المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفة مع معالم قرآنية في الصراع مع اليهود


نبيل القيسي
28-02-2019, 06:19 AM
الحمد لله رب العالمين الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وجعله الدستور الخالد للمؤمنين إلى يوم الدين، وجعل العزة والسيادة والفلاح لمن تمسك به واهتدى به، فهو الصراط المستقيم لا يضل سالكه، والحبل المتين لا ينقطع بالمعتصم به بل يوصله إلى دار النعيم.



والصلاة والسلام على من أنزل عليه القرآن ليكون للعالمين نذيراً، وداعياً بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجازي رسولاً عن أمته.



ورضي الله تعالى عن الآل والصحب الكرام الذين نقلوا إلينا هذا الدين ونافحوا عنه بالحجة والبرهان وناضلوا عن بيضته بالسيف والسنان وعن التابعين لهم بإحسان.



﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].




﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].



﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].



أما بعد:

فقد كنت أتأمل آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الأمم السابقة ومواقفها من رسلها وأنبيائها ودعاة الحق فيها، وكنت أحاول أن أتلمس طبائع النفس البشرية من خلال الحوار الذي يدور بين الأمم وأنبيائهم، وأن أتعرف على سنن الله في المجتمعات الإنسانية من خلاله.



فلم أجد أمة من الأمم السابقة تناول القرآن الكريم تفصيل نشأتها وتاريخ تكوينها وبيان أحوالها ودقائق مواقفها ودخائل نفوس أفرادها وخصائص شخصيتها ... مثل أمة اليهود.



وتساءلت كثيراً عن الحكمة في أن يحتل الحديث عن اليهود هذه المساحة الشاسعة من آيات القرآن الكريم.



فأوّل ما يبدأ الحديث عن البشر بعد هبوط آدم من الجنة في سورة البقرة يبدأ عن بني إسرائيل ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40].



ويستمر الحديث عنهم في نيف وثمانين آية، وأول سورة بعد فاتحة الكتاب تسمى سورة البقرة، وهي بقرة بني إسرائيل، وتأتي السورة الثالثة سورة آل عمران، وآل عمران أسرة من أسر بني إسرائيل.



والسورة الرابعة تسمى سورة [المائدة] وهي المائدة التي طلبها بنو إسرائيل.



وخصصت سورة باسمهم هي سورة الإسراء التي تسمى سورة [بني إسرائيل] أيضاً. وتكرر قصصهم في أكثر من ثلث سور القرآن، بسطاً وإجمالاً وتصريحاً وتلميحاً. بل نكرر في صلواتنا يومياً الالتجاء إلى الله أن لا يسلك بنا سبيلهم وهم ﴿ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ فما السر وراء هذا الاهتمام بهؤلاء القوم. علما أن تعدادهم في العالم لا يؤبه به منذ أن وجدوا على ظهر الأرض وإلى يومنا هذا ولم يكن لهم كيان عند بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان الحال لغيرهم كالفرس والروم والدول الوثنية الأخرى.



• فيا ترى أكان جوارهم لمهبط الوحي وشدة احتكاكهم بالعرب أولاً ثم بحملة رسالة الإسلام ثانياً السبب في شدة الاهتمام بأمورهم؟



• أم النموذج الإنساني الذي يمثله بنو إسرائيل اقتضى تفصيل أحوالهم ليكون المؤمنون على بينة من أمرهم فلا ينحرفوا مثل انحرافاتهم؟



• أم كتابهم المنزل عليهم (التوراة) فيه من العقائد والأحكام التشريعية التي تضبط سلوك متبعيه وعقائدهم بحيث ينشئ أمة ويكوّن سلطة ودولة فكان موقف بني إسرائيل من شرائع التوراة مجالاً لبيان الحق والصواب فيها؟



• قد يكون كل ما تقدم من الأسباب وراء هذا الاهتمام، ولعل أمراً آخر وراء ذلك - ولعله الأهم - ألا وهو أن الصراع بين اليهود والمسلمين سيبقى إلى يوم القيامة. وكلما خمدت جذوة الصراع في منطقة أو في عصر من العصور سيتجدد في مكان آخر وفي أزمنة متلاحقة وفي صور شتى إلى أن تكون الملاحم والمعارك الفاصلة قبيل قيام الساعة (حتى يقاتل المسلمون اليهود فينادي الحجر والشجر يا مسلم يا عبدالله إن خلفي يهودياً فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)[1].



