المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبد الحميد الكاتب


المراقب العام
10-07-2018, 06:15 AM
https://islamstory.com/images/upload/content/2126007955abdel-hameed-al-kateb.jpg

عبد الحميد الكاتب شخصيَّة غريبة في تاريخ التراث الأدبي عند العرب، وحياته غامضة أشدَّ الغموض؛ لأنَّ الخلافة العباسيَّة أسدلت عليه سحبًا كثيفةً من الإهمال والنسيان باعتباره الكاتب السياسي الأوَّل لدولة بني أميَّة، ولقَّبه الجاحظ في كتابه المشهور "البيان والتبيين" بعبد الحميد الكاتب أو الأكبر، ويُعظِّم النقاد العرب من منزلته في الأدب العربي، فيقولون فيه "بدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتِمت بابن العميد".

نشأة عبد الحميد الكاتب

وكان أبوه يُسمَّى يحيى [يحيى بن سعيد العامري] من سلالة غير عربيَّة، من أهل الشام الذين دخلوا في الإسلام وتعلَّموا العربيَّة، ولا يُعرف متى ولا أين وُلِد عبد الحميد في أرض الشام، وإن كان من المرجَّح أنَّه وُلِد في خلافة الوليد بن عبد الملك (86-96هـ= 705-715م)، في دمشق أو قريبًا منها.
وكانت الدولة آنذاك للأمويِّين وعاصمتهم السياسيَّة مدينة دمشق، التي بنوا فيها المساجد والمدارس والقصور، وأنشأوا فيها الحدائق والدواوين والحصون والقلاع، وأصابها من عناية الأمويِّين ما صارت به قبلة الناس من كلِّ صوبٍ وحدب، فاتَّسع عمرانها، وصُبِغت بصبغةٍ حضاريَّةٍ واضحة المعالم، وصارت موطنًا رفيعًا من مواطن الثقافة والأدب في العالم الإسلامي، ووفد إليها الناس في مختلف شئونهم، وأضحت تُعدُّ من أعظم مدن العالم وأجملها، ونَعِمَ سكَّانُها بالعدل والأمن والثراء، ونَعِمَت كلُّ العناصر الأجنبيَّة فيها بالحرِّيَّة، وعاملهم المسلمون بالتَّسامح، حتى رضوا بسلطان العرب، وطرحوا المسيحيَّة ودخلوا الإسلام كما يقول غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب": "وكانت الشام أحد الأقاليم الكبرى في الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة آنذاك، وتشمل: فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وقنسرين. وتتَّصل بإقليم العراق وبإقليم الجزيرة وأرمينيَّة بصلاتٍ وثيقة".
وفي ظلِّ الأمويين اتَّصل الفكر العربي بالثقافة والآداب الإغريقيَّة والرومانيَّة في الشام ومصر، وكان الأدب الروماني السائد فيهما قُبيل الفتح العربي تطويرًا جديدًا للآداب اليونانيَّة في عصرها الإسكندري الروماني؛ هذا العصر الذي يبدأ بدخول أثينا في حكم الرومان في القرن الأوَّل قبل الميلاد، وينتهي بـ الفتح الإسلامي لهذه البلاد في النصف الأوَّل من القرن السابع الميلادي، كما اتَّصل العقل العربي كذلك في مدن العراق بالثقافة الفارسيَّة القديمة خاصَّةً في مدينة البصرة المشهورة، وكان ملوك إيران وخاصَّةً سابور بن أردشير في أواسط القرن الثالث الميلادي، وكسرى أنوشروان (531-578م) قد بذلوا كثيرًا من الجهد في نقل الثقافة الإغريقيَّة إلى ثقافة بلادهم، وقام التراجمة السريانيُّون بذلك العبء؛ حيث نقلوها أوَّلًا إلى الفارسيَّة، ثم نقلوها إلى لسانهم السرياني، ونقلوها أخيرًا إلى اللغة العربيَّة في ظلال العصر الإسلامي وفي عهد الأمويِّين والعبَّاسيِّين.

