المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يقظة شعب


المراقب العام
13-10-2016, 12:01 AM
http://islamstory.com/sites/default/files/styles/300px_node_fullcontent_img/public/16/10/40/sha3b.gif

بدأ المسلمون يشعرون هنا وهناك بأن الأمل ما زال موجودًا، وأن الواقع الأليم من الممكن أن يُغَيَّر، وشعروا في الوقت نفسه أن مودودًا يُقاتل بمفرده، وأن الجيوش المتعاونة معه ليست على نفس مستواه، فأراد المخلصون من أبناء الأُمَّة للحركة أن تتسارع، وللحميَّة أن تلتهب في صدور الرجال.

يقظة شعب:
قام وفد من أهل حلب، من تجارها وفقهائها وعامَّتها، وتوجَّهُوا إلى بغداد، فقد يئسوا من زعيمهم المتثاقل رضوان، وهناك التقوا مع خليفة المسلمين المستظهر بالله، ولكنه -كما نعلم- ليس خليفة بالمعنى الحقيقي، إنما هو صورة خليفة؛ ولذلك لم يكن لقدوم وفد حلب إليه أثر في قلبه أو عقله، إنما اكتفى كعادته بسؤالهم عن أحوالهم وظروفهم، وإبداء الألم والتأسِّي لما مرَّ بهم، ووعدهم بالتأييد الكامل لهم قلبيًّا لا فعليًّا! ووعد -أيضًا- أن يرفع يده بالدعاء لله أن يرفع الكربة ويُزيل الغمَّة[1]!

إن الصورة طبيعية، وردَّ الفعل متوقَّعٌ من رجل مسكين لا حيلة له، لكنَّ أهل حلب لم يقتنعوا بهذه السخافات، إنما انطلقوا إلى أهل بغداد؛ يشرحون لهذا، ويُفَسِّرُون لذاك، ويعرضون الحالة المأساوية التي وصلت إليها أُمَّة الإسلام، ويُنَبِّهون الغافل أن الدور -وإن كانت الشام هي التي تعاني الآن- سيأتي مستقبلاً لا محالة على الجميع!

والحمد لله أن هذه الكلمات وجدت آذانًا مصغية من أهل بغداد، ووجدت -أيضًا- عقولاً فاهمة، وقلوبًا واعية، وكان من الواضح أن أثر المدارس النظامية التي أسَّسها نظام الملك :، وأثر العلماء الذين ملئوا بغداد علمًا ونورًا، كان كبيرًا وما زال باقيًا؛ ومن ثَمَّ كانت ردَّة الفعل عند الشعب كبيرة، بل غير مألوفة في هذا الزمن! لقد نظَّم الشعب في بغداد -وهو شعب كبير- مظاهرةً ضخمة خرجت في أحد أيام الجمعة من النصف الثاني من عام (504هـ=1111م)، وكانت هذه المظاهرة تُطالب صراحة بالجهاد في سبيل الله لإخراج الصليبيين من ديار الإسلام، وتوجَّهت المظاهرة إلى مسجد السلطان قبيل الجمعة، واقتحمت الجموع المسجد، بل وذهبوا إلى المنبر في غضب بالغ، وقاموا بكسره، والتجمهر في المنطقة، وتكهرب الجو جدًّا حتى إن صلاة الجمعة لم تُقَمْ في هذا المسجد! ووصلت الأنباء إلى السلطان محمد فوعد الجموع بالجهاد لتسكين ثائرتهم، والسيطرة على الموقف، لكن مرَّ أسبوع ولم يحدث شيء، فتحرَّكت الجموع من جديد في يوم الجمعة التالي، وذهبوا هذه المرَّة إلى جامع القصر بدار الخلافة، فمنعهم حراس الباب، فاصطدموا معهم وغلبوهم، ودخلوا الجامع، وكسروا شباك المقصورة التي يجلس فيها الخليفة، وكسروا -أيضًا- المنبر، وهكذا لم تُقَمْ صلاة الجمعة في هذا المسجد كما حدث في مسجد السلطان في الجمعة الماضية، وصار واضحًا أن الأمر خطيرٌ، وأن التهاون في ذلك الأمر قد يُؤَدِّي إلى كوارث ضخمة، وهنا كان لا بُدَّ للخليفة والسلطان أن يَتَّخِذَا قرارًا حاسمًا يُنهي المشكلة؛ ولم يكن أمامهما إلاَّ أحد أمرين: إمَّا موافقة العامَّة، وتجهيز جيوش حقيقية لمقابلة الصليبيين في موقعة فاصلة، وإما استخدام سلاح القمع مع الشعب، والتهديد بالحبس والجلد والقتل، وما إلى ذلك من وسائل معروفة!

لكن من الواضح أن الثورة كانت كبيرة، وأن الشعب كان متحدًا على هدف واحد، وأن الخطوات كانت منظَّمة ومرتَّبة؛ وكل هذا جعل الخليفة والسلطان يُعيدان حساباتهما؛ ومن ثَمَّ رضخا لقرار الشعب، وبدءا بالفعل في تجهيز جيش كبير لقتال الصليبيين، بل إن السلطان محمد جعل القيادة الاسمية لهذا الجيش لابنه مسعود، بينما أوكل القيادة الفعلية للمجاهد الحقيقي مودود بن التونتكين[2]!