إن أمماً كثيرة وجدت وحكمت وكانت لها صولات وجولات وحضارات في التاريخ، ولكنها اندثرت واندثرت معها حضارتها ومبادئها وعقائدها ولم يبق إلا الحديث عنها، وقلما اندثرت حضارة ثم تجددت وقامت على الأسس السابقة فتية نشطة إلا حضارة المسلمين فإن الله تكفل لهم البقاء وأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أن الله يبعث لهم من يجدد لهم أمر دينهم على رأس كل قرن"[2].



وإلا أمة اليهود فقد دلت النصوص على أن حضارتهم ستتجدد بين الحين والآخر ولكنها حضارة ذات مواصفات خاصة وأهداف خاصة باليهود.



إن قضية الصراع بين اليهود والمسلمين صراع ممتد إلى قيام الساعة وسنة الله في التدافع بين الحضارتين بارزة لا تخفى على من تتبع آيات القرآن الكريم وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.



هذا السبب دفعني أن أقوم بهذه الدراسة القرآنية بعنوان [معالم قرآنية في الصراع مع اليهود].



والموضوع متشعب الأبعاد في تصوري إلا أنني لن أطيل النفس في الجوانب التاريخية القديمة بل أحاول التركيز على المزايا والخصائص العامة التي نستنبطها من تاريخهم القديم، لنستشف من خلالها ما ينير لنا الطريق في يومنا هذا وفي مستقبل الأيام وبخاصة ونحن على أبواب عهد جديد في الصراع مع اليهود يحاول بعض من ينتسب إلى الإسلام أن يغير حقائق القرآن في اليهود، ويزيل من نفس المسلم ذاك الانطباع الذي يصبغه به القرآن منذ نعومة أظفاره وهو يتلو آيات القرآن الكريم ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ [المائدة: 82] ويتلو قوله تعالى عنهم: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: 64].



في هذا الوقت العصيب الذي تمر به أمة الإسلام، وقد ادلهمت الخطوب من حولها واشتدت وطأة الأعداء عليها من كل جانب، وبدأت مخططات الأعداء من اليهود والنصارى والوثنيين والملاحدة تنفذ بأيدي أبناء المسلمين ممن يحملون أسماء المسلمين ويتكلمون بلغتهم ويحملون ألوان بشرتهم وسحن وجوههم، ولكن قلوبهم مغلفة مجخية[3] لا يصل إليها نور الإيمان وقد أشربت حب الكفر وأهله ولقنت عداء الإسلام وأهله. فأصبحوا سياطاً لاهبة على أجساد المسلمين. ووصل الأعداء عن طريقهم إلى ما لم يصل إليه العدو نفسه وبدأت الخطوط العريضة للمؤامرة اليهودية تتضح معالمها، وبدأ قتم العاصفة يلوح في الأفق وبدأت أشباح فرسان المؤامرة تظهر، فكانت الشعارات واللافتات سريعة التقلب حسب المراحل التي تقتضيها رسوم القضية وتضاريس ألوانها وأصبغة الوجوه على القائمين بأدوارهم ولعل أبرز هذه المراحل تتضح من خلال:

• إبعاد قضية الوجود اليهودي في المنطقة من أيدي المخلصين من أبناء المسلمين.



• إيجاد الدويلات الهزيلة المحيطة بإسرائيل ليتولّوا حماية حدودها[4].



• تسليط حكام الدويلات تلك على المسلمين وإذاقتهم ألوان العذاب كلما ارتفع لهم صوت ضد اليهود.



• بعد إلحاق الهزائم المتكررة بالجيوش العربية التي كانت ولا زالت تدار بأيدي سماسرة السياسة الذين يتلقون أوامرهم من أعداء الإسلام، أدخلوا اليأس في قلوب المسلمين من الحل العسكري وأن لا قدرة على مواجهة إسرائيل.



