المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مارية القبطية


النهر الأزرق
27-04-2010, 08:35 AM
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فى العام السادس من الهجرة، ولما إشتد أمر المسلمين بالمدينة التى أنارت بمقدمه صلى الله عليه وسلم ، وقد بدت فى أفق التاريخ إستكمال عناصر الدولة الإسلامية أرسل النبى صلى الله عليه وسلم رسله إلى ملوك العالم يدعوهم إلى الإسلام وعبادة الله الواحد الأحد ؛ فأرسل رسله إلى كسرى ، وهرقل ، والنجاشى ، وإلى المقوقس عظيم القبط فى مصر وغيرهم ، وقد أرسل عليه الصلاة والسلام الصحابى الجليل حاطب بن أبى بلتعة.. رضى الله عنه إلى المقوقس فأستقبله وأكرم وفادته وقرأ الكتاب الذى حمله من النبى صلى الله عليه وسلم والذى يدعوه فيه إلى الإسلام ..قرأ المقوقس الرسالة ولكنه لم يستجب لدعوة الإسلام وعاد حاطب بن أبى بلتعة رضى الله عنه حاملا كتاب المقوقس مصطحبا معه بعض الهدايا ، وجاريتين هما مارية القبطية وأختها سيرين ، وعبدا يُدْعَى مأبور.
خرجت مارية وأختها سيرين من الإسكندرية والعبد مأبور مع حاطب رضى الله عنه وهى لاتدرى من أمر مستقبلها شيئا ..تظهر على وجهها إمارات الحزن .أدرك حاطب ما يعتمل فى نفسها ومازال بها حتى سَرَّى عنها ما بها من حزن وألم كما إستطاع بحذاقته ولباقته أن يقنعها بالإسلام ؛ فآمنت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه نبيا ورسولا ..وكانت أختها سيرين تستمع لما يقوله حاطب فآمنت هى الأخرى ..أما العبد مأبور فإنه لم يسلم حتى قدم على زدرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلم بعدها .
وصل الركب المؤمن إلى المدينة وسلمَّ حاطب رضى الله عنه رسالة المقوقس وهداياه إلى النبى صلى الله عليه وسلم فإستقبلهم ورحب بهم وأكرم قدومهم ، وبالغ فى ذلك حين واسى مارية بأن إتحذها سُرِّ يَّة له ، وكان صلى الله يختلف إليها ويرعاها ولقيت منه كل عناية ومحبة ، وقد تزوج حسان بن ثابت رضى الله عنه شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم سيرين أخت مارية قأنجبت له ولده عبد الرحمن بن حسَّان ؛ الذى ورث أباه فى شاعريته .
وفى أول العام الثامن من الهجرة أخذت مارية تحس بآلام الحمل فازداد إقبال الرسول صلى الله عليه وسلم عليها ، وفى نهاية العام وضعت مارية رضى الله عنها ولدها إبراهيم ؛ ففرح النبى صلى الله عليه وسلم فرحاً شديداً وقال :أعتقها ولدها "وبلغت غبطته بولده مبلغاً عظيماً ؛ فإذا هو شديد اللصوق به كثير التطلع فى وجه الصغير دائم الحمل له بين ذراعيه فى كل مكان يذهب إليه ، ولقد أثار الوضع الجديد غيرة أمهات المؤمنين منها فتآمرت عائشة وحفصة رضى الله عنهما ؛ فاضطر صلوات الله عليه أن يقول :لقد حرمت ماريا على نفسى "ولم يزدها ذلك إلا رضا وصبرا ؛ ثم أنزل الله سبحانه وتعالى قوله "ياأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم " التحريم آية 1" فراجعها على الفور .
وقد أشاع المنافقون بالمدينة إشاعة كإشاعة حادثة الإفك وإتهموها فى العبد مأبور الذى جاء مع مارية رضى الله عنها من الإسكندرية .
سمع النبى صلى الله عليه وسلم بذلك ولكنه تيقن بعد ذلك من براءتها وجاء جبريل الأمين بعد هذه الواقعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال له "السلام عليك ياأبا إبراهيم "فإطمأن قلب النبى صلى الله عليه وسلم وفرح برحمة ربه وتبرئة مولاته مارية على لسان جبريل الأمين.
