المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفة بين جيلين: سابق بالخيرات وظالم لنفسه


نبيل القيسي
29-10-2016, 11:42 AM
لماذا نَقرأ القرآن والحديث؟ لماذا نَقرأ سيرةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم؟ لماذا يَسأل الإنسان ويستفتي؟ لماذا نتعلَّم ديننا ونتفقَّه فيه؟

أنتعلَّم ليقال: عالم، ويقال: فقيه، ويقال، ويقال؟

قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استُشهد، فأُتي به فعرَّفه نِعمتَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَّك قاتلتَ لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثمَّ أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النَّار، ورجل تعلَّم العلمَ وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتيَ به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ ولكنك تعلَّمتَ ليقال: عالم، وقرأتَ القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثمَّ أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأُتي به فعرَّفه نِعمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفق فيها إلَّا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنَّك فعلتَ ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثمَّ أُمر به فسُحب على وجهه ثمَّ أُلقي في النَّار))؛ رواه مسلم.

وقد ذكرتُ الحديثَ بطوله؛ لتعمَّ به الفائدة؛ ففيه مسائل أخرى.

في هذا الحديث أناس عملوا في سُبلٍ يحبُّها الله سبحانه وتعالى، ولكنَّهم لم يَبتغوا بها رضوان الله والدَّار الآخرة؛ وإنَّما اشتروا بها الحياةَ الدنيا، ليقال: كذا، ويقال: كذا، فما بالنا بمَن لم يَعمل مطلقًا ولم يطابِق حتى في ظاهره شريعةَ الله سبحانه وتعالى؟

لقد كان الصَّحابة رضوان الله عليهم يتلقَّون ليَعملوا ولينفِّذوا؛ يقرؤون الآيات فيطبِّقونها ويعملون بها، يَسمعون توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم فينفِّذون...، إنَّ مجرد ما يحبُّه صلى الله عليه وسلم يبادرون إلى تنفيذه، فما بال أقوام يَزعمون حبَّه ويجفون ويجافون سنَّته؟!

ما بال أُناس نقول لهم: قال صلى الله عليه وسلم، فيَذهبون يدورون حول النصِّ هنا وهناك؛ يَبحثون عن مَخرج لكيلا يَعملوا به؟!

كان الصَّحابة رضي الله عنهم يَأخذون عشرَ آيات لا يتجاوزونها حتى يَفهموها ويَحفظوها ويَعملوا بما فيها.

وقد قال تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ [القيامة: 16 - 19]، فجعل سبحانه وتعالى الاتباع قرين القراءة، ورَبط بينهما بالفاء على التَّعجيل بالعمل دون إبطاء؛ اقرأ، ونفِّذ بلا توانٍ.

ونحن اليوم نشاهد الكثيرين يخرُّون على الآيات صمًّا وعميانًا، وآخرين اتَّخذوا هذا القرآنَ مهجورًا...، فما ضيَّعوه اليوم حفظًا واستِظهارًا فحَسب، ولكنَّهم ضيَّعوه وهجروه؛ عملًا بما فيه، وتنفيذًا لأمره ونهيه كذلك...، ونتساءل: لماذا نحن قد تخلَّفنا وتأخَّرنا؟ ونحن لم نُحل حلالَه، ولم نحرِّم حرامه...، فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.

وأخرج الخطيبُ البغدادي عن عطاء قال: (كان فتًى يَختلف إلى أمِّ المؤمنين عائشة فيَسألها وتحدِّثه، فجاءها ذات يومٍ يسألها، فقالت: يا بُني، هل عَملتَ بعدُ بما سَمعتَ منِّي؟ فقال: لا والله يا أمهْ، فقالت: يا بُني، فبمَ تَستكثر من حُجَج الله علينا وعليك؟).

فليكن منهجنا (التلقِّي للعمل)؛ فإنَّما نزل القرآن ليُعمل به؛ أي: ليُحِلُّوا حلاله، ويُحرِّموا حرامه، ويَأتمروا بأوامره، ويَنتهوا عن نواهيه، وبذلك فُسِّر: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ [البقرة: 121]؛ أي: يتَّبعونه حقَّ اتِّباعه، وكما قال الحسَن البصري: "ليس الإيمان بالتحلِّي ولا بالتمنِّي، ولكن ما وَقر في القلوب وصدَّقَته الأعمال"، وبهذه الأعمال يتطابَق قولنا مع فعلِنا؛ ولذلك نجَحَ الصَّحابةُ وفشِلنا نحن، وكانوا يقولون لنبيِّهم صلى الله عليه وسلم: سمِعنا وأطَعنا، فزكَت نفوسُهم: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2].

