المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إيلغازي وإمارة الأراتقة


المراقب العام
18-10-2016, 11:52 AM
http://islamstory.com/sites/default/files/styles/300px_node_fullcontent_img/public/16/10/42/game3.gif

في خلال هذه السنوات الثمانية من سنة (513هـ) إلى سنة (521هـ) حاول إيلغازي بن أُرْتُق تكوين إمارة كبيرة للأراتقة، وأفلح فعلاً في السيطرة على مساحة ضخمة تشمل ديار بكر بكاملها تقريبًا، وهي تحوي في داخلها عدَّة مدن مهمَّة مثل مَيَّافَارِقِين في الشمال، ومَارِدِين وحصن كيفا في الجنوب، كما ضمَّ إلى ديار بكر منطقة حَرَّان في الجنوب، هذا إضافةً إلى مملكة حلب بكاملها.

ولا شكَّ أن هذه الإمارة الكبيرة كانت ذات خطر كبير على الصليبيين؛ مما دفعهم إلى منازلة أخرى لإيلغازي وطُغْتِكِين، وحقَّق الصليبيون نصرًا غير حاسم، وذلك في الرابع عشر من أغسطس سنة 1119م، أي بعد أقل من شهرين من هزيمتهم في موقعة البلاط[1]، إلا أنَّ إيلغازي جدَّد هجومه على الصليبيين، وخاصةً في منطقة الرها القريبة من إمارة الأراتقة، واستطاع إيلغازي أن يُسيطر على مدينة عَزَاز، وذلك في مايو سنة 1120م[2]، غير أن إيلغازي اضطرَّ إلى عقد هدنة مع بلدوين الثاني في السنة نفسها؛ ليُعطِي نفسه فرصة لتنظيم الأمور في إمارته الواسعة[3].

اضطراب العراق والموصل:
وبينما كان إيلغازي يُكَوِّن إمارته هذه كانت الأحوال مضطربة جدًّا في العراق والموصل؛ مما أعطى له الفرصة لتكوين هذه الإمارة دون تدخُّل السلاجقة أو الخلافة العباسية، وواقع الأمر أنه في هذه السنة -أي سنة (514هـ= 1120م)- وَقَع صدام مؤسف بين السلطان محمود سلطان السلاجقة، وأخيه الملك مسعود الذي كان يُساعده أمير الموصل جيوش بك، وانتهى الأمر بانتصار السلطان محمود، واستقرار الأوضاع له[4].

ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ بل قام رجل اسمه دبيس بن صدقة، وهو شيعيٌّ عربيٌّ من قبيلة بني مزيد، قام بثورة في العراق، بل واتجه إلى بغداد وحاصر الخليفة، فاضطرَّ الخليفة إلى الاستنجاد بالسلطان محمود الذي تحرَّك بجيشه ففرَّ دبيس بن صدقة بعد أن أحدث فسادًا كبيرًا في بغداد، وقد لجأ دبيس إلى شمال الجزيرة بالقرب من إمارة الرها حيث بدأ يعرض خدماته العسكرية على الصليبيين في مقابل تكوين إمارة خاصة له[5]!

هذا الوضع المضطرب عزل الموصل كثيرًا عن ساحة الصراع الإسلامي -الصليبي، وهذا -لا شكَّ- أراح الصليبيين كثيرًا؛ لأنه لو كانت الموصل بقوَّتها المعهودة مشتركة مع إيلغازي في معاركه لكانت أزمة الصليبيين كبيرة.

وفي الوقت نفسه فإن الصليبيين في بيت المقدس وجدوا أنفسهم في مشكلة حقيقية؛ إذ أصبح لزامًا عليهم أن يُوَزِّعوا طاقاتهم للدفاع عن إمارة أنطاكية، إضافةً إلى مملكة بيت المقدس، وصار أعداء الصليبيين كُثُرًا؛ فهناك الأراتقة، وهناك طُغْتِكِين، وهناك إمارة صور الواقعة تحت سيطرة طُغْتِكِين، وهناك -أيضًا- عَسْقَلان بحاميتها العبيدية، إضافةً إلى الدولة المصرية العبيدية التي -وإن كانت قد هدأت كثيرًا- ما زالت تترقب فرصة لاستعادة أملاكها في فلسطين.

المليشيات العسكرية الصليبية:
هذا كله دفع مملكة بيت المقدس إلى محاولة تكوين فرقة عسكرية شرسة ثابتة تضمن الحفاظ على الأمن وسط كل هذه الأزمات؛ ومن ثَمَّ كان تكوين فرق الإسبتارية والداوية! وهما من أخطر الفرق العسكرية الصليبية مطلقًا!