ثقافة عبد الحميد الكاتب

تعلَّم عبد الحميد الكاتب اللغة العربيَّة وبلاغة العرب وتفوَّق فيهما، فسلس لسانه، وجادت لغته، وظهرت مواهبه في الأدب والبلاغة والبيان والخطابة والكتابة، وعمل في أوَّل أمره معلِّمًا، وتنقَّل في البلدان، وكانت ثقافة الأدب في أيَّامه مزيجًا من الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة، ومن التاريخ والأنساب والقصص والسير ومعرفة أيَّام العرب وتاريخ العجم، وأحيانًا يُضاف إلى ذلك ثقافة أجنبيَّة؛ كالثقافة الفارسيَّة، أوالإغريقيَّة، أوالرومانيَّة، أوالمصريَّة القديمة، أوالهنديَّة. وفي رسالة عبد الحميد إلى الكتَّاب ما يُوضِّح لنا أصول الثقافة الأدبيَّة قي عصره.
وقد تتلمذ عبد الحميد في الكتابة على أبي العلاء سالم الكاتب السياسي لـ هشام بن عبد الملك (105–125هـ= 72-743م)، ويروي ابن النديم في "الفهرست" أنَّ أبا العلاء نقل إلى العربيَّة رسائل أرسطو إلى الإسكندر وذلك يدلُّ على تضلُّعه في الثقافة والأدب واللغة اليونانيَّة، وكان أبو العلاء من الواضعين لنظام الرسائل الأدبيَّة ولتقاليد الكتابة الفنِّيَّة، وله رسائل كثيرة كما يذكر ابن النديم، وكان صهرًا لعبد الحميد؛ إذ كان زوج أخته. وكان جبلة بن سالم يتولَّى الكتابة السياسيَّة في ديوان الرسائل لهشام -أيضًا- وصديقًا حميمًا لعبد الحميد الكاتب، وكان جبلة يعرف الفارسيَّة، وهو أحد المترجمين منها إلى العربيَّة، كما كان صديقًا حميمًا لعبد الحميد ابن المقفع (106-142هـ= 715-760م)، وابن المقفع فارسي الأصل وأحد المترجمين من اللغة الفارسيَّة إلى اللسان العربي كذلك، وذلك كله يدعنا نُرجِّح أنَّ عبد الحميد إلى جانب ثقافته العربيَّة كان يعرف اليونانيَّة والفارسيَّة.
وزكي مبارك في كتابه "النثر الفني" يُرجِّح أنَّ عبد الحميد كان يُجيد الفارسيَّة ويعرف آدابها وينقل منها إلى العربيَّة، ويُؤيِّد ذلك قول أبي هلال العسكري (ت 395هـ=1005م) في كتابيه "الصناعتين" و"ديوان المعاني": إنَّ أبا هلال استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها من اللسان الفارسي فحوَّلها إلى اللسان العرب. ويقول زكي مبارك: إنَّ عبد الحميد أوَّل من نقل تقاليد الفرس إلى الكتابة العربيَّة". ويُؤيِّد الدكتور طه حسين في كتابه "من حديث الشعر والنثر" أنَّ عبد الحميد كان شديد الاتِّصال بثقافة اليونان، متأثِّرًا بها أشدَّ التأثير في فصوله الأدبيَّة.

الكاتب السياسي لمروان بن محمد

وذاعت شهرة عبد الحميد الكاتب وعرفت مواهبه الأدبيَّة وثقافته الكثيرة، فقرَّبه إليه الأمير الأموي مروان بن محمد حاكم إقليم الجزيرة وأرمينيَّة، هذا الإقليم الغني الممتدُّ الأطراف الذي كان يشمل بلاد الموصل وأذربيجان وولايات أرمينيَّة، وكان مروان قد تولَّى الإمارة على الإقليم بعد وفاة والده محمد مروان الأموي، ولم يلبث الأمير مروان أن قاد جيشًا كثيفًا من أبناء الجزيرة وأرمينيَّة وزحف على الشام فاستولى على أكثر مدنه، ثم زحف على دمشق ودخلها وتولَّى أمور الخلافة الأمويَّة عام (126هـ=744م).
كان عبد الحميد يتولَّى شئون ديوان الرسائل للأمير مروان بن محمد أثناء ولايته للجزيرة وأرمينيَّة، وصار وثيق الصلة به، وازدادت مكانته عنده، ومنحه الأمير ثقته الكبيرة التي كان عبد الحميد جديرًا بها، وصدرت عنه رسائل سياسيَّة كثيرة في ذلك العهد، ولمـَّا أُخِذَت البيعة لمروان في جميع مدن الشام بخلافة المسلمين سجد مروان شكرًا لله، وسجد أصحابه إلَّا عبد الحميد، فقال له مروان: لِمَ لا تسجد؟! فقال: أعلى إن كنت معنا فطرت عنَّا؟ قال مروان: إِذَنْ تطير معنا، قال: الآن طاب لي السجود وسجد، وصار عبد الحميد الكاتب بعد أن تولَّى مروان الخلافة رئيسًا لديوان الرسائل في دمشق والكاتب الأوَّل للخليفة الجديد وصدرت عنه رسائل أدبيَّة وسياسيَّة نالت شهرةً فنِّيَّةً كبيرة.