لقدكان مولد إبراهيم عزاءًا وسلوى وأملا ً ، وإستمرت الفرحة ستة عشر شهرا ًترفرف على بيت مارة رضى الله عنها ؛ فرحة بوليدها ، ولكن هذه الآمال لم تدم طويلا ً؛ إذ مرض الطفل مرضا ًشديدا ًفقامت مارية وأختها سيرين على تمريضه ، وظهرت عليه علامات الإحتضار ..بُلّغ النبى صلى الله عليه وسلم فحزن حُزنا ً شديدا ًوتألم ألما ً بالغا ً؛ فجاء إلى دار مارية فوجد إبراهيم فى حِجْر أمه الباكية يجود بأنفاسه الأخيرة فأخذه منها برفق ووضعه فى حِجْره وضمه إلى صدره وغمره حزن شديد وصعدت الروح الطاهرة إلى باريها فقال صلى الله عليه وسلم :"إنا يا إ براهيم لانغنى عنك من الله شيئا". أخذ النبى ينظر إلى جثمان ولده المُسَجَّى فى حجره ولاحراك به ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم "يا إ براهيم لولا إنه أمرٌ حق ، ووَعْدٌ صِدْق ، وأن آخرنا سيلحق بأولنا ؛ لحزنا أشدَّ من هذا " ؛ ثم مسح دموعه وجفف عبراته وهو يقول " العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا مايرضى الرَّب ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون " .
خرج موكب الجنازة ، والنبى صلى الله عليه وسلم يحمل جثمان ولده بين يديه وعمه العباس ، وعمربن الخطاب إلى جانبه، وطائفة من المؤمنين يشيعون الغلام ..وصل الموكب إلى البقيع حيث د ُفن إبراهيم بعد أن صلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ ثم وقف على لحْدِه ويأخذ حفنة من التراب وينثرها على القبر ويقول " منها خلقناكم ، وفيها نعيدكم ، ومنها نخرجكم تارة أخرى " ثم يلقن إبنه الشهادة ويقول "ياإبراهيم ..قل الله ربى ، ورسول الله أبى ، والإسلام دينى " وهنا فى هذه اللحظة الخاشعة..إذا بصوت يجهش بالبكاء ، صوت ما عُرِف عنه الهَلَعْ والخوف إلا فى جنب الله ..صوت عمر بن الخطاب رضى الله عنه حيث قال "يارسول الله هذا ولدك ما بَلغَ الحُلمُ ْ، وما جَرىَ عليه القلم ، ولايحتاج إلى تلقين ، فما بال عمر؟! فما بال عمر؟! وليس له مُلقن مثلك"قبكى النبى وأصحابه يواسونه محاولين تخفيف المصاب فقال صلى الله عليه وسلم "ما عن الحزن نهيت ؛ وإنما نهيت العويل واللطم وشق الجيوب ، ومن لم يَرْحم لايّرْحَم "، وحدث أن غامت الشمس يوم وفاة إبراهيم ،ووجد بعض الناس فى ذلك معجزة ، فقال :- قائل منهم إنكسفت الشمس بموت إبراهيم ؛ فرد على الناس قائلا ً "إن الشمس والقمرآيتان من آيات الله لاينخسفا لموت أحد ؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ، وأدعوه حتى ينكشف عنكم " فأعَْظِم به من جَلَد ، وأعْظِم به من صَبْر ، وأعْظِم به من نبى ؛ فهو أكثر الأنبياء إبتلاء صلاة وسلاما عليك ياخير رُسْل الله الكرام .
سلّمت ماريه رضى الله عنها أمرها لله تبارك وتعالى ، ولم تكن لتملك أن ترُدَّ دموعها الصَّامته كلما لاحت ذكرى وليدها فى نفسها ، وإستمرت على صبرها ورضاها بقضاء الله وقدره ؛ حتى جاءها ما هو أعظم من فقد إبراهيم إلا َّ ورحيل أبو إبراهيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان الأمر أعظم وأشد .
جاء الخلفاء الراشدون من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظون للسيدة مارية رضى الله عنها ويصِلونها وينفقون عليها من بيت المال ويقضون حوائجها وفاءًا منهم لِنبيِّهم صلى الله عليه وسلم سواء فى عهد أبى بكر أوفى عهد عمر رضى الله عنهما .
ولما كان العام السادس عشر من الهجرة ..مرضت رضى الله عنها وأسلمت روحها لبارئها ودفنت بالبقيع بجوار وليدها ، رحمها الله رحمة واسعة ورضى الله عنها وأرضاها .
قصدت أن أعرض لسيرة ماريا القبطية رضى الله عنها لما فيها من عِبَرْ ومواعظ جَمََّة ، لعلنا ، نأخذ منها دروس فى الصبر على البلاء والرضا بالقضاء فقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم سلسلة متصلة من الإبتلاءات منذ بعثته وحتى إنتقاله إلى الرفيق الأعلى ...صلاة وسلاما ً على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
هذا مُوجزٌ لخطبة يوم الجمعة بأحد مساجد الإسكندرية .