• الدخول في المفاوضات الاستسلامية مع إسرائيل ابتداء من كامب ديفيد إلى مدريد إلى جولات واشنطن إلى المفاوضات السرية في أوسلو. ليتم الاعتراف بإسرائيل. وتعطى الصك الشرعي بامتلاك إسرائيل لكامل تربة فلسطين وإلى الأبد. ولكن إسرائيل تدرك أن حفنة الحكام هؤلاء لا يمثلون شعوبهم وأن الكلمة النهائية للمسلمين، فلا تقبل هذه التنازلات منهم ولا تعترف بتواقيعهم على صكوك الاستسلام. وإنما تريد التطبيع مع الشعوب وأن يقبلها الناس كل الناس كإحدى دول المنطقة، واقترحت الخطوات التنفيذية في ذلك مثل توجيه الإعلام إلى عدم ذكر كلمة العدو الإسرائيلي، وإلغاء المقاطعة الاقتصادية، وتبادل التمثيل الدبلوماسي، وإلغاء النصوص التي تطعن في اليهود في مناهج التعليم ولو كانت هذه النصوص من القرآن والحديث النبوي، وتسخير أقلام الأدباء والمفكرين لذكر المنافع الاقتصادية من تطبيع العلاقات مع إسرائيل... إلخ المقترحات التي لا نهاية لها.



وقد بدأ التنفيذ فعلاً...



ولكن إن لهذا الدين رباً يحميه، ولا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم. وعلى رأسهم العلماء العاملون الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق ليبينوا للناس ما أنزله في كتابه. وأن لا تأخذهم في الحق لومة لائم.



والأصوات ترتفع من أنحاء العالم الإسلامي مستنكرة محتجة، ولكن هذه الأصوات تخبت ولا تستطيع للآن أن تشكل هديراً مدوياً يعم آذان المتآمرين ولا تستطيع أن تحيل الدوي إلى زلزال يهز الأرض تحت أقدام المأجورين فكانت هذه الدراسة مساهمة لتأصيل هذه الصرخات وتقوية هذا التيار، وبيان سنن الله الاجتماعية، في هذا الصراع الذي سيستمر إلى قيام الساعة مع اليهود.


[1] صحيح مسلم: كتاب الفتن 8/188، صحيح البخاري، كتاب المناقب 4/175 ومسند الإمام أحمد 2/67.

[2] انظر مختصر سنن أبي داود، كتاب الملاحم 6/163.

[3] المراد بمجخية: المجخيّ: هو المائل عن الاستقامة والاعتدال، انظر النهاية لابن الأثير 1/242.

[4] انظر المخطط الإسرائيلي لهذه الدويلات في كتاب خنجر إسرائيل وهو تقرير سري نشر في الخمسينيات الميلادية من هذا القرن وتسرب إلى الإعلام.
الحمد لله رب العالمين الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وجعله الدستور الخالد للمؤمنين إلى يوم الدين، وجعل العزة والسيادة والفلاح لمن تمسك به واهتدى به، فهو الصراط المستقيم لا يضل سالكه، والحبل المتين لا ينقطع بالمعتصم به بل يوصله إلى دار النعيم.



والصلاة والسلام على من أنزل عليه القرآن ليكون للعالمين نذيراً، وداعياً بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجازي رسولاً عن أمته.



ورضي الله تعالى عن الآل والصحب الكرام الذين نقلوا إلينا هذا الدين ونافحوا عنه بالحجة والبرهان وناضلوا عن بيضته بالسيف والسنان وعن التابعين لهم بإحسان.



﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].




﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].



﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].



أما بعد:

فقد كنت أتأمل آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الأمم السابقة ومواقفها من رسلها وأنبيائها ودعاة الحق فيها، وكنت أحاول أن أتلمس طبائع النفس البشرية من خلال الحوار الذي يدور بين الأمم وأنبيائهم، وأن أتعرف على سنن الله في المجتمعات الإنسانية من خلاله.



فلم أجد أمة من الأمم السابقة تناول القرآن الكريم تفصيل نشأتها وتاريخ تكوينها وبيان أحوالها ودقائق مواقفها ودخائل نفوس أفرادها وخصائص شخصيتها ... مثل أمة اليهود.



