المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تركت عملا يلحقك بعد موتك ولو يسيرا؟


نبيل القيسي
29-04-2019, 08:07 AM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فقد امتنَّ الله عز وجل على عباده بأن جعل لهم أعمالًا تلحقهم بعد موتهم، وهذا من كرمِ أكرم الأكرمين، الكريم المنان، والآيات الدالة على ذلك كثيرة؛ كما دل عليه قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [يس: 12]، قال ابن كثير في تفسير الآية: وفي قوله ﴿ وَآثَارَهُمْ ﴾ قولان:

أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها مِن بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشر؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سنَّ في الإسلام سُنة حسنة، كان له أجرها وأجر مَن عمل بها من بعده، من غير أن ينقصَ مِن أجورهم شيئًا، ومَن سنَّ في الإسلام سُنة سيئة، كان عليه وزرها ووزرُ مَن عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا))؛ رواه مسلم.

وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: من علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده)).



والقول الثاني: أن المراد بذلك آثارُ خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.

قال ابن أبي نَجِيحٍ وغيره عن مجاهد: ﴿ مَا قَدَّمُوا ﴾ أعمالهم، ﴿ وَآثَارَهُمْ ﴾، قال: خطاهم بأرجُلِهم، وكذا قال الحسن وقتادة: ﴿ وَآثَارَهُمْ ﴾؛ يعني: خطاهم.

قال قتادة: لو كان الله تعالى مغفلًا شيئًا من شأنك يا بن آدم، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابنِ آدم أثرَه وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو مِن طاعة الله أو من معصيته، فمَن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله، فليفعل".



وإني لأعجب حينما أرى كثيرًا من الناس يركضون وراءَ الدنيا ركض الوحوش في البَرِّيَّةِ، ولا يُبقون عملًا ينفعهم بعد مماتهم، خصوصًا الأغنياء والموسرين، إلا مَن رحم الله!

ثم يا ترى أتظن أن ورثتَك سيعمَلون لك، كما أنت تعمل لنفسك وأنت صحيح معافًى؟! فبادِر قبل الفَوات؛ اليوم يُقبَل منك مثقال ذرة، وغدًا لا يُقبل منك ملء الأرض ذهبًا. [1]

والله أسأل أن يُوفِّقنا إلى ما يحبه ويرضاه

وأن يجعل عملنا في رضاه، وأن يوفقنا للحسنى، وأن يجنبنا العُسْرَى

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم



[1] المصادر: تفسير ابن كثير رحمه الله.

مصطفى أحمد أنيس