عبد الحميد الكاتب والزحف العباسي

شاهد عبد الحميد كلَّ الأحداث السياسيَّة التي مرَّت بالعرش الأموي في أثناء حكم مروان بن محمد (126-132هـ= 744-750م)، ورأى أنَّ الزحف العباسي الكبير الذي بدأ من خراسان واستمرَّ حتى نهر الزاب الذي بلغته قوَّات العبَّاسيِّين في جمادى الآخرة عام 132هـ، وبلغته أنباء المعركة الكبرى التي دارت على نهر الزاب بين جيوش الخليفة مروان وجيش الموت من العباسيِّين، بل شاهد غمارها بنفسه، وقد انتهى بهزيمة مروان وجيشه في أوائل رجب عام 132هـ، وهرب مروان إلى الشام فحصر، وهرب كاتبه وصديقه عبد الحميد إلى البحرين، ودخل العبَّاسيُّون دمشق واستولوا على قصور الأمويِّين وكنوزهم، وجدُّوا في تشريد الأمويِّين والقضاء عليهم في كلِّ مكانٍ وعلى أنصارهم في جميع مدن الشام، وكذلك جدُّوا في البحث عن مروان بن محمد حتى قبضوا عليه في بلدة بوصير من أعمال الجيزة وقتلوه، لليلتين بقيتا من ذي الحجة عام (132هـ=750م)، وكان مروان قد أمر خادمًا له أن يدفن في الصحراء خاتم النبي صلوات الله عليه وبردته وعصاه، وكان يعتزُّ بها خلفاء بني أميَّة، وذلك حين فاجأته جيوش العباسيِّين، وقبضوا على الخادم وقُدِّم للقتل، فطلب إليهم أن يضمنوا حياته ليكشف لهم عن مكان هذا الكنز الإسلامي الكبير، وفعلوا، فأرشدهم إلى مكانه، فأخذوه وبعثوا به إلى أبي العباس السفَّاح الخليفة العباسي في العراق، الذي أُطلق عليه لقب السفاح لكثرة من قتل من الأمويِّين وأنصارهم.
وأمَّا بنات مروان وجواريه فقد أُخِذْن بعد قتل أبيهنَّ إلى صالح بن علي، فتكلَّمت أمامه بنته الكبرى (أم مروان) تسأله العفو وأن يلحقهن بحراَّن -مدينة مروان المفضلة في حياته- ففعل، فأخذن يبكين مروان عند دخولهنَّ إليها بكاءً مريرًا، كما يروي المسعودي في الجزء الثاني من تاريخه "مروج الذهب"، وأمَّا أولاد مروان: عبد الله ولي عهده وقائده في أكثر الوقائع، وعبيد الله وغيرهما، فقد هربوا إلى النوبة فالحبشة في جماعةٍ من الأمويِّين، وقتل عبد الله هناك ونجا عبيد الله كما يذكر الطبري في الجزء التاسع من تاريخه، ويذكر ابن الأثير أنَّ المقتول هو عبيد الله، وأمَّا مزنة امرأة مروان فتظهر في بغداد عام 160هـ في قصر الخليفة المهدي أمام الخيزران في ثوبٍ مرقَّعٍ تستر به جزءًا من جسدها إلَّا انكشف جزءٌ آخر مع الجمال والعظمة وسوء المظهر وشقاء الحال، كما يذكر التنُّوخي في كتابه "الفرج بعد الشِّدَّة".

