وبدأ بنفسه، فباع كل ما يملك، وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك! فانصاع الجميع[4]، وتم تجهيز الجيش المسلم بالطريقة الشرعية.. واكتشف المسلمون في مصر اكتشافًا عجيبًا.. لقد اكتشفوا أن مصر غنية جدًّا، وأن البلد به أموال ضخمة على الرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة، فقد امتلأت جيوب كثير من الوزراء والأمراء بأموال البلد الهائلة.. وأصبحت ثروات بعضهم تساوي ميزانيات بعض الدول.. لقد كانت ثروات بعضهم تكفي لسداد الديون المتراكمة على البلد.. وكانت ثروات بعضهم تكفي لسد حاجة الفقراء والمساكين.. وتكفي لإصلاح الوضع الاقتصادي.

وللأسف الشديد فإن كثيرًا من هذه الأموال قد دخلت جيوب الأمراء والوزراء بطرق غير مشروعة، وبغير وجه حق؛ فهذا يختلس، وهذا يرتشي، وهذا يظلم، وهذا يأخذ نسبة، وهذا ينفق في سفه، وهذا يعطي من لا يستحق... وهكذا بُددت أموال الدولة العظيمة مصر! وأصبحت مصر دولة فقيرة نامية بينما إمكانياتها تسمح لها بأن تكون من دول الصدارة!

ثم جاء قطز وبدأ في عملية تنظيف منظمة للبلد! تنظيف لليد والقلب.

أخيرًا اصطلح القائد مع شعبه بعد سنوات من القطيعة بين الحكام والشعوب.. فكانت النتيجة تجهيز جيش عظيم مهيب.. غايته نبيلة.. وأمواله حلال.. ودعاء الناس له مستفيض.. وإعداده جيد.

كيف لا يُنصر جيش مثل هذا؟!

إن معادلة النصر في الإسلام ليست صعبة.

المعادلة تقول: {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد: 7].

ونصر الله عز وجل لا يكون إلا بتطبيق شرعه، والجيش المسلم الذي يخالف قاعدة شرعية لا يمكن أن ينصره الله عز وجل.. فالبداية بيد المسلمين.. انصر الله عز وجل ينصرك الله عز وجل.

وهكذا.. جُهّز الجيش المصري المسلم، وأعد إعدادًا عظيمًا، وما بقي إلا أن تشتعل المعركة، وهذا ما نفصل القول فيه في المقالات القادمة بإذن الله.

[1] أبو داود كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في الساعية في الصدقة (2937)، وقال الشيخ الألباني حديث ضعيف.
[2] مسلم كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (1695)..
[3] النووي شرح صحيح مسلم 11/203.
[4] ابن تغري بردي النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 7/72، 73.



د.راغب السرجاني