المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المقام المحمود


النهر الأزرق
27-04-2010, 08:51 AM
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

قال لى أحد الصالحين : إننا نحيىِّ ربَّنا جل شأنه ونحن جلوس فى صلواتنا أليس كذلك ؟ قلت ، نعم عقب الكوع والسجود ، نهمس وأيدينا على الرُّكب ، التحيَّات لله .. قال : ثم نتوجه إلى الرسول بالسلام بصيغة المُخاطب الحاضر.
نقول - وكأن الكلام لشخص قريب منا – السلام عليك أيُّها النبى ورحمة الله وبركاته .. !! قلت : أجل كذلك نفعل ، على بُعْد المكان والزمان بيننا وبين هذا الرسول الكريم ! قال: إن السلام أفرغ فى تلك الصيغة قصدا ً، لأن النبى يجب أن يكون حيًّا فى ضمير كل مؤمن ، يجب أن ينتصب له مثال مرموق فى وعى المسلم اليقظ تتحقق فيه ملامح الصورة الذاهبة ! وهل تؤخذ الأسوة الواجبة ألا فى هذا الإستحضار الدائم ؟ .. والمسلم عندما يقول فى صلواته السلام عليك أيُّها النبى ورحمة الله وبركاته إنما يقترب من إمامه الأعظم الذى أمره الله أن يتأسَّى به، وأن يسْعى فى ركابه : " لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ً ".
واسترسل الرجل الصالح فى عاطفته المهتاجة وأخذ يشرح لى ما يعنى قال : إن الشمس فى رائعة النهار لاتعتبر غائبة عن بصر ، وتستطيع كل مِرْآة مَجْلوَّة الصفحة أن تعكس صورة لِقرْصِها أو لهالتها ، أو لأشعَّتها ، ومحمد صلى الله عليه وسلم فى عالم اليقين والخلق ، شمس لها بريق ، ولايغيم لها ضوء . والمهم أن يكون لك فؤاد مصقول يستطيع إستقبال هذا النور فى حناياه ، والإستهداء به فى دروب الحياة . إن القدوة الطيبة تقوم على إستحضار المثل الأعلى فى الذهن ، ومحاولة السير على غراره ، والائتناس بهذا المثل الأعلى هو الذى يلهج الألسنة بعد تحية الله تبارك وتعالى بالسلام على رسوله .. سلام حضور لاسلام غيبة .. السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . ومحمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مَعْقد الحقائق التى يصلح العالم بها من أزله إلى أبده والتعاليم التى جاء بها لايستغنى عنها الأولون واآخرون إلا إذا استغنت الأكوان عن نظام الجاذبية وسائر السنن العامة . وكان حقا على العالم كله أن يُصدِّق بهذه البعثة العامة ، ولكن العالم تنكر وتطاول على رجلها الكبير . وعندى أن الشفاعة العظمى – التى جاءت السنن بثبوتها لرسول الله – لا تعْدو أن تكون لوْنا من تأديب البشر كافة على موقفهم السابق من نبى اٌسلام ، فإن رسول أى عظيم يستحق من التوقير واٌعزاز بقدْر ما لمُرْسِله من مكانة ، والرجل – أرسله ربُّ العالمين – كان يجب أن يَلقى من التكرمّة ما يرْفع ذكره ويعلى شأنه ، غير أن تواصُّوا بالصدِّعنه ، وجَحَْد دعوته ، ورغبوا عن الحق الذى معه وبخسوا قيمته ، ثم تتابعت الأجيال ، والخلَف فى أغلب الأحيان يتوارثون عن سلفهم التكذيب الشنيع ! و كأن الله تبارك اسمه شاء أن يعرف هذه الأمم مدى ما كان فيها من غباوة ، وأن يُذيقها شيْئا ً من مرارة الجريمة التى ارتكبتها ، فهو فى ساحة العرض الشامل لأصناف الخلائق ، يحشر الناس – أولهم وآخرهم – فى صعيد واحد ثم يكشف الغطاء عن عيونهم وإذا بهم يتبينون فداحة جهلهم بالله الكبير المتعال ويتبينون شتاعة خصامهم ٌلإمام الرسالة ..! وتتحرك جموعهم إلى نبى سمعوا بإسمه فى العالم الذى إنتهى ، يناشدونه أن يسأل الله لهم الرحمة ، ولكن كل النبيين يرفضون التصدى لهذا المطلب ، ويعود هؤلاء الناس متراكضين إلى الرجل الذى طالما قيل لهم إنه كذاب !
فالشفاعة العظمى - فى نظرى – موقف يحاكم فيه التاريخ البشرى كله ، ليعترف أن إنصرافه عن الإسلام كان مشاقة الله ، وعداء لأحب أوليائه ، وأصدق دُعاته .. والتجاء أهل الأرض إلى محمد فى تلك الساعة العصيبة ، ولجوؤه إلى الله يطلب مغفرته للعبيد الأغرار ، ذلك ، فى ظنى – هو المقام المحمود ، المقام الذى نسأله لمحمد صلى الله عليه وسلم عقب كل أذان يتردد صداه فى مهب الريح ، فيستجيب له قوم ، وينصرف عنه آخرون : " اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته إنك لاتخلف الميعاد ".