وتساءلت كثيراً عن الحكمة في أن يحتل الحديث عن اليهود هذه المساحة الشاسعة من آيات القرآن الكريم.



فأوّل ما يبدأ الحديث عن البشر بعد هبوط آدم من الجنة في سورة البقرة يبدأ عن بني إسرائيل ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40].



ويستمر الحديث عنهم في نيف وثمانين آية، وأول سورة بعد فاتحة الكتاب تسمى سورة البقرة، وهي بقرة بني إسرائيل، وتأتي السورة الثالثة سورة آل عمران، وآل عمران أسرة من أسر بني إسرائيل.



والسورة الرابعة تسمى سورة [المائدة] وهي المائدة التي طلبها بنو إسرائيل.



وخصصت سورة باسمهم هي سورة الإسراء التي تسمى سورة [بني إسرائيل] أيضاً. وتكرر قصصهم في أكثر من ثلث سور القرآن، بسطاً وإجمالاً وتصريحاً وتلميحاً. بل نكرر في صلواتنا يومياً الالتجاء إلى الله أن لا يسلك بنا سبيلهم وهم ﴿ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ فما السر وراء هذا الاهتمام بهؤلاء القوم. علما أن تعدادهم في العالم لا يؤبه به منذ أن وجدوا على ظهر الأرض وإلى يومنا هذا ولم يكن لهم كيان عند بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان الحال لغيرهم كالفرس والروم والدول الوثنية الأخرى.



• فيا ترى أكان جوارهم لمهبط الوحي وشدة احتكاكهم بالعرب أولاً ثم بحملة رسالة الإسلام ثانياً السبب في شدة الاهتمام بأمورهم؟



• أم النموذج الإنساني الذي يمثله بنو إسرائيل اقتضى تفصيل أحوالهم ليكون المؤمنون على بينة من أمرهم فلا ينحرفوا مثل انحرافاتهم؟



• أم كتابهم المنزل عليهم (التوراة) فيه من العقائد والأحكام التشريعية التي تضبط سلوك متبعيه وعقائدهم بحيث ينشئ أمة ويكوّن سلطة ودولة فكان موقف بني إسرائيل من شرائع التوراة مجالاً لبيان الحق والصواب فيها؟



• قد يكون كل ما تقدم من الأسباب وراء هذا الاهتمام، ولعل أمراً آخر وراء ذلك - ولعله الأهم - ألا وهو أن الصراع بين اليهود والمسلمين سيبقى إلى يوم القيامة. وكلما خمدت جذوة الصراع في منطقة أو في عصر من العصور سيتجدد في مكان آخر وفي أزمنة متلاحقة وفي صور شتى إلى أن تكون الملاحم والمعارك الفاصلة قبيل قيام الساعة (حتى يقاتل المسلمون اليهود فينادي الحجر والشجر يا مسلم يا عبدالله إن خلفي يهودياً فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)[1].



إن أمماً كثيرة وجدت وحكمت وكانت لها صولات وجولات وحضارات في التاريخ، ولكنها اندثرت واندثرت معها حضارتها ومبادئها وعقائدها ولم يبق إلا الحديث عنها، وقلما اندثرت حضارة ثم تجددت وقامت على الأسس السابقة فتية نشطة إلا حضارة المسلمين فإن الله تكفل لهم البقاء وأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أن الله يبعث لهم من يجدد لهم أمر دينهم على رأس كل قرن"[2].



وإلا أمة اليهود فقد دلت النصوص على أن حضارتهم ستتجدد بين الحين والآخر ولكنها حضارة ذات مواصفات خاصة وأهداف خاصة باليهود.



إن قضية الصراع بين اليهود والمسلمين صراع ممتد إلى قيام الساعة وسنة الله في التدافع بين الحضارتين بارزة لا تخفى على من تتبع آيات القرآن الكريم وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.



هذا السبب دفعني أن أقوم بهذه الدراسة القرآنية بعنوان [معالم قرآنية في الصراع مع اليهود].