أمَّا الإسبتارية فهي هيئة تأسَّست قبل الحروب الصليبية بعدَّة سنوات؛ حيث أسَّسها بعض التجار النصارى الأوربيين كجمعية خيرية تهدف إلى علاج الحُجَّاج الفقراء مجانًا، وكانت مقامة إلى جوار كنيسة القيامة ببيت المقدس؛ وذلك ابتداء من سنة 1070م (أي قبل قدوم الصليبيين إلى القدس بتسعة وعشرين عامًا)، وأُطلق على العاملين بهذه الهيئة اسم (فرسان المستشفى Hospitallers)، الذي حُرِّف بعد ذلك في العربية إلى «الإسبتارية»[6].

وكان هؤلاء الإسبتارية يتبعون بابا روما مباشرة، وكانت لهم بذلك استقلالية خاصة، وقد قَدَّموا الكثير من المعونات للصليبيين عند احتلالهم القدس بحكم خبرتهم بالبلاد، وقد بدأ الصليبيون يشعرون بقيمتهم فأغدقوا عليهم العطايا، وكان لهم جامعون للتبرعات سواء من القدس وفلسطين أو من أوربا بكاملها، وهكذا صار لهم أملاك وضيعات وثروات هائلة.

وفي عهد بلدوين الثاني، ونتيجة للظروف الصعبة التي بدأ بها بلدوين الثاني حكمه، عمل بلدوين الثاني على تشجيع الإسبتارية وتقويتهم؛ ومن ثَمَّ عَظُم شأنهم جدًّا، وصارت لهم أدوار عسكرية مختلفة تمام الاختلاف عن الهدف الذي من أجله أُسِّست الهيئة، وإن ظلُّوا يحتفظون باسمهم «فرسان المستشفى»[7].

وإضافةً إلى الإسبتارية، فقد أُسِّست هيئة أخرى خطيرة هي هيئة «الداوية»، وقد تأسَّست هذه الهيئة على أساس عسكريٍّ من البداية، ومؤسِّسها هو أحد الفرسان الفرنسيين، واسمه هوجو دي باينز Hugue de payens، وقد اختار هذا الفارس جزءًا من المسجد الأقصى، والذي يُطْلِق عليه اليهود اسم هيكل سليمان؛ ليُؤَسِّس فيه جمعيته العسكرية، ومن هنا ففرسان هذه الجمعية يُعرفون بفرسان المعبد Templars، نسبة إلى معبد داود، ولهذا عُرفوا بالداوية نسبة إلى داود، وقد ذهب مُؤَسِّس هذه الجمعية إلى فرنسا وإنجلترا، وبدأ بجمع الأنصار من الفرسان والنبلاء الراغبين في قضاء حياة عسكرية دينية في الأرض المقدسة، وكان عملها في البداية يقتصر على حماية الحجاج النصارى، ثم ما لبثت الجمعية أن أصبحت شريكًا في العمليات العسكرية الخطيرة في الشام.

وهكذا صار إنشاء هيئة الداوية، وتحول هيئة الإستبارية إلى النشاط العسكري سببًا في توفير قوَّة حربية دائمة لمملكة بيت المقدس، وصار لهم من السلطات ما يجعلهم في كثير من الأحيان مستقلِّين تمامًا عن سلطة ملك بيت المقدس شخصيًّا أو أسقفية بيت المقدس، ومن الجدير بالذكر أن هاتين الفرقتين كانتا من أشرس الفرق الصليبية في الحروب، ولم يكن هناك أيُّ نوعٍ من الأخلاق أو الالتزام بالعهود في قتالهم، على خلاف ما يُوحي به اسميهما من ارتباط بالدين أو بالرحمة[8]!

أحداث متشابكة ووفاة إيلغازي:
ونعود في قصتنا إلى إيلغازي الذي لم تستقر له الأوضاع بصورة تُرضيه، فكان جنوده كثيرًا ما يثورون عليه ويُخالفونه، بل إن ابنه شخصيًّا أعلن الانفصال عنه والاستقلال بحلب سنة (515هـ= 1121م)، بل وعقد معاهدة مع الصليبيين أعطاهم فيها بمقتضاها حصني زردنا والأثارب[9]، وهذا -لا شكَّ- أفزع إيلغازي الذي أسرع إلى حلب، واستردَّ حكم حلب منه بعد تعنيفه، ثم توجَّه بجيشه لاسترداد زردنا؛ مما دفع بلدوين الثاني أن يأتي من بيت المقدس للدفاع عن الحصن التابع لإمارة أنطاكية، والتقى الجيش المسلم بالجيش الصليبي عند حصن زردنا، ولكن لم يحدث قتال، بل حدث تجديد للهدنة، وللأسف قَبِل إيلغازي بتسليم حصن زردنا[10]!

