المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : روائع البيان في القرآن (سورة الأعلى }


نبيل القيسي
19-04-2019, 02:41 PM
بعد أن ربط الله على قلب نبيِّه ببشارة حفظ القرآن، أردف ذلك ببشارة ثانية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال سبحانه: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ [الأعلى: 8].



• ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾: معطوفٌ على ﴿ سَنُقْرِئُكَ ﴾، وما بينهما اعتراضٌ[1].



• وهو وعد كريم من الله بتيسير جميع أموره - عليه الصلاة والسلام - ويشمل ذلك الوعدُ أمتَه إن اتبعتْ طريقتَه، ويدخل النبي في الوعد دخولاً أوليًّا، وقد ضرب المفسرون من السلف أمثلة لهذا التيسير، فقال مقاتلٌ: أي نهوِّن عليك عمل الجنة، وقيل: نوفِّقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وقيل: للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السهلة، وقيل: نهوِّن عليك الوحي حتى تحفظَه وتعمل له، والأَولى حمل الآية على العموم؛ أي: نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا، في كل أمرٍ من أمورهما التي تتوجه إليك[2]، نعم العموم الذي يعبر عنه صاحب الظلال قائلاً: "اليسر في يده، واليسر في لسانه، واليسر في خطوه، واليسر في عمله، واليسر في تصوُّره، واليسر في تفكيره، واليسر في أَخْذه للأمور، واليسر في علاجه للأمور، اليسر مع نفسه، واليسر مع غيره، وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل أمره"[3]، يسَّره الله لليسرى؛ فكان مثالاً عمليًّا لليُسر في جميع أمره.



• والمشهور أن تعلق التيسير يكون بالأمور لا بالأشخاص، كما هو في قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ [طه: 26]، ولكن الآية الكريمة علقت التيسير بشخص النبي: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ ﴾، ثم وصفت الأمر بعد ذلك بـ: "اليسرى"، فهو يسر فوق يسر، ونور فوق نور، والعلة في ذلك كما أشار أبو السعود: "للإيذان بقوة تمكينه - عليه الصلاة والسلام - من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكةً راسخةً له، كأنه - عليه الصلاة والسلام - جُبِلَ عليها؛ أي: نوفقك توفيقًا مستمرًّا للطريقة اليسرى، في كل بابٍ من أبواب الدين؛ علمًا وتعليمًا واهتداءً وهدايةً، فيندرج فيه تيسير طريق تلقي الوحي، والإحاطة بما فيه من أحكام الشريعة السمحة والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفسه - عليه الصلاة والسلام - وتكميل غيره"[4]، وذلك من وافر فضله ورحمته - سبحانه - على النبي الخاتم وأمته.



• وقد أجاد الإمام الرازي في الوقوف على وجهٍ في غاية الروعة، والذي يكمن في التعبير بالنون الدالة على التعظيم في قوله - تعالى -: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ ﴾؛ حيث قال: "إنما قال: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ بنون التعظيم؛ لتكون عظمة المعطي دالةً على عظمة العطاء، نظيره قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ﴾ [يوسف: 2]، ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ﴾ [الحجر: 9]، ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ [الكوثر: 1]، دلت هذه الآية على أنه - سبحانه - فتح عليه من أبواب التيسير والتسهيل ما لم يفتحْه على أحدٍ غيره، وكيف لا وقد كان صبيًّا لا أب له ولا أم له، نشأ في قومٍ جهالٍ، ثم إنه - تعالى - جعله في أفعاله وأقواله قدوة للعالمين، وهديًا للخلق أجمعين؟"[5].



فائدة:

1- صوَّرت الآية الكريمة بروعة بيانها أن اليسر محيط بالشريعة من أطرافها، وهذا من فضل الله على رسول الإسلام وأمته، مما يزيدنا تمسكًا بهذه الشرعة المباركة، وحبًّا لها، وذودًا عن حياضها الطاهرة؛ فهي اليسر وما دونها العسر.



2- إذا امتزجت أرواحنا بتلك الشرعة السمحة - ولا بد من ذلك - انطبعْنا بطبيعتها، فانعكس ذلك في حياتنا، فأشرق الكون بهذا الجمال من اليسر والسهولة والبساطة، كما كان رسول الله في تعامُله مع من حوله؛ حتى جذب القلوب إلى ربِّه بتلك الأخلاق الندية العطرة، فلا بد أن يكون اليسر واقعًا نحياه؛ فما خُيِّر رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يكن إثمًا.



ثم انتقلت الآيات بعد ذلك آمرة رسول الله بالعمل بموجب تلك البشارات؛ حيث قالت:

• ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ [الأعلى: 9].

أي: بعدما أعنَّاك على حفظ الوحي ويسَّرناك لليسرى، فدُمْ على تذكير الناس وهدايتهم.



• "وتقييد التذكير بنفع الذكرى لما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد ذكَّر وبالغ فيه، فلم يدَعْ في القوس منزعًا، وسلك فيه كل طريق، فلم يترك مضيفًا ولا مهيعًا؛ حرصًا على الإيمان، وتوحيد الملك الديان، وما كان يزيد ذلك بعضَ الناس إلا كفرًا وعنادًا، وتمردًا وفسادًا، فأمره - صلى الله عليه وسلم - تخفيفًا عليه؛ حيث كاد الحرص على إيمانهم يوجه سهام التلف إليه؛ كما قال - تعالى -: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6]، بأن يخص التذكير بمواد النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره كلاًّ أو بعضًا ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه الكريمة في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عتوًّا ونفورًا، وفسادًا وغرورًا، من المطبوع على قلوبهم؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45]، وقوله - سبحانه -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ [النجم: 29]، وعِلمه - صلى الله عليه وسلم - بمن طُبع على قلبه بإعلام الله تعالى إياه - عليه الصلاة والسلام - به، فهو - صلى الله عليه وسلم - بعد التبليغ وإلزام الحجة لا يجب عليه تكرير التذكير على من علم أنه مطبوع على قلبه، فالشرط على هذا على حقيقته"[6].