ثالثًا: بعدما استقرَّ لدينا مصدر التلقِّي ومنهجه، استتبع ذلك الالتزام بالإسلام جملةً وتفصيلًا، وتَرْك كل ما يخالِفه، وقد قال الصَّحابةُ رضوان الله عليهم: سمِعنا وأطعنا، ولم يقولوا قولَ اليهود: سمِعنا وعصينا، فامتثلوا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ [البقرة: 208]؛ أي: الأخذ بجميع عُرى الإسلام وشرائعه، فدخَلوا في الإسلام بكليَّتهم، ولم يَتركوا شيئًا من ظاهرهم ولا باطِنهم إلا والإسلام يَستوعبه، فلم يَبقَ مكان لغيره.

فالسِّلم: شُعب الإسلام، وقوله: ﴿ فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾؛ أي: في جميع شُعب الإسلام؛ بحيث لا يُخِلُّونَ بشيء من أحكامه، فدَخلوا؛ أي: التَزَموا بكلِّ الدِّين، ولم يَأخذوا ببعضٍ ويتركوا بعضًا، فما كان من الجاهليَّة ترَكوه، وما كان من الإسلام تمسَّكوا به، ودخلوا في الإسلام بحماسٍ؛ فبَتروا كلَّ صِلَة لهم بالجاهليَّة، وقطعوا كلَّ حبلٍ لهم بها؛ ولذلك نجد الرجلَ منهم يَسأل ويَستفسر ويخشى - فيما يَعمل - أن يكون على الجاهليَّة، مثلما فعَل الرجل الذي كان قد نذَر أن يَذبح إبلًا ببوانة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألَه حتى يطمئنَّ: أيمضي في عملِه أم هو مخالِف للإسلام؟

ونحن - مع الأسف - نمضي في أعمالنا ولا نَكاد نعطي أنفسنا الفرصةَ لنعرف هل نحن على الصِّراط المستقيم أم حادَ بنا الدَّرب؟ بل إذا عرف البعضُ الصوابَ ذهب كلَّ مذهبٍ في التبرير والتوفيق؛ بالتَّلفيق لما يتعارض مع الإسلام، فشتَّان بين مَن يقول: سمِعنا وأطَعنا، وبين مَن يَبحث فيما يَرُدُّ به قول الله سبحانه وتعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ويَبحث له عن تخريجاتٍ وتأويلات.

لقد كان الرَّجل حين يَدخل في الإسلام يَخلع على عتبته كلَّ ماضيه في الجاهلية، فلا بدَّ أن نتجرَّد من كلِّ مؤثِّرات الجاهليَّة، فنراجع عاداتنا وتقاليدنا وكلَّ أفعالنا؛ هل نحن بها على الصِّراط المستقيم أم هي ممَّا تَسلَّل إلينا مِن بدع وعقائد فاسِدة؟ حتى ولو قُدِّمَت لنا على أنَّها إسلاميَّة؛ كما يفعل أربابُ الطُّرق وأصحاب عقيدة وحدة الوجود، وهم يَزعمون أنَّهم أهل الحقيقة، بينما هم يَحفظون ويَعملون بالأحاديث الموضوعة والإسرائيليَّات، ويتمسَّكون بعقائد فاسِدة.

فلنقف وقفةً جادَّة مع أنفسنا فرادى وجماعات، هل تنبع تصوراتُنا ومفاهيمنا، وإدراكاتنا وعاداتنا، وروابطنا وكل حياتنا ومعاملاتنا - هل تَنبع من الإسلام؟ فما كان فاسدًا ومخالفًا أَقصيناه...، وعلينا أن نتحرَّى التوحيد ونَعرِفه؛ لندخل فيه بالكليَّة، ونعرف الشِّرك؛ لنتجنَّبه ونَحيد عنه.

رابعًا: استتبع ما سبق أنَّ الرجل منهم كان إذا غلبَته نفسُه مرَّة، أو اجتذبَته عاداتُه مَرَّة، أو ضعُف عن تكاليف الإسلام مرَّة، شعر في الحال بالإثم والخطيئة، فاستغفر وتابَ، أو تطَهَّر ممَّا فعل؛ إنَّهم كانوا أوَّابين، رجَّاعين إلى الحقِّ، وقَّافين عند حدوده، لا يَتجاوزون الحقَّ إلى الباطل، فإذا ما أخطؤوا تابوا وعادوا...، وهذا ما حمل ماعزًا والغامدية أن يأتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليطهِّرهما من الزِّنا، وكان بوسعهما الهرب أو البحث عن حيلةٍ تقيهما الحد.

وما قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا ببعيدة عن الأذهان ولا غريبة، وكان بوسعهم أن يَلتمسوا ما شاء الله لهم من الأعذار، وقد قصَّروا في تكليفٍ، هو الخروج للجهاد، ولكن اعترفوا بأنْ لا عُذر لهم يَمنعهم من الخروج، وتحمَّلوا النتيجة كامِلةً، حتى نزل فيهم القرآن، وعفا الله عنهم.