والواقع أن الناظر إلى حروب إيلغازي وسيرته سيتعجَّبُ من عدم إمكانيته دومًا من استغلال انتصاراته على الصليبيين؛ فهو لم يكن يصبر كثيرًا على القتال والحصار والمطاولة، ولا أعتقد أن هذا راجع إليه هو، ولكن إلى جيشه! فقد كان جيش إيلغازي مختلفًا عن جيش مودود :؛ لأن جيش إيلغازي كان عبارة عن مرتزقة جمعهم من هنا وهناك، مغريًا إياهم بالغنائم والأسلاب؛ لذلك فإن هؤلاء المرتزقة لم يكن عندهم صبر المجاهدين؛ الذين يُضَحُّون بأوقاتهم وأعمارهم في سبيل الله عز وجل، فضلاً عن أن إيلغازي نفسه لم يكن بيده من المال ما يُفَرِّقه عليهم كما يذكر ابن الأثير[11]؛ ولهذا فإن إيلغازي مع كونه قد حَقَّق انتصارات بعضها كبير على الصليبيين، فإنه وجيشه لم يكونوا بالذين يمكن أن يحملوا الراية الحقيقية للجهاد، ويصبروا على حملها.

وبينما كان الوضع كذلك في المنطقة الشمالية؛ حدث أمران كان لهما إسهام بعد ذلك في بعض التغييرات في الأحداث، وهو أن السلطان محمود أقطع الأمير آق سنقر البرسقي إمارة الموصل للمرَّة الثانية، وكان قد تولَّى أمرها قبل ذلك (507-509هـ)، وها هو الآن يتولَّى أمرها من جديد بعد مرور ست سنوات على عزله، وكان سبب ولايته أنه أظهر طوال هذه السنوات الولاء الكامل للسلطان محمود، ووقف إلى جواره في صدامه مع الملك مسعود أخيه، بل كان له دور ملموس في تهدئة الأمور والتوفيق بين الأخوين؛ مما جعل له مكانًا كبيرًا في قلب السلطان محمود، وقد مرَّ بنا أن هذا الرجل كان من الصالحين الأتقياء؛ مما سيكون له انعكاسٌ على أحداث الفترة القادمة[12].

أما الأمر الثاني الذي حدث في سنة (515هـ=1121م) فهو مقتل الأفضل بن بدر الجمالي وزير مصر العبيدية الأول، وذلك على يد أحد الباطنية الإسماعيلية[13]! وقد يتعجَّبُ القارئ من مقتل الأفضل وهو إسماعيلي على يد الإسماعيلية، ولكننا نذكر أن الإسماعيلية انقسمت إلى فرقتين متعاديتين؛ هما الإسماعيلية المستعلية التي ينتمي إليها الوزير الأفضل، والإسماعيلية النزارية المعروفة بالباطنية (الحشاشين)، ولهذا تمَّ هذا الاغتيال للانتقام من الأفضل الذي يُعتبر الرأس الأولى للحكم في مصر، حيث إن الخليفة الآمر بأحكام الله كان مجرَّد صورة.

وبمقتل الأفضل بن بدر الجمالي دخلت الدولة العبيدية في طور ضعف متدرِّج، وهذا -وإن كان سيؤمِّن ظهر مملكة بيت المقدس- سيكون له أثر إيجابي مستقبلاً عند العزم على توحيد الشام في زمان نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي.

[1] ابن العديم: زبدة الحلب 2/191، 192.
[2] Foucher de Chartres, pp. 445-446.
[3] ابن العديم: زبدة الحلب 2/195، 196، Foucher de Chartres, p. 44.
[4] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/191، 192.
[5] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/219-221.
[6] Delaville Le Roulx: Les Hospitallers.en Terre Saint et en Chypre, p. 29.
[7] King: The Kinghts Hospitallers in the Holy Land, p. 1 & Rinciman: op. cit., II, p. 157.
[8] Guillaume de Tyr, pp. 520-521 & Grousset: Hist. des Crosiades, 1, p. 542, 544-545 & King: The Kinghts Hospitallers in the Holy Land, p. 31-32.
[9] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/209، وابن العديم: زبدة الحلب 2/199.
[10] ابن العديم: زبدة الحلب 2/199.
[11] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/195.
[12] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/207.
[13] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/207، 208.


د. راغب السرجاني

مريم™
19-11-2016, 07:22 PM
مشكور اخى الكريم ويعطيك الف عافية