المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور العلم في بناء الحضارة الرومانية


المراقب العام
27-11-2016, 09:31 AM
http://islamstory.com/sites/default/files/styles/300px_node_fullcontent_img/public/13/09/36/rom.jpg

تعد الحضارة الرومانية من أعظم حضارات أوربا بعد الحضارة اليونانية، ولم يكن لحضارة أن تقوم، وتتقدم بذلك القدر بدون أن يكون فيها من العلماء، والحريصين على نهضتها وتقدمها من يقودها إلى ذرا ذلك المجد والعظمة، وكان هؤلاء هم علماء الحضارة الرومانية، وكان تناولهم للعلم يعتمد على تجارب علمائهم الشخصية، أو النقل عن الحضارات المجاورة لهم.

فنجد مثلاً أن دراسة الجغرافيا كانت لديهم أكثر واقعية، وكان الغرض منها أن يُستَعان بها على الملاحة، وقد نشر بمبنيوس ميلا خرائط قسَّم فيها سطح الأرض إلى منطقة حارة في الوسط، ومنطقتين معتدلتين شمالية وجنوبية، وكان الجغرافيون الرومان يعرفون أوربا وشمالي آسيا الغربية، وشماليها الشرقي، أما سائر أجزاء العالم فكانت لديهم عنها أفكار غامضة، وأقاصيص خرافية غريبة. وقد وصلت السفن الأسبانية والأفريقية الصغيرة إلى جزائر ماديرا وكناريا أو الخالدات.
وكان أكبر المنتجات العلمية الإيطالية، وأكثرها دلالة على الجد في ذات الوقت كتاب التاريخ الطبيعي الذي وضعه كيوس بلنيوس سكندس، وقد قضى كيوس حياته كلها تقريبًا جنديًا، ومحاميًا، ورحّالة، وحاكمًا، وقائدًا للأسطول الروماني في غربي البحر المتوسط، ولكنَّه رغم هذه المشاغل كلِّها ألَّف رسائل في الخطابة، والنحو، والحرب، وكتب تاريخًا لروما، وتاريخًا آخر لحروب روما في ألمانيا، وسبعة وثلاثين كتابًا في التاريخ الطبيعي هي كل ما بقي من هذا الفيض العظيم من المؤلفات.

وكتابه هذا في جملته وتفصيله دائرة معارف كتبها رجل واحد، وجمع فيها خلاصة علم زمانه وأخطائه. وفي ذلك يقول: "إن الغرض الذي أرمي إليه هو أن أعرض وصفًا عامًا لكل ما نعرف أنه موجود على سطح الأرض"، فهو يبحث في عشرين ألف موضوع، ويعتذر عما تركه من الموضوعات الأخرى، ويشير في هذا الكتاب إلى ألفي مجلد كتبها 473 مؤلفًا، ويعترف بدَيْنِه إلى من رجع إليهم من الكتّاب ويذكر أسماءهم جميعًا بصراحة لا نظير لها في الأدب القديم، ويشير عرضًا إلى أنه وجد أن كثيرًا من المؤلفين نقلوا أقوال من سبقوهم بنصها دون أن يعترفوا بهذا النقل[1].

الطب عند الرومان:
أمّا الطب فقد أخذوه عن اليونان، ولكنَّهم أحسنوا صياغته، وتنظيمه، وطبَّقوه على الصحة العامة والخاصة، ولقد كانت روما تحيط بها من جميع جهاتها تقريبا مستنقعات واسعة، وكانت معرضة للفيضانات الوبائية، فكانت بذلك في أشد الحاجة إلى العناية بالصحة العامة، فنحن نسمع أنَّ الملاريا كانت منتشرة في روما في القرن الثاني قبل الميلاد، وأن بعوضة الأنوفيل كانت في ذلك الوقت مستقرة في مناقع بنتين، وانتشر داء النقرس بانتشار الترف، وتدل بعض الفقرات في كتابات الهجائين الرومان على ظهور الزهري في القرن الأولى بعد الميلاد، واجتاحت الأوبئة الفتاكة إيطاليا الوسطى في عام 23 ق. م وفي أعوام 95، 79، 166 ميلادية[2].