والموضوع متشعب الأبعاد في تصوري إلا أنني لن أطيل النفس في الجوانب التاريخية القديمة بل أحاول التركيز على المزايا والخصائص العامة التي نستنبطها من تاريخهم القديم، لنستشف من خلالها ما ينير لنا الطريق في يومنا هذا وفي مستقبل الأيام وبخاصة ونحن على أبواب عهد جديد في الصراع مع اليهود يحاول بعض من ينتسب إلى الإسلام أن يغير حقائق القرآن في اليهود، ويزيل من نفس المسلم ذاك الانطباع الذي يصبغه به القرآن منذ نعومة أظفاره وهو يتلو آيات القرآن الكريم ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ [المائدة: 82] ويتلو قوله تعالى عنهم: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: 64].



في هذا الوقت العصيب الذي تمر به أمة الإسلام، وقد ادلهمت الخطوب من حولها واشتدت وطأة الأعداء عليها من كل جانب، وبدأت مخططات الأعداء من اليهود والنصارى والوثنيين والملاحدة تنفذ بأيدي أبناء المسلمين ممن يحملون أسماء المسلمين ويتكلمون بلغتهم ويحملون ألوان بشرتهم وسحن وجوههم، ولكن قلوبهم مغلفة مجخية[3] لا يصل إليها نور الإيمان وقد أشربت حب الكفر وأهله ولقنت عداء الإسلام وأهله. فأصبحوا سياطاً لاهبة على أجساد المسلمين. ووصل الأعداء عن طريقهم إلى ما لم يصل إليه العدو نفسه وبدأت الخطوط العريضة للمؤامرة اليهودية تتضح معالمها، وبدأ قتم العاصفة يلوح في الأفق وبدأت أشباح فرسان المؤامرة تظهر، فكانت الشعارات واللافتات سريعة التقلب حسب المراحل التي تقتضيها رسوم القضية وتضاريس ألوانها وأصبغة الوجوه على القائمين بأدوارهم ولعل أبرز هذه المراحل تتضح من خلال:

• إبعاد قضية الوجود اليهودي في المنطقة من أيدي المخلصين من أبناء المسلمين.



• إيجاد الدويلات الهزيلة المحيطة بإسرائيل ليتولّوا حماية حدودها[4].



• تسليط حكام الدويلات تلك على المسلمين وإذاقتهم ألوان العذاب كلما ارتفع لهم صوت ضد اليهود.



• بعد إلحاق الهزائم المتكررة بالجيوش العربية التي كانت ولا زالت تدار بأيدي سماسرة السياسة الذين يتلقون أوامرهم من أعداء الإسلام، أدخلوا اليأس في قلوب المسلمين من الحل العسكري وأن لا قدرة على مواجهة إسرائيل.



• الدخول في المفاوضات الاستسلامية مع إسرائيل ابتداء من كامب ديفيد إلى مدريد إلى جولات واشنطن إلى المفاوضات السرية في أوسلو. ليتم الاعتراف بإسرائيل. وتعطى الصك الشرعي بامتلاك إسرائيل لكامل تربة فلسطين وإلى الأبد. ولكن إسرائيل تدرك أن حفنة الحكام هؤلاء لا يمثلون شعوبهم وأن الكلمة النهائية للمسلمين، فلا تقبل هذه التنازلات منهم ولا تعترف بتواقيعهم على صكوك الاستسلام. وإنما تريد التطبيع مع الشعوب وأن يقبلها الناس كل الناس كإحدى دول المنطقة، واقترحت الخطوات التنفيذية في ذلك مثل توجيه الإعلام إلى عدم ذكر كلمة العدو الإسرائيلي، وإلغاء المقاطعة الاقتصادية، وتبادل التمثيل الدبلوماسي، وإلغاء النصوص التي تطعن في اليهود في مناهج التعليم ولو كانت هذه النصوص من القرآن والحديث النبوي، وتسخير أقلام الأدباء والمفكرين لذكر المنافع الاقتصادية من تطبيع العلاقات مع إسرائيل... إلخ المقترحات التي لا نهاية لها.



وقد بدأ التنفيذ فعلاً...