لقد كان موقف الشعب في بغداد من المواقف المؤثِّرة في التاريخ، وإذا سألنا: لماذا لم يقم الشعب في حلب أو دمشق أو حماة أو حمص بمثل هذه المظاهرات والثورات؟ لقلنا: إن الإجابة بوضوح هي أن الشعب في بغداد رُبِّي على مدار سنوات عديدة على المعاني الفاضلة من العلم والجهاد والنخوة، وشارك في هذا علماء كُثُر، لعلَّ كثيرًا منهم قد قضى نحبه في ذلك الوقت، ولم يشاهد هذه الآثار؛ ومما يُثبت هذا السبب ما ذكره ابن الأثير في كتابه الرائع الكامل في التاريخ أن هذه الثورات في بغداد كانت بصحبة «خلق كثير» من الفقهاء[3]!

إن المسألة واضحة بينة!

إنهم العلماء!!
لو صلح علماء الأُمَّة صلح أمرها، ولو فسدوا فكيف نرجو صلاحًا؟! ولهذا ليس من فراغٍ أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ»[4]. وليس من فراغٍ أن يقول: «إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»[5].

تمثيلية الاتحاد!
وهكذا في أوائل سنة (505هـ=1111م) بدأ تجميع الجيوش الإسلامية على نطاق أوسع، وكان مركز التجمُّع هو مدينة الموصل، حيث الزعيم المجاهد مودود بن التونتكين، وحيث الشعب الفاهم الذي يُمَثِّل عماد الجيوش ومركز ثقله.

وجاءت الجيوش من هنا وهناك، فخرج الأمير مسعود من بغداد، وخرج -أيضًا- سقمان القطبي من خِلاط وتبريز (جنوب تركيا وغرب إيران)، وإياز بن إيلغازي بن أُرْتُق من مَارِدِين، والأمير الكردي أحمديل أمير مَرَاغَة (في أَذْرَبِيجَان)، والأمير بُرْسُق أمير همذان وأولاده الأميران إيلبكي وزنكي، وأبو الهيجاء أمير إربل[6] .

لقد كان تجمُّعًا كبيرًا حقًّا! ولكننا تعلَّمْنَا أن العبرة ليست بالأعداد، ولكن بالنوعيَّة، وفي كل هؤلاء لم نكن نرى فيهم مَنْ فهم القضية بعمق، وبذل فيها بصدق، إلا مودودًا ومَنْ معه من أهل الموصل، أما غيرهم من الأمراء فإنهم جاءوا طائعين لأمر السلطان محمد لا طائعين لأمر الله، وشتَّان!

وخرج الجيش الكبير في شهر (المحرم 505هـ= يوليو 1111م)، وبدأ فورًا في عِدَّة عمليات شرق الفرات تستهدف إسقاط القلاع الصليبية في هذه المنطقة تمهيدًا لحصار مدينة الرها ذاتها، وبالفعل سقط عدد من المواقع الصليبية، ووصل الجيش في سهولة إلى مدينة الرها، وبدأ الحصار!

كانت مدينة الرها على حصانتها المعهودة، بل إن الصليبيين عندما علموا بقدوم الجيش الإسلامي أمدُّوها بكثير من المؤن والغذاء لتصبر على الحصار الطويل، ولم يعزم الصليبيون قط على الخروج لحرب المسلمين، وكانت النتيجة أن شعر مودود أن الوقت يضيع بلا فائدة، فحصون المدينة أشدُّ من أن تسقط[7]!

ماذا يفعل مودود؟!
لقد قرَّر أن يكون واقعيًّا، وأن يفكَّ الحصار عن الرها المنيعة، ويتَّجه إلى غيرها من حصون الصليبيين، وعليه فقد غادر الجيش الرها إلى المدينة الثانية في إمارة الرها وهي مدينة تل باشر غرب الفرات، والتي كان على رأسها جوسلين دي كورتناي القائد الصليبي المشهور[8].

وحاصر الجيش الإسلامي مدينة تل باشر حصارًا محكمًا، وحاول بكل طاقته أن يفتح أبوابها، أو أن يهدم أسوارها، لكنها كانت منيعة كالرها[9]!

ومرَّت الأيام صعبة على المسلمين دون بادرة تغيُّر في الموقف، ولنتابع باقية الأحداث في المقالات القادمة، إن شاء الله.

[1] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/141.
[2] المصدر السابق.
[3] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/141..
[4] أبو داود: كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم (3641)، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223)، وابن حبان (88)، وصححه الألباني (6297) صحيح الجامع.
[5] الترمذي: كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة (2685)، والطبراني في الكبير (7912)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه القاسم أبو عبد الرحمن وثقه البخاري وضعفه أحمد. مجمع الزوائد: 1/333، وقال الألباني: صحيح (4213) صحيح الجامع.
[6] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/143.
[7] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/143.
[8] Stevenson: op. cit., p. 91.
[9] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/144.



د. راغب السرجاني