رسالة من عبد الحميد الكاتب إلى أسرته

بعد معركة الزاب وهزيمة مروان، ومعه عبد الحميد بن يحيى الكاتب، كتب هذا العبقري العظيم إلى أسرته رسالةً مؤثِّرةً يقول فيها:
"أمَّا بعد، فإنَّ الله تعالى جعل الدنيا محفوفةً بالمكاره والشرور، فمن ساعده الحظُّ فيها سكن إليها، ومن عضَّته بنابها ذمَّها ساخطًا عليها، وشكاها متزايدًا لها، وقد كانت أذاقتنا أفاويق استحليناها، ثم جمحت بنا نافرةً ورمحتنا مولية، فملح عذبها وخشن لينها، فأبعدتنا عن الأوطان وفرَّقتنا عن الإخوان، فالدار نازحة، والطير بارحة، وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدًا وإليكم وجدًا، فإن تتمَّ ليلةٌ إلى آخر مدَّتها بكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم نرجع إليكم بذلِّ الإسار، والذلُّ شرُّ جار، نسأل الله الذي يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء أن يَهِبَ لنا ولكم ألفةً جامعةً في دارٍ آمنة، تجمع سلامة الأبدان والأديان، فإنَّه رب العالمين وأرحم الراحمين".
رسالة كلُّها بكاء ودموع وحيرة، ولا يرى فيها عبد الحميد من خلال الأحداث إلا القتل أو الأسر، وهو يُودع أسرته فيها وداعًا مؤثِّرًا، ولا نعلم من أمر أسرته شيئًا لأنَّ التاريخ لم يعنِ بها ولا يربها منذ يوم الهزيمة المروِّعة، هزيمة القائد في المعركة التي خسر فيها كلَّ شيءٍ حتى حياته، وألحَّ مروان على صديقه عبد الحميد أن يهرب فقد ينجو من القتل، أو أن ينضمَّ إلى أعدائه من العباسيِّين، فقد يستطيع أن يُقدِّم خدمةً للخليفة المهزوم، وقال له مروان: إنَّ إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن الظنِّ فيك، فاستأمن إليهم وأظهر العذر بي، فبذلك تنفعني في حياتي أو بعد مماتي. قال عبد الحيمد:
أُسِرُّ وَفَاءً ثُمَّ أُظْهِرُ غَدْرَةً *** فَمَنْ لِي بِعُذْرٍ يُوِسِعُ النَّاسَ ظَاهِرُهُ.


يا أمير المؤمنين: إنَّ الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي، ولكنِّي سأصبر حتى يفتح الله عليك أو أُقتل معك. ولمـَّا ضاق بهما الأمر دعاه مروان إلى الهرب وأصرَّ مروان على رأيه، فاختفى عبد الحميد هاربًا واختفى عند صديقه ابن المقفَّع.

عبد الحميد الكاتب وابن المقفع ومقتلهما

كان صديقه عبد الله بن المقفَّع في العراق يكتب لداود بن هبيرة حاكم العراق من قِبَل مروان، وكان ابن المقفَّع يزور دمشق وعبد الحميد الكاتب أحيانًا إذا سار إلى عاصمة الأمويِّين مع أميره العظيم.
ولمـَّا اكتسحت جيوش العباسيِّين العراق قتلوا داود وأهله فيمن قتلوهم، ونجا ابن المقفَّع في البحرين، ولجأ إليه هناك صديقه عبد الحميد الكاتب وأقام عنده في داره، ولكنَّ عيون العباسيين عرفت مكانه، ففاجأه الطلب وهو في دار المقفَّع، وهنا تظهر عظمة الرجلين المفكِّرين الكبيرين الذين ظلَّا على الأجيال حتى اليوم فخرًا للفكر العربي، قال الجند وهم شاكو السلاح: أيُّكما عبد الحميد؟ فقال: أنا. كلٌّ منهما؛ إشفاقًا على صديقه. وأوشك الجند أن يفتكوا بابن المقفع، لولا أن صاح بهم عبد الحميد قائلًا: ترفَّقوا بنا فإنَّ لكلٍّ منَّا علامات، فوكِّلوا بنا بعضكم وليمضِ البعض الآخر إلى من وجَّهكم ليذكر له تلك العلامات، فلم يجد الجند مناصًا من ذلك، وفعلوا وعادوا بأوصاف عبد الحميد كاملة، فقبضوا عليه، وقُتل عام (132هـ=750م).
وهكذا خسر الفكر والأدب العربي أعظم رجاله وأروع شخصيَّة يعتزُّ بها تراثنا العقلي على مدِّ العصور، وكذلك كان حظُّ ابن المقفَّع فقد استمهله القدر عشرة أعوام، قُتِل عام (142هـ=760م) في عهد الخليفة المنصور العباسي.