ولكن إن لهذا الدين رباً يحميه، ولا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم. وعلى رأسهم العلماء العاملون الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق ليبينوا للناس ما أنزله في كتابه. وأن لا تأخذهم في الحق لومة لائم.



والأصوات ترتفع من أنحاء العالم الإسلامي مستنكرة محتجة، ولكن هذه الأصوات تخبت ولا تستطيع للآن أن تشكل هديراً مدوياً يعم آذان المتآمرين ولا تستطيع أن تحيل الدوي إلى زلزال يهز الأرض تحت أقدام المأجورين فكانت هذه الدراسة مساهمة لتأصيل هذه الصرخات وتقوية هذا التيار، وبيان سنن الله الاجتماعية، في هذا الصراع الذي سيستمر إلى قيام الساعة مع اليهود.


[1] صحيح مسلم: كتاب الفتن 8/188، صحيح البخاري، كتاب المناقب 4/175 ومسند الإمام أحمد 2/67.

[2] انظر مختصر سنن أبي داود، كتاب الملاحم 6/163.

[3] المراد بمجخية: المجخيّ: هو المائل عن الاستقامة والاعتدال، انظر النهاية لابن الأثير 1/242.

[4] انظر المخطط الإسرائيلي لهذه الدويلات في كتاب خنجر إسرائيل وهو تقرير سري نشر في الخمسينيات الميلادية من هذا القرن وتسرب إلى الإعلام.


الحمد لله رب العالمين الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وجعله الدستور الخالد للمؤمنين إلى يوم الدين، وجعل العزة والسيادة والفلاح لمن تمسك به واهتدى به، فهو الصراط المستقيم لا يضل سالكه، والحبل المتين لا ينقطع بالمعتصم به بل يوصله إلى دار النعيم.



والصلاة والسلام على من أنزل عليه القرآن ليكون للعالمين نذيراً، وداعياً بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجازي رسولاً عن أمته.



ورضي الله تعالى عن الآل والصحب الكرام الذين نقلوا إلينا هذا الدين ونافحوا عنه بالحجة والبرهان وناضلوا عن بيضته بالسيف والسنان وعن التابعين لهم بإحسان.



﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].




﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].



﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].



أما بعد:

فقد كنت أتأمل آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الأمم السابقة ومواقفها من رسلها وأنبيائها ودعاة الحق فيها، وكنت أحاول أن أتلمس طبائع النفس البشرية من خلال الحوار الذي يدور بين الأمم وأنبيائهم، وأن أتعرف على سنن الله في المجتمعات الإنسانية من خلاله.



فلم أجد أمة من الأمم السابقة تناول القرآن الكريم تفصيل نشأتها وتاريخ تكوينها وبيان أحوالها ودقائق مواقفها ودخائل نفوس أفرادها وخصائص شخصيتها ... مثل أمة اليهود.



وتساءلت كثيراً عن الحكمة في أن يحتل الحديث عن اليهود هذه المساحة الشاسعة من آيات القرآن الكريم.



فأوّل ما يبدأ الحديث عن البشر بعد هبوط آدم من الجنة في سورة البقرة يبدأ عن بني إسرائيل ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40].



ويستمر الحديث عنهم في نيف وثمانين آية، وأول سورة بعد فاتحة الكتاب تسمى سورة البقرة، وهي بقرة بني إسرائيل، وتأتي السورة الثالثة سورة آل عمران، وآل عمران أسرة من أسر بني إسرائيل.



والسورة الرابعة تسمى سورة [المائدة] وهي المائدة التي طلبها بنو إسرائيل.



وخصصت سورة باسمهم هي سورة الإسراء التي تسمى سورة [بني إسرائيل] أيضاً. وتكرر قصصهم في أكثر من ثلث سور القرآن، بسطاً وإجمالاً وتصريحاً وتلميحاً. بل نكرر في صلواتنا يومياً الالتجاء إلى الله أن لا يسلك بنا سبيلهم وهم ﴿ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ فما السر وراء هذا الاهتمام بهؤلاء القوم. علما أن تعدادهم في العالم لا يؤبه به منذ أن وجدوا على ظهر الأرض وإلى يومنا هذا ولم يكن لهم كيان عند بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان الحال لغيرهم كالفرس والروم والدول الوثنية الأخرى.