وتخصيص الذكرى بمن يرجى إيمانه دون غيره إن صلح في حق رسول الله، فلا يصلح في حق غيره؛ لأن رسول الله ربما علم بالمطبوع على قلوبهم من المنافقين وغيرهم عن طريق إعلام الله إياه كما أشار الألوسي.



لذلك ذهب المحققون من أهل التفسير إلى أن الآية على عمومها؛ لذلك حذف المفعول، والمعنى ذكِّر الناس كلَّهم؛ فالذكرى نافعة على أية حال، وكما قال الحسن: إنها تذكرةٌ للمؤمن، وحُجَّة على الكافر[7].



فائدة:

1- فلا ينبغي أخذ مثل هذه الآيات تكأة للتكاسل والإعراض عن التذكير، بحجة أن القوم معرضون، أو لا يفهمون، أو أنهم لن يهتدوا؛ فذلك في علم الله، فقد ينقلب الفاجر تقيًّا.



2- وفارقٌ بين الإعراض عن الدعوة والتذكير، وبين فن الدعوة والتذكير؛ من تعاهد الناس بالموعظة، وعدم الإثقال عليهم لئلا يملوا، وسلوك أكثر من طريق لدعوتهم، وكذا تحديث القوم بما يفهمون، مما هو معلوم في أصول الدعوة[8]؛ لذلك يقول الإمام ابن كثير معلقًا على الآية الكريمة: "ومن ها هنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -: ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم، وقال: حدِّث الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذَّبَ اللهُ ورسولُه؟!" فلا يعني ذلك الإعراض عن دعوة من لا يفهم، ولكن التفنن في دعوتهم.


[1] فتح القدير؛ للشوكاني.

[2] السابق.

[3] وقد أجاد صاحب الظلال في عرض بعض ما يدل على اليسر في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - القولية والعملية، نقل بعضه عن الإمام ابن القيم، ولولا خشية الإطالة لأثبته هنا؛ فراجعه.

[4] إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم؛ لأبي السعود.

[5] التفسير الكبير؛ لفخر الدين الرازي.

[6] روح المعاني للألوسي.

[7] وقد أجاد صاحب التحرير والتنوير في تحرير المسألة، والرد على بعض النحويين، وإظهار محل الشرط في الآية، أنقله للفائدة فتدبر؛ "وجملة: ﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ [الأعلى: 9] معترضةٌ بين الجملتين؛ المعللة وعلتها، وهذا الاعتراض منظورٌ فيه إلى العموم الذي اقتضاه حذف مفعول (فذكِّر)؛ أي فدُمْ على تذكير الناس كلهم إن نفعت الذكرى جميعهم؛ أي: وهي لا تنفع إلا البعض، وهو الذي يؤخذ من قوله: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴾ [الأعلى: 10] الآية.

فالشرط في قوله: ﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ جملةٌ معترضةٌ، وليس متعلقًا بالجملة، ولا تقييدًا لمضمونها؛ إذ ليس المعنى: فذكِّر إذا كان للذكرى نفعٌ، حتى يفهم منه بطريق مفهوم المخالفة أن لا تذكِّر إذا لم تنفع الذكرى؛ إذ لا وجه لتقييد التذكير بما إذا كانت الذكرى نافعةً؛ إذ لا سبيل إلى تعرف مواقع نفع الذكرى؛ ولذلك كان قوله - تعالى -: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45] مؤولاً بأن المعنى: فذكر بالقرآن فيتذكر من يخاف وعيد، بل المراد: فذكر الناس كافةً إن كانت الذكرى تنفع جميعهم، فالشرط مستعملٌ في التشكيك؛ لأن أصل الشرط بـ: "إِنْ" أن يكون غير مقطوعٍ بوقوعه؛ فالدعوة عامةٌ، وما يعلمه الله من أحوال الناس في قبول الهدى وعدمه أمرٌ استأثر الله بعلمه، فأبو جهلٍ مدعو للإيمان، والله يعلم أنه لا يؤمن، لكن الله لم يخص بالدعوة من يرجى منهم الإيمان دون غيرهم، والواقع يكشف المقدور.

وهذا تعريضٌ بأن في القوم من لا تنفعه الذكرى، وذلك يفهم من اجتلاب حرف "إن" المقتضي عدم احتمال وقوع الشرط، أو ندرة وقوعه؛ ولذلك جاء بعده بقوله: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴾، فهو استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ وما لحقه من الاعتراض بقوله: ﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ المشعر بأن التذكير لا ينتفع به جميع المذكرين.

وهذا معنى قول ابن عباسٍ: تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي، وفي هذا ما يريك معنى الآية واضحًا لا غبار عليه، ويدفع حيرة كثيرٍ من المفسرين في تأويل معنى "إن"، ولا حاجة إلى تقدير الفراء والنحاس: إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، وأنه اقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني".

[8] راجع على سبيل المثال كتاب: أصول الدعوة د/ عبدالكريم زيدان، دروس ونفوس؛ توفيق محمد السبع، مراعاة أحوال المخاطبين؛ د/ فضل الهي، المدخل إلى علم الدعوة؛ د/ محمد أبو الفتح البيانوني، وغيرها من كتب أصول الدعوة.
مصطفى حمودة عشيبة

نيرمين
22-04-2019, 04:11 PM
جزاكم الله خيرا ..