وكان الناس من أقدم الأزمنة يحاولون التغلب على المرض والطاعون بالسحر والصلوات، وكانوا يحملون مرضاهم وقرابينهم إلى هيكل إيسكلبيوس ومنيرفا، وكان الكثيرون منهم يتركون فيهما الهدايا شكرًا على نعمة الشفاء. فلمّا أن حلَّ القرن الأول قبل الميلاد أخذت عنايتهم بالطب الحقيقي تزداد شيئًا فشيئًا، ولم تكن الدولة في ذلك الوقت قد وضعت نظامًا لممارسة مهنة الطب، فكان الحذَّاءون، والحلاقون، والنجارون يمارسونه مع مهنهم الأصلية إذا شاءوا، ويستعينون بالسحر، ويخلطون عقاقيرهم بأنفسهم ويبيعونها للناس.

وفُتِحَت في عهد فسبازيان مُستَمَعات لتعليم الطب يتولَّى التعليمَ فيها أساتذة تعترف بهم الدولة وتؤدِّي إليهم رواتبهم، وكانت اللغة اليونانية لغة التعليم في هذه المعاهد كما أنَّ اللغة اللاتينية هي اللغة التي تُكتَبُ بها تذاكرُ الدواء في هذه الأيام. وكان يُطلَق على خريجي هذه المعاهد اسم: أطباء الجمهورية، وكانوا هم وحدهم الذين يستطيعون ممارسة الطب بصفة قانونية في روما بعد عهد فسبازيان. ونصَّ في قانون "أكوليا" على أن تشرف الدولة على الأطباء، كما نص فيه على وجوب تحملهم تبعة إهمالهم. وكان قانون "كرنليا" يفرض أشد العقوبات على من يتسببون في موت المرضى بسبب إهمالهم أو خطئهم الناشئ من جهلهم بأعمالهم. ومع هذا فإن الدَّجّالين ظلوا يمارسون دجلهم، ولكن عدد الأطباء المتعلمين ظلَّ يزداد شيئًا فشيئًا[3].

وقد وصل الطب العسكري في عام (100م) إلى أرقى ما وصل إليه في الزمن القديم؛ فكان في كل فيلق أربعة وعشرون جراحًا، كما كان له هيئة للإسعاف الأولي ونقالات ميدان منظمة أحسن تنظيم، وكانت الدولة تعين الأطباء لمعالجة الفقراء مجانًا وتؤدي لهم أجورهم، أما الأغنياء فكان لهم أطباؤهم الخصوصيون وكان "رؤساء الأطباء" يُعنون بالإمبراطور وأسرته، وخدمه وأعوانه، وتؤدى لهم على ذلك أجور طيبة، وكانت بعض الأسر تتعاقد أحيانًا مع بعض الأطباء على أن يعنوا بصحتها ويداووها من أمراضها مدة معينة[4].

وبلغت مهنة الطب في ذلك الوقت درجة عظيمة من التخصص، فكان في البلاد إخصائيون في المسالك البولية، وفي أمراض النساء، وكان فيها أطباء مولِّدون، وأطباء رمد، وإخصائيون في أمراض العين والأذن، وأطباء بيطريون، وجراحو أسنان، وكان في وسع الرومان أن تكون لهم أسنان صناعية من ذهب، وأسنان مرتبطة بأسلاك، وكباري وأسنان ذات قشرة ذهبية، كما كان لديهم عدد كبير من الطبيبات، وقد كتبت الكثيرات منهنَّ كتبًا في الإجهاض كانت واسعة الانتشار بين سيدات الطبقات الراقية، وكان الجراحون يتخصصون في فروع الجراحة المختلفة، وقلَّما كان يوجد جراح غير متخصص في فرع خاص. وكان الأتروبين يُستَعمَل في التخدير، وقد وُجِدَ في خرائب مدينة (بمبي) أكثر من مائتي أداة جراحية مختلفة. وكان تشريح جثث الآدميين عملاً غير مشروع، ولكنهم كانوا يستعيضون عن ذلك بفحص أجسام المجروحين أو المحتَضَرِين.