• فيا ترى أكان جوارهم لمهبط الوحي وشدة احتكاكهم بالعرب أولاً ثم بحملة رسالة الإسلام ثانياً السبب في شدة الاهتمام بأمورهم؟



• أم النموذج الإنساني الذي يمثله بنو إسرائيل اقتضى تفصيل أحوالهم ليكون المؤمنون على بينة من أمرهم فلا ينحرفوا مثل انحرافاتهم؟



• أم كتابهم المنزل عليهم (التوراة) فيه من العقائد والأحكام التشريعية التي تضبط سلوك متبعيه وعقائدهم بحيث ينشئ أمة ويكوّن سلطة ودولة فكان موقف بني إسرائيل من شرائع التوراة مجالاً لبيان الحق والصواب فيها؟



• قد يكون كل ما تقدم من الأسباب وراء هذا الاهتمام، ولعل أمراً آخر وراء ذلك - ولعله الأهم - ألا وهو أن الصراع بين اليهود والمسلمين سيبقى إلى يوم القيامة. وكلما خمدت جذوة الصراع في منطقة أو في عصر من العصور سيتجدد في مكان آخر وفي أزمنة متلاحقة وفي صور شتى إلى أن تكون الملاحم والمعارك الفاصلة قبيل قيام الساعة (حتى يقاتل المسلمون اليهود فينادي الحجر والشجر يا مسلم يا عبدالله إن خلفي يهودياً فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)[1].



إن أمماً كثيرة وجدت وحكمت وكانت لها صولات وجولات وحضارات في التاريخ، ولكنها اندثرت واندثرت معها حضارتها ومبادئها وعقائدها ولم يبق إلا الحديث عنها، وقلما اندثرت حضارة ثم تجددت وقامت على الأسس السابقة فتية نشطة إلا حضارة المسلمين فإن الله تكفل لهم البقاء وأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أن الله يبعث لهم من يجدد لهم أمر دينهم على رأس كل قرن"[2].



وإلا أمة اليهود فقد دلت النصوص على أن حضارتهم ستتجدد بين الحين والآخر ولكنها حضارة ذات مواصفات خاصة وأهداف خاصة باليهود.



إن قضية الصراع بين اليهود والمسلمين صراع ممتد إلى قيام الساعة وسنة الله في التدافع بين الحضارتين بارزة لا تخفى على من تتبع آيات القرآن الكريم وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.



هذا السبب دفعني أن أقوم بهذه الدراسة القرآنية بعنوان [معالم قرآنية في الصراع مع اليهود].



والموضوع متشعب الأبعاد في تصوري إلا أنني لن أطيل النفس في الجوانب التاريخية القديمة بل أحاول التركيز على المزايا والخصائص العامة التي نستنبطها من تاريخهم القديم، لنستشف من خلالها ما ينير لنا الطريق في يومنا هذا وفي مستقبل الأيام وبخاصة ونحن على أبواب عهد جديد في الصراع مع اليهود يحاول بعض من ينتسب إلى الإسلام أن يغير حقائق القرآن في اليهود، ويزيل من نفس المسلم ذاك الانطباع الذي يصبغه به القرآن منذ نعومة أظفاره وهو يتلو آيات القرآن الكريم ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ [المائدة: 82] ويتلو قوله تعالى عنهم: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: 64].



في هذا الوقت العصيب الذي تمر به أمة الإسلام، وقد ادلهمت الخطوب من حولها واشتدت وطأة الأعداء عليها من كل جانب، وبدأت مخططات الأعداء من اليهود والنصارى والوثنيين والملاحدة تنفذ بأيدي أبناء المسلمين ممن يحملون أسماء المسلمين ويتكلمون بلغتهم ويحملون ألوان بشرتهم وسحن وجوههم، ولكن قلوبهم مغلفة مجخية[3] لا يصل إليها نور الإيمان وقد أشربت حب الكفر وأهله ولقنت عداء الإسلام وأهله. فأصبحوا سياطاً لاهبة على أجساد المسلمين. ووصل الأعداء عن طريقهم إلى ما لم يصل إليه العدو نفسه وبدأت الخطوط العريضة للمؤامرة اليهودية تتضح معالمها، وبدأ قتم العاصفة يلوح في الأفق وبدأت أشباح فرسان المؤامرة تظهر، فكانت الشعارات واللافتات سريعة التقلب حسب المراحل التي تقتضيها رسوم القضية وتضاريس ألوانها وأصبغة الوجوه على القائمين بأدوارهم ولعل أبرز هذه المراحل تتضح من خلال:

