المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاضطرابات النفسية وعلاجها في القرآن الكريم .


نبيل القيسي
18-04-2019, 01:58 PM
نفعال الخوف:

تحيّة طيبة قراءنا الأعزّاء، وأهلاً ومرحباً بكم في الجزء الثالث والأخير من محطّة «الاضطرابات النفسية في القرآن الكريم وعلاجها».



في الحلقة السابقة تناولنا موضوع الغضب وكيفية التحكّم به، وفي هذا العدد سنتحدّث عن الخوف الذي ما يزال الوسط الطبي يفتقر إلى تحديد واضح لأسبابه.



فما هو الخوف؟ وما هي أنواعه؟ وكيف يمكننا التخلّص منه؟



الخوف شعور فطريّ طبيعيّ، يتصاعد أحياناً ويخفت أحياناً أخرى، متأثّراً بتجربة الحياة اليومية والثقافة المكتسبة التي قد ترفع مستوى الخوف عند الكائن الحيّ إلى الحالة المَرَضيّة، مما يتطلّب تدخّلاً علاجياً طبّياً أو نفسيّاً، تماماً كانفعال الحب أو الغضب. وغالباً ما يترافق الخوف مع مشاعر أخرى، كالقلق والتوتر والحزن والإحباط وغيرها.



وسنكتفي في هذه العُجالة بتناول مصطلح الخوف في بعض آيات القرآن الكريم؛ فانفعال الخوف حالة من الاضطراب الحادّ الذي يشمل الفرد بكليّته، وقد وصفه القرآن الكريم بالزلزال الشديد وذلك في أقصى درجاته يوم القيامة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1 ، 2].



وتصاحب انفعال الخوف تغيّرات في الوظائف الفسيولوجية والكيميائية في الجسم، كارتفاع ضغط الدم ومعدّل الأدرنالين والسكّر، وتزايد ضربات القلب وتغيّر ملامح الوجه ونبرات الصوت. ويستجيب الإنسان لانفعال الخوف إمّا بالهرب من الموقف أو بمواجهته; يقول الله تعالى في وصف ذعر الكافرين: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ [الأنبياء: 12]، وذكر القرآن وصف خوف موسى من فرعون بالقول: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ﴾ [الشعراء: 21]، كما قال: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 21].



أنواع الخوف:

• خوف المنافقين من أن يطّلع أحد على نفاقهم: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾ [المنافقون: 4].



• الخوف غير المُتَوَقَّع، مثل: خوف داود عليه السلام حينما فوجئ بالخصميْن أمامه وقد تَسَوّرا المحراب وهو في خلوته. وإذا كان الخوف شديداً ومفاجئا أُصيب الإنسان بحالة من الذهول، كما جاء في وصف يوم القيامة: ﴿ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ [الأنبياء: 40].



• خوف الإنسان من الإنسان، وهو خوف غير طبيعي: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44].



• الخوف من الموت المرتبط بالخوف من الله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [الجمعة: 6 ، 7].



وخوْف الملحدين من الموت أكثر من خوف غيرهم؛ لاعتقادهم أنّه انحلال وفناء وعَدَم لهم، وجهلهم بالمصير الذي سينتهون إليه هو في الحقيقة مصدر رعب لهم يُخيفهم ويُفزعهم.



• الخوف من الله تعالى: فقد فطر الله تعالى عباده على الخوف منه والإحساس بالعبوديّة له: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وكان التّخويف من بطش الله وانتقامه وعذابه ينأى بالإنسان عن الضلال. ولهذا كان الخوف من الله عبادة، لأنه يحرّرنا من أنواع الخوف الأخرى... فكيف ذلك؟



علاج الخوف:

إنّ الإسلام لا يعارض الخوف، ولكنّه يهذّبه ويوجّهه ويحدّد انطلاقه؛ فالإسلام يزرع الشجاعة في نفوس الأفراد لاقتلاع عقدة الخوف. إنّ الإيمان بالله يجعلنا لا نخاف الفَقر: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الزخرف: 32]. ولا نخاف أحداً إلاّ الله لأنّه هو الذي يملك العطاء والمنع، فقد قال: «إذا سألتَ فاسأل الله وإذا استعنتَ فاستعن بالله» رواه الترمذي.



والذي يُعين على الخوف من الله: الإيمان الحقيقي به سبحانه، والاستقامة على طاعته وطاعة رسوله - صلى الله علية وسلم -، وهذا يؤدّي إلى تحقيق الأمن النّفسي، ما يغمر المؤمن بشعور الرجاء والتّسليم لله والطمأنينة لنيل عفوه ورضوانه عزّ وجلّ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30].



ولأنّ كثيراً من الناس فقَدوا الإيمان الحقيقيّ بالله والتسليم بقضائه وقدَره، باتوا عُرضة للخوف المَرَضيّ والقلق والاكتئاب الذي غدا مرض العصر، نراه متفشّياً بين الكبار والشّباب، ما يتطلّب علماً وتفقّهاً في الدّين الحنيف ووجود هُداة ودُعاة قدوة يدعون إلى الله على بصيرة، ما يُدخل الطمأنينة وحُسن الظنّ بالله في القلوب...



وبعد، فليس مثل حديث رسول الله - صلى الله علية وسلم - في وصيته لابن عباس - رضي الله عنهما - للوقاية من أي خوف مرَضي قد يهدّد صحّتنا النفسية: «... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك, وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك, رُفعت الأقلام وجفّت الصحف» رواه الترمذي.



في المرّة القادمة سنتحدّث - بإذن الله - عن أُسس المعالجة النفسية بواسطة الإيمان... فإلى أن نلتقي في العدد القادم أترككم في رعاية الله وحفظه.



تُنشر بالتعاون مع مجلة (منبرالداعيات)

lolaem
19-07-2019, 08:58 AM
جزاك الله خيرا