نماذج من كتابات عبد الحميد الكاتب ورسائله

كان عبد الحميد عبقريَّة كبيرة وذهنًا لمـَّاحًا، وذكاءً خصبًا، وأدبًا جمًّا، ونبلًا موفورًا، وملكًا في ثيابٍ عربي، مع ثقافةٍ واسعة، وعلمٍ بسياسة الدولة وشتَّى أمورها، وأدرك لكلِّ مسئوليَّات الرجل السياسي وواجباته، ومع قدرةٍ فائقةٍ على تملُّك ناحية البيان وزمام التأثير، وروعة التعبير، ويُروَى عنه أنَّه حين ظهرت الدَّعة إلى العباسيِّين في خراسان بقيادة أبى مسلم الخراسانى الفارسي زعيم الدعاة، كتب عبد الحميد إليه على لسان الخليفة الأموي مروان بن محمد كتابًا يستميله فيه إلى جانب الأمويِّين، وحمل الكتاب على جملٍ لكبر حجمه، وقال عبد الحميد للخليفة: "لقد كتبت كتابًا متى قرأه بطل تدبيره، فإنَّ به ذلك، وإلَّا فالهلاك". فلمَّا وصل الكتاب إلى أبي مسلم أمر بإحراقه قبل أن يقرأه وكتب على جذاذة منه:
"مَحَا السَّيْفُ أَسْطَارَ الْبَلَاغَةِ وَانْتَحَى *** عَلَيْكَ لِيُوثُ الْغَابِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ".


وهذا يدلُّنا على عظمة كتابات عبد الحميد السياسيَّة التي كانت بمثابة مقالات الصحف اليوميَّة السياسيَّة الذائعة الصيت، وكان عبد الحميد يقدر على تصوير المعنى تصويرًا بارعًا لا يقدر عليه أحدٌ من الكتاب، أهدى والٍ من ولاة مروان إلى الخليفة عبدًا أسودًا، فطلب مروان من عبد الحميد أن يكتب إليه متهكِّما، فبعث إليه عبد الحميد برسالةٍ موجزةٍ أشدَّ الإيجاز يقول فيها: "لو وجدت لونًا شرًّا من السواد وعددًا أقلَّ من الواحد، لأهديته". وبراعته أو قدرته على الإيجاز مشهورة، كتب يُوصِي بشخصٍ: "حقُّ مُوصِلِ كتابي إليك عليك، كحقِّه عليَّ؛ إذ جعلك موضعًا لأمله، ورآني أهلًا لحاجته، وقد أنجزت حاجته فصدِّقه أمله".

