المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مغلق حتى المساء


نبيل القيسي
27-10-2016, 01:43 AM
المراة أُنْسُ الرجالِ وسكنُهُم وجمالُ الحياة ورَوْحُها، تلد وترضع، ترعى وتحنو، تسهر وتبذل، تمنح بغير شرط، ومهما بلغ العناء بها فلا تكف! عطاؤها طبعت عليه، لا كلفة فيه، حُقَّ لها أن تسمى بأمٍّ، ومَنْ سِوَاهَا يُؤَمّ؟!

بيتها.. من ذوقها روضٌ زاهٍ وردُهُ، حلوٌ ثمرُه، عليلُ الهواءِ، عذب الماءِ.
وفي أيامنا كم أرثي لها! وكأنِّي أسمعُ أنينها من ظلمٍ ألمَّ بها، منْهَا لَها، أو مِنْ غيرها، قالوا لَها: اخرجي لتعملي، وأسْمَوْها "امرأةً عاملة"، وهل كانت قبلَ خروجِها عاطِلة؟! إنها في بيتِها تحت الطلب "مُعْطى عَام"، ليلَ نهارَ.

أخرجوها ظُلمًا لها؛ تكْدح وتكِدُّ، تعرَقُ وتَنْصَب، خدَعُوها بقولِهم: "حقوق المرأة" و"مساواة الرجل"!! حِسْبَة جائِرة، وأيُّ ميزةٍ أنْ تقومَ بِدَوْرين؟! أَهَمٌّ فَوْقَ هَمٍّ؟! وهل يقوى الرجال على حَمْلِ ما تَحْمِل؟ يعمل في مهْنةٍ ولو كانتْ إدَاريَّةً، وفي المساءِ يدْخلُ مطبخًا ويرعى صغارًا، يُطْعم هذا، ويُحَايِل ذاك، ويُرَاجع دروسَهم ويُداوي آهاتِهم! هل يستطيع أنْ يجلسَ مع طفله بعد العملِ ساعة أو ساعتين؟! أمرٌ لا يستطيعه الرجلُ ويُقِرُّ بذلك، فلماذا تُحمَّل المرأة مَا لا تستطيع بِرضاها أو تحتَ زيفِ المجتمع؟! أراهُ انتحارًا، وهذا اعتراف! وماذا يغنيها بعدما هجرت عشَّها، عامَّة يومها؟! فما عاد بيتُها روضًا، وذبُل فيه الزهر، وغاض فيه النهر، وما عادَ في عشِّها راحٌ، وكيف صار الفِرَاخ؟ طاروا من العُشِّ، فالوليدُ في اللفَّة وفى حِضْنه وجْبَة، محمولٌ إلى الحضَانة والكبيرُ سبقَه بساعة، ويطولُ المكثُ بالحضانة؛ حتى تأتىَ إليهم قُبيْل المساء، تَلُمُّ الصغار وقد تعلَّموا بالتَّكرارِ أنَّ حِضْنَ أمِّهم "مغلَقٌ حتى المساء"، وهذا إن كان بَقِيَ فيه مساحةٌ للعواطِف، وا خوفاه!! لو عاملوكِ بالمثل، وهذه سمة العصر، فيُهْمِلونكِ كبارًا كما فعَلْتِها بهم صغارًا، والبادي أظلم!

لما قال الله تعالى موصيًا الصغار بالآباء والأمَّهات: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ﴾ [الإسراء: 23] سبقتها بسنوات طوال: ﴿ كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24]، والكاف للتشبيه، فإياكِ أن تُؤْثري العمل على التربية ورعاية الصغار، فيؤثروا أعمالهم عليك وهم كبار، ورحم الله والدًا أعان ولده على برِّه!

ولا تتصوَّري أن ما تأتينَ بهِ من مالٍ سيشفعُ لكِ عندهم، فهُم إلى حنانِك أحوجُ من المال، ولِضَمِّهم تَحْت جناحِك أحوجُ منْهُم لمالِك إلا في حالاتِ الاضْطِرار والأعْذَارِ، والضرورة تقدَّر بقدرها، ولكلِّ مقامٍ مَقال.


صفية محمود