• إبعاد قضية الوجود اليهودي في المنطقة من أيدي المخلصين من أبناء المسلمين.



• إيجاد الدويلات الهزيلة المحيطة بإسرائيل ليتولّوا حماية حدودها[4].



• تسليط حكام الدويلات تلك على المسلمين وإذاقتهم ألوان العذاب كلما ارتفع لهم صوت ضد اليهود.



• بعد إلحاق الهزائم المتكررة بالجيوش العربية التي كانت ولا زالت تدار بأيدي سماسرة السياسة الذين يتلقون أوامرهم من أعداء الإسلام، أدخلوا اليأس في قلوب المسلمين من الحل العسكري وأن لا قدرة على مواجهة إسرائيل.



• الدخول في المفاوضات الاستسلامية مع إسرائيل ابتداء من كامب ديفيد إلى مدريد إلى جولات واشنطن إلى المفاوضات السرية في أوسلو. ليتم الاعتراف بإسرائيل. وتعطى الصك الشرعي بامتلاك إسرائيل لكامل تربة فلسطين وإلى الأبد. ولكن إسرائيل تدرك أن حفنة الحكام هؤلاء لا يمثلون شعوبهم وأن الكلمة النهائية للمسلمين، فلا تقبل هذه التنازلات منهم ولا تعترف بتواقيعهم على صكوك الاستسلام. وإنما تريد التطبيع مع الشعوب وأن يقبلها الناس كل الناس كإحدى دول المنطقة، واقترحت الخطوات التنفيذية في ذلك مثل توجيه الإعلام إلى عدم ذكر كلمة العدو الإسرائيلي، وإلغاء المقاطعة الاقتصادية، وتبادل التمثيل الدبلوماسي، وإلغاء النصوص التي تطعن في اليهود في مناهج التعليم ولو كانت هذه النصوص من القرآن والحديث النبوي، وتسخير أقلام الأدباء والمفكرين لذكر المنافع الاقتصادية من تطبيع العلاقات مع إسرائيل... إلخ المقترحات التي لا نهاية لها.



وقد بدأ التنفيذ فعلاً...



ولكن إن لهذا الدين رباً يحميه، ولا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم. وعلى رأسهم العلماء العاملون الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق ليبينوا للناس ما أنزله في كتابه. وأن لا تأخذهم في الحق لومة لائم.



والأصوات ترتفع من أنحاء العالم الإسلامي مستنكرة محتجة، ولكن هذه الأصوات تخبت ولا تستطيع للآن أن تشكل هديراً مدوياً يعم آذان المتآمرين ولا تستطيع أن تحيل الدوي إلى زلزال يهز الأرض تحت أقدام المأجورين فكانت هذه الدراسة مساهمة لتأصيل هذه الصرخات وتقوية هذا التيار، وبيان سنن الله الاجتماعية، في هذا الصراع الذي سيستمر إلى قيام الساعة مع اليهود.


[1] صحيح مسلم: كتاب الفتن 8/188، صحيح البخاري، كتاب المناقب 4/175 ومسند الإمام أحمد 2/67.

[2] انظر مختصر سنن أبي داود، كتاب الملاحم 6/163.

[3] المراد بمجخية: المجخيّ: هو المائل عن الاستقامة والاعتدال، انظر النهاية لابن الأثير 1/242.

[4] انظر المخطط الإسرائيلي لهذه الدويلات في كتاب خنجر إسرائيل وهو تقرير سري نشر في الخمسينيات الميلادية من هذا القرن وتسرب إلى الإعلام.


. د. مصطفى مسلم