أول من وضع الأصول الفنية في الأدب العربي

إنَّ عبد الحميد كان جديرًا أن يُعدَّ في عصره وبعد عصره شيخ الكتَّاب وإمام المنشئين والمترسِّلين في الأدب العربي؛ فقد كان أمَّة وحده في بلاغة العبارة، ورصانة الأسلوب، ودقَّة المعاني ولطفها، وعظمة الخيال وروعته، وشدة التأثير، وامتلاك ناحية البيان، وكان يُفصِّل جمله تفصيلًا ، ويزنها أحيانًا بقليلٍ من السجع، ويُحلِّيها بألوانٍ من الوشى الفتيِّ المطبوع.
ويرى الدكتور طه حسين وبعض النقَّاد أنَّ عبد الحميد هو الذي ظهر على يديه النثر الفني في الأدب العربي، وهو الذي أنشأ الكتابة الفنِّيَّة إنشاءً في اللغة العربيَّة، هذه الكتابة التي يعتقد فيها الكاتب على التحبير والتنميق؛ إذ لم تظهر في رأيهم في العصر الجاهلي ولا في عصر صدر الإسلام، وإن كان بعض مقدِّماتها وعناصرها قد أخذ في الظهور في عهد الخلفاء الراشدين، أمَّا هي جملةً فقد تأخَّرت إلى العصر الأموي لتظهر في رأيهم على يدي عبد الحميد الكاتب، بتأثير الثقافة اليونانيَّة فيه كما يقول الدكتور طه؛ فهو الذي ترك آثارًا كبيرةً في نهضة الكتابة وتحوُّلها إلى صناعةٍ فنِّيَّةٍ لها منهاجها وأصولها وتقاليدها الأدبيَّة، ولها نظامها في البدء والختام.
وكان لذوقه الحسَّاس أثرٌ كبيرٌ في اتِّسام الكتابة بالسهولة والوضوح، وفي البعد عن الغريب والوحشي، والتعقيد والتنافر، وتفكُّك المعاني والأفكار، فاشتدَّت الصلة بين كلِّ جملةٍ وأختها، وقل الاقتضاب والاعتراض بين أجزاء الكلام، ويرى الأستاذ مرسيه الفرنسي والمستشرق الإنجليزي جب في كتابه "تراث الإسلام": أنَّ النثر الفني يبتدئ بابن المقفع وأنَّ القرن الأوَّل الهجري لم يكن فيه نثرٌ يُعتدُّ به، إنَّما كان الشأن فيه للشعر، وابن المقفَّع في رأيهما ورأي تلاميذهما أوَّل ممثِّلٍ للتطوُّرات الجديدة في الإنشاء العربي، وأوَّل مؤلِّفٍ للكتابة الفنِّيَّة الأدبيَّة.
ولكن جمهرةً كبيرةً من النقاد العرب القدامى والمحدثين ومن بعض المستشرقين تصرُّ على أنَّ النثر الفني ظهر في الجاهليَّة، واستحكمت نهضته بنزول القرآن الكريم، وبالحديث النبوي الشريف، وببلاغات البلغاء في صدر الإسلام من خلفاء وقوَّاد وولاة وغيرهم، "ونهج البلاغة" مشهور مقامه في النثر الفني، وإن زعم البعض أنَّ الشريف الرضي انتحله فإنَّ فيه نصوصًا لا يُمكن أن يُقال عنها إنَّها منتحله، وكثيرٌ من الأمم القديمة كان لها نثرٌ فنِّيٌّ قبل الميلاد بكثير؛ كاليونان والرومان والفرس والمصريين القدماء، فلِمَ لا يكون للعرب نثرٌ فنِّيٌّ بعد الميلاد بخمسة قرون؟
ويبعد الدكتور طه القرآن الكريم عن مجال الاحتجاج في هذه الخصومة الأدبيَّة، وإن كان القرآن في الذروة العليا من النثر الفني، والنثر الفني في الآداب الأوربيَّة لم يزدهر بين عشيَّةٍ وضحاها؛ بل تطوَّر من عصرٍ إلى عصر حتى بلغ غاية نهضته وازدهاره، فَلِمَ لا يكون كذلك في الأدب العربي؟ بدليل أن النثر الفني عند ابن المقفع هونثر متقدم حي خلاق وليس بدائيا، وتشك كل شك في أن ابن المقفع كتب هذا النثر الفني الرفيع دون أن يكون له سابقون في تاريخ الأدب العربي القديم.
النثر الفني وجد قبل القرآن وصاحب نزول القرآن وتأثر به تأثرا عظيما ثم اتصل العرب بالآداب الأجنبية التي ظهرت آثارها في كتابهم الأدبية منذ أوالقرن الثاني الهجري على يدي عبد الحميد وابن المقفع، والأحوال الاجتماعية الجاهلية التي يرى الدكتور طه أنها لم تكن تساعد على نشأة النثر الفني لا يمكن أن يشترك فيها عرب نجد وعرب الحجاز في الحكم على حد سواء، فإذا جاز لنا أن نقول عن العرب النجديين القدماء أن حياتهم لم تكن تساعد على إنشاء النثر الفني فإنه لا يجوز لنا أن نذهب هذا المذهب ونحكم به على عرب الحجاز القرشيين الذي عرفوا الحكومة السياسية المنظمة وطبقوها في مكة، والذين عاشوا في ظلال ترف ورخاء وألوان حضارية من العيش كثيرة.