وكان العلاج بمياه العيون واسع الانتشار، وكانت العيون الحارة الكبرى معاهد للعلاج والاستشفاء. وقد جمع شارميس المرسيلي ثروة طائلة بإدارة حمامات باردة. وكان المصابون بالسل يرسلون إلى مصر أو شمالي إفريقية، على حين كان الكبريت يُستخدَم لعلاج الأمراض الجلدية، ولتبخير الحجرات بعد انتشار الأمراض المعدية. وكانت العقاقير آخر ما يلجأ إليه الناس من وسائل العلاج، ولكنهم كانوا يلجأون إليها في كثير من الحالات، وكان الأطباء يصنعونها بأنفسهم بطرق يحتفظون بسريتها، ولا يطلعون الجماهير عليها، ويبيعونها بأغلى الأثمان التي يطيقها المرضى[5].

وليس بين الكتّاب المعروفين في علم الطب في هذا العهد كاتب من أصل روماني إلا واحدًا فقط، وحتى هذا الكاتب لم يكن طبيبًا. لقد كان أورليوس كرنليوس سلسُس من أبناء الأشراف، في عام 50م جمع في دائرة المعارف كل ما درسه عن الزراعة، والحرب، والخطابة، والقانون، والفلسفة، والطب. وقد ضاع كل ما كتبه إلا القَسَم الخاص بالطب، ويُعَدُّ كتابُه في هذا العلم أعظمَ مؤلَّفٍ وصل إلينا من القرون الستة المحصورة بين أبقراط وجالينوس، ويمتاز فوق هذا بأنه كُتِبَ بلغةٍ لاتينية فصحى نقية لُقب سلسس من أجلها بشيشرون[6] الطب. ولقد ظلَّت الأسماء اللاتينية التي ترجم بها المصطلحات الطبية اليونانية تسيطر على علم الطب من ذلك الوقت إلى أيامنا هذه[7]!!

الهندسة عند الرومان:
برع الرومان كذلك في إنشاء الطرق فقد كانت السفن والطرق التي تحمل عليها البضائع، والقناطر التي تربط الطرق بعضها ببعض، والموانئ والأحواض التي تستقبل السفن، والقنوات المبنية التي يجري فيها الماء النقي إلى روما، والمصارف التي تنصرف فيها مياه المستنقعات الريفية وأقذار المدن، كانت هذه كلها من عمل المهندسين الرومان واليونان والسوريين يساعدهم آلاف من العمال الأحرار وجنود الفيالق والعبيد. وكانوا يرفعون الأحمال أو الحجارة الثقيلة، أو يجرونها بوساطة البكرات أو القوائم الخشبية العمودية تديرها الروافع التي يدفعها فيها الحيوانات أو الآدميون، وقد أقاموا على أحد شواطئهم جدرانًا ذات درجات ثلاث حتى لا ينكشف الطين في قاع النهر إذا انخفض ماؤه.

كما أنشأوا ميناءً مزدوجًا عند "أستيا" لملوكهم "كلوديوس" (41 ـ 54م) ونيرون وتراجان، وافتتحوا موانئ أصغر منها في مرسيليا وبتيولي، وميسينم، وقرطاجنة وبرنديزيوم ورافنا؛ وجددوا أعظم موانئ الإمبراطورية كلها في الإسكندرية. وقد جففوا البحيرة الفوسية، واستصلحوا أرضها للزراعة وذلك بأن شقوا لها نفقًا يخترق جبلاً من الصخر الصلب، وأنشأ تحت الأرض في روما مصارف من الأسمنت المتحجر للآجر والقرميد قاومت البلى مئات السنين، وجففوا مناقع كمبانيا حتى أصبحت صالحة للسكنى، ويدل ما عثر عليه فيها من آثار على أن قصورًا فخمة كثيرة أقيمت فيها، وقاموا بتنفيذ المشروعات العامة المدهشة التي خفف بها قيصر وغيره من العباقرة التعطل في البلاد وجملوا بها روما.

