المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلم امرك لله وانطلق...................


نبيل القيسي
21-12-2018, 06:48 AM
فاجئنا الحياة بأمورٍ جلل، قد نعترض على بعضها، ونسلِّم ببعضها الآخر؛ لكن يا تُرى هل فكرنا مليًّا؛ لماذا نصهر بهذه الاختبارات؟



هل أدركنا أن وراء كل بلاء نعمةً، وأن كل محنة تحمل في ثناياها منحة، وأن كل ظلمة تدخل حياتنا سينبثق بعدها نورٌ وأمان يحيط بنا؟



إذا أدركنا أن بعد الظلمة نورًا، ومن الموت ستولد حياة سعيدة، ومن الأتراح سيأتي عالم من الأفراح، وأن الفشل سيَعقُبُه نجاح، عندها فقط نكون قد أيقنَّا أن الله تعالى معنا، وأنه يحفَظنا بعينه التي لا تنام، ولُطفه الخفي الذي قد لا نُدركه، لكنه يملأ الأرجاء.



ولكي نصِل إلى هذه المرحلة من التسليم لله تعالى؛ لا بد أن نطهِّر قلوبنا من الأدران والذنوب، ولا يكون ذلك إلا بالقرب منه سبحانه، وعدم تعليقها إلا بالله وحده، لا بغيره من البشر، وأن تكون عامرة بحبِّه، مستسلمةً، خاضعة له، قلوب ساجدة لله راضية بقضائه وقدره.



فما أجمل القلب عندما يكون حديقة غنَّاء، ثمارها حبُّ الله وطاعته؛ عندها فقط سيرى كل ما حوله جميلًا، وكل بلاء يمر به سيكون جسرَ عبورٍ لحياة أنقى وأطهر.



الابتلاءات التي نتعرض لها ما هي إلا عملية تطهير عميقة لأنفسنا، وهي التي تجمِّلنا بخُلق الصبر، حتى نخرج منها ونحن أكثر قوة وإصرارًا على العطاء، وتكون سببًا للتنعُّم بجنة الخلد؛ حيث لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ قال تعالى في كتابه الحكيم: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142].



عندما نفكِّر في هذا الكون، وما يحتويه من أسرار عجيبة، وما يجري فيه من أحداث قد تكون مؤلمة أحيانًا، ولكن بإيماننا العميق بالله تعالى، فلا بد للعقل الحكيم والقلب المؤمن أن يدرك أن بعد العسر يسرًا، وبعد الضيق سيأتي الفرج؛ عندها سنقف على أقدامنا من جديد، وسنشق غياهبَ الحياة ونحن أكثر عزمًا على تحقيق ما نصبو إليه في ديننا ودنيانا.



يومًا ما سيطرق النور باب قلبِك؛ ليحيا من جديد، نورٌ يُنير حياتك، نورٌ ينير طريقك، نورٌ تدرك به حلوَ الحياة، نور يؤنس وَحدة قلبك، عندها ستعلم أنْ لا حياة إلا بنور رب العالمين.



التوكل على الله مطلوب شرعًا، فالمسلم يتعيَّن عليه أن يُحسن الظن بالله تعالى، وأن يتفاءل لنفسه الخير والنجاح دائمًا، ويسعى باستمرار في سبيل الارتقاء لتحصيل الكمال؛ كما جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه"؛ متفق عليه.



أيضًا هناك مقولة أعجبتني: "كل شيء مرَّ بي علمني أنْ لا شيء ثابت، لا حال مستقر، ولا بقاء لأحد، كل شيء عبرتُ من خلاله علَّمني أني لله وأني إليه راجع".



فلا تَجزعوا، فالحزن يُضعف القلب، ويُوهن العزم، ولا شيء أحب للشيطان مِن حزن المؤمن، لذلك افرَحوا وتفاءلوا، وأحسِنوا الظن بالله، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، عندها فقط ستستشعرون نعمة السعادة والرضا عن كل شيء.



وقيل: "ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻐﻠﻖ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺩﻭﻧﻚ بابًا ﺗﻄﻠﺒﻪ، ﻓﻼ تجزَع ﻭﻻ تعترض، ﻓﺮﺑﻤﺎ ﺍﻟﺨﻴﺮﺓ ﻓﻲ غلْقه، ﻟﻜﻦ ثِق تمامًا أن بابًا آخر سيُفتَح لك يُنسيك همَّ الأول، وقتها ستُدرك ﻣﻌﻨﻰ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ [يونس: 3].



فاجعَل ﺣﻴﺎﺗﻚ ﻣﻠﻴﺌﺔ ﺑﺎﻟﺘﻔﺎﺅﻝ، وحاوِل أن تنسى ألَمَك مهما بلغتْ شدتُه، واعلَم أن المستحيل هو ما لم يكتُبه الله لك، وليس ما عجَزتَ أنت عن فِعله، ولا تحزنْ على شيء فقدتَه؛ فربما لو ملكتَه لكان الحزن أكبرَ، وقلْ دائمًا: الحمد لله.

سمر والي