وبمثل هذا نَجح أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبفقدانه فشِلنا، ويأتي مَن يخبرك أنَّهم في أوربا لا يَخترقون إشارةَ المرور رغم عدم وجود الشُّرطي، بل ويَبلغ بأحدهم أن يَذهب بنفسه ليَدفع المخالفة إذا خالَف ولم يشاهِده أحد! لماذا؟ أمَا كان ذلك أولى بنا نحن؟

نعم، إنَّنا إذا تركنا ديننا لم يَعُد لنا ما نتفوَّق به على أحد، فغلبونا؛ فإنَّ الأمر إذا كان بغير الإسلام، فلَهم الغلَبة.

لقد كان صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدورون مع الحقِّ حيث دار، أوَّابين، رجَّاعين إلى الله عزَّ وجل في جميع أمورهم وفي كلِّ شؤونهم، مطيعين لله، وقد تعلَّموا من القرآن، فالله سبحانه وتعالى امتدح داود عليه السلام: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 17]، كما أثنى على سليمان عليه السلام: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 30]، كما قال تعالى في أيوب عليه السلام: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 44].

كما أعدَّ الله تعالى جيلَ الصَّحابة بين يدَي نبيه؛ ليَحملوا الرسالةَ ويبلِّغوها بعد وفاة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فما بالُ أقوامٍ يجترئون على الصَّحابة وهم الذين ذُكروا في القرآن في أكثر من موضع، وتربوا في مدرسة النبوُّة، مستجيبين منفِّذين دون تردُّد؟

فهذا واحد منهم - كما أخرج الدولابي في الكنى، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه - كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يلبس ثوبًا (ريطة مضرجة) مصبوغًا، لم يُعجِب النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما هذا الثوب؟))، قال الصحابيُّ: فعرفتُ كراهيتَه، فأتيتُ أهلي وهم يسجرون التنُّور فألقيتُها فيه، ثمَّ أتيتُه فقال: ((ما فعلتَ بالريطة؟))، فقلتُ: ألقيتُها في التنُّور، قال: ((أفلا أعطيتَها بعضَ أهلك؟)).

وكان ثابت بن قيس رضي الله عنه جَهْوَرِيَّ الصَّوت، فلمَّا نزلَت: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ [الحجرات: 2]، جلس في بيته قد أَغلق بابَه عليه يَبكي، وقد ظنَّ أنه حَبِطَ عملُه؛ إذ ظنَّ أنَّه - وهو جَهْوري الصوت - قد رفع صوتَه فوق صوت النَّبي، فخاف وحسِبَ نفسَه من أهل النار، هل نحن عندنا مثل هذه الحساسية؟ هل عندنا مثل هذا الشعور؟ واحسرتاه، كم تبلَّدَت مشاعر، وكم قسَت قلوب!

وأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن يقول له: ((إنَّك لستَ من أهل النَّار، ولكن من أهل الجنَّة)).

وأخرج سعيد بن منصور وابن النجَّار عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "خطبتُ جاريةً من الأنصار، فذكرتُ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال لي: ((رأيتَها؟))، فقلتُ: لا، قال: ((فانظر إليها؛ فإنَّه أحرى أن يؤدم بينكما))، فأتيتُها فذكرتُ ذلك لوالديها، فنَظر أحدهما إلى الآخر، فقمتُ فخرجتُ، فقالت الجارية: عليَّ الرَّجل، فوقفَت ناحية خدرها، فقالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر إليَّ فانظر، وإلَّا فإنِّي أحرج عليك أن تنظر"، نعم، إن كان أمر رسول الله فالسَّمع والطاعة، وإن لم يكن أمرَه فقد وكلَته لإيمانه، لقد كانوا وقَّافين عند حدود الله.

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد غضب من مقالةٍ لعيينة بن حصن حتى همَّ به، فقال له الحرُّ بن قيس: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، وإنَّ هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه.

وهكذا كانوا، وهكذا يجب أن نكون.

فإذا نحن عُدنا لكتاب الله وسنَّةِ رسوله وتمسَّكنا بهما، وعملنا ونفَّذنا ما فيهما، ودخلنا في الإسلام جملةً وتفصيلًا، وتركنا ما عداه، ووقفنا عند حدوده، ودُرنا معه حيث دار، فكان في حياتنا كلها؛ ننام ونَصحو وهو معنا وفي بيوتنا وطرقاتنا ومعاملاتنا - حُزْنَا بذلك الخيرَ كلَّه، وفزنا بالدارين، وكنا حيث شاء الله أن نكون.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

مجلة التوحيد، عدد شهر صفر 1407 هـ

سما العدروسي
07-04-2017, 06:38 AM
مقاله رائعه مشكور وفي انتظار جديدك

نبيل القيسي
10-03-2019, 01:19 PM
وبارك الله لكم