وكانت الطرق القنصلية من أقل أعمالهم مشقة، ولكنها لم تكن تنقص عن طرق هذه الأيام. وكانت سعتها تختلف من ست عشرة إلى أربع وعشرين قدمًا ولكن بعض هذا العرض كان يشغله بالقرب من روما ممرات جانبية مرصوفة بألواح حجرية مستطيلة الشكل، وكانت تسير مستقيمة إلى أهدافها مضحية بالنفقات العاجلة في سبيل اقتصاد دائم؛ وأقيمت على المجاري التي لا حصر لها قناطر كثيرة النفقات، فإذا وصلت إلى المستنقعات اخترقتها فوق قباب مقامة على جدران من الآجر والحجارة، وكانت تصعد فوق الجبال الوعرة وتنحدر على سفوحها دون أن تستخدم النفق، وسارت بمحاذاة الجبال أو الجسور العالية تحميها الجدران القوية، واختلفت المواد التي ترصف بها باختلاف الأماكن التي تمر بها، وكانت الطبقة السفلى تصنع في العادة من الرمل ويتراوح سمكها بين أربع بوصات وست، أو من الملاط بسمك بوصة واحدة، ثم تقام فوق هذه الطبقة أربع طبقات من البناء: الأولى وسمكها قدم وتبنى من الحجارة يمسكها الأسمنت أو الطين، تليها طبقة ثانية سمكها عشر بوصات من الأسمنت القوي، ثم طبقة ثالثة سمكها ما بين اثنتي عشرة وثماني عشرة بوصة وتتألف من عدة طبقات من الأسمنت المقوى أيضًا، فوقها الطبقة الرابعة وتتخذ من حجر الصوان أو الحمم البركانية الكثيرة الأضلاع والتي يتراوح قطر كل منها ما بين قدم واحد وثلاث أقدام، وسمكها بين ثماني بوصات واثنتي عشرة بوصة، وكانوا يسوون الوجه الأعلى لهذه القطع، وكانت مواضع اتصالها بعضها ببعض لا تكاد تتبينها العين، وكانت الطبقة العليا تصنع في بعض الأحيان من الأسمنت المقوى، وفي الطرق القليلة الأهمية كانت تصنع من الحصباء؛ وفي بريطانيا كانت من حجر الصوان المخلوط بالأسمنت فوق طبقة من الحصباء. وكان سمك الطبقات السفلى كبيرًا إلى حد جعل المهندسين لا يعنون كثيرًا بتصريف الماء الجوفي. ويمكننا أن نقول عن هذه الطرق بوجه عام إنها أطول الطرق أعمارًا في التاريخ كله، ولا يزال بعضها يستخدم إلى اليوم، ولكن منحنياتها الشديدة التي صُنِعَت لسير البغال والعربات الصغيرة جعلتها غير صالحة لوسائل النقل الحديث.

وكانت القناطر التي تحمل هذه الطرق نماذج طيبة لتضافر العلم والفن، ولقد ورث الرومان عن مصر البطليموسية أصول الهندسة المائية واستخدموها على نطاق بلغ من السعة حدًا لم يسبقهم أحد إليه من قبل، وبقيت الأساليب التي نُقِلَت عنهم لم يطرأ عليها تغيير إلى هذه الأيام، وقد وضعوا الأسس، وشادوا الأرصفة تحت الماء كما كانت تشاد هذه وتلك في أقدم العهود، وكانوا يدفعون في أنواع المجاري أسطوانات مزدوجة مملوءة بمواد البناء، وقد أحكموا إغلاق كل منهما ونزحوا الماء مما بينهما، وغطوا الجزء المعرى بالحجارة أو الجير، وأقاموا الرصيف المطلوب إقامته على هذا الأساس. وقد أقيمت على نهر التيبر قبالة روما تسعة جسور بعضها قديم: كجسر سبليسيوس الذي لم يكن يجوز استخدام المعادن فيه، وبعضها متقن البناء كجسر فبريسيوس لدرجة أنه بقي صالحًا للاستعمال إلى هذه الأيام[8].

[1] ول ديورانت: قصة الحضارة 10/186 وما بعدها.
[2] ول ديورانت: قصة الحضارة 10/194.
[3] السابق 10/ 195.
[4] السابق 10/ 196.
[5] ول ديورانت قصة الحضارة 10/197.
[6] كاتب وخطيب روماني مميز.
[7] ول ديورانت قصة الحضارة 10/197
[8] ول ديورانت: قصة الحضارة 10/225 وما بعدها.


د. راغب السرجاني