أثر عبد الحميد الكاتب في الكتابة الأدبية

إنَّ عبد الحميد بلا ريب كان ذا أثرٍ كبيرٍ في الكتابة الأدبية في عصره؛ فهو الذي سهَّل سبيل البلاغة في الترسل، وعنه أخذ المترسلون وهو أحد الذين كتبوا الفصول الأدبية كما كان يفهمها علماء البيان من اليونانية كما يقول الدكتور طه، وهو أوَّل من فتق أكمام البلاغة وسهَّل طرقها وفكَّ رقاب الشعر، وآلت إليه زعامة الكتابة، فمهد سبلها ووضع معالمها ورسم رسومًا خاصَّةً في بدئها وختامها والإطناب فيها مرَّة وإيجاز أخرى، فكان شيخ الكتابة، وبحقِّ ما قيل: "بدئت الكتابة بعد الحميد".

وقد ساعد عبد الحميد على إحداث هذا التأثير الأدبي الكبير الذي ظهر في صورة مذهب فني جديد في الكتابة ما يلي:
1- نضج الثقافة العربية الإسلامية من علوم الدين واللغة والأدب، وإقبال الكتاب عليها وتمثلهم لها واحتذاؤها حذوهم.
2- رواية أصول الأدب العربي شعرا ونثرا وخطابة ووصاية وحكما وأمثالا وسجعا وقصصا وإخبارا وأنسابا، والعكوف على استظهارها كذلك، ومحاكتها وعلى استظهار الشعر الجاهلي والأسمى كذلك، وخطب الرسول ووصاياه وخطب الخلفاء والصحابة وبلاغات البلغاء وحكمهم ومأثور كلامهم، حتى عصر عبد الحميد، وبخاصة خطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحكمه.
3- أثر القرآن الكريم والحديث النبوي في تهذيب الألسنة وترقيق الطباع ووضوح الملكات.
4- اتصال العقل العربي بالآداب الأجنبية وتأثره بثقافات الفرس واليونان والرومان والهند وغيرهم.
5- الغاية بكتابة الرسائل، وجعلها صناعة فنية عتيدة إلى جانب اتساع أعمال الدولة، وديوان الرسائل الذي كان يتزعمه كبار الأدباء والكتاب ممن أنشأوا الرسائل البليغة على ألسنة الخلفاء والأمراء.

وقد استطاع عبد الحميد أن يتصرَّف في نثره الفني تصرُّفًا ذكيًّا يجمع بين طرفي الإيجاز والإطناب ويُراعي شتَّى الأحوال والمقامات، وكان لقدرته على الإيجاز في موضعه والإطناب في موضعه يتخيَّر لكلٍّ منهما محلَّه الذي يُناسبه؛ فيُطنب في الإخبار بالفتوح والحث على الجهاد وفي الوعد والوعيد، ويوجز في أخبار الهزائم ووصف الأعداء، كما أطال في فواتح رسائله الأدبية وخواتيمها بما يُعدُّ جديدًا في هذا العصر، كالإتيان بكثيرٍ من التحميدات في أساليب متنوعة وصور مختلفة، وكالبدء ببسم الله ثم اتباعها الحمد لله، فاصلًا بينهما بأمَّا بعد، وغير ذلك. وبهذا عُدَّ عبد الحميد من أوائل من وضعوا الأصول والتقاليد الفنية في النثر الفني العربي وفحالته الأدبية.
وقد أكثر عبد الحميد من الرسائل الإخوانية التي ينشئها الكتاب البلغاء فتحمل ما في قلوبهم من مودة وإخاء، وتصور ما تجيش به مشاعرهم من مختلف العواطف والنزعات، وتعبر عما يتردد في نفوسهم من آراء وأفكار في أسلوب رائق ولفظ جميل وتصوير مؤثر ..

كتاب رسائل عبد الحميد الكاتب

ولبعد الحميد رسائل بليغة ذكر ابن النديم أنها تجتمع في ألف ورقة لم يصل إلينا منها إلا القليل. وفي دار الكتب المصرية رسالة تنسب إليه، وقد جمع محمد كرد علي في كتابه رسائل البلغاء كثيرا من الفصول الأدبية التي تروى لعبد الحميد، وقد ذاعت طريقة عبد الحميد وابن المقفع في توخي السهولة وسلامة التعبير مع العناية بإجادة المعنى بين الكتاب في عصرهما وفي العصور الأدبية كلها.
وهكذا مات العبقري الكبير، وذهب الزمان بجل آثاره الأدبية والفكرية والسياسية، وخسر الأدب العربي بذلك خسارة فادحة.
_____________________
المصدر: مجلة دعوة الحق المغربية، السنة العاشرة، العدد (118)، 1412هـ / 1991م.