المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أخذ الأجرة مقابل الحج عن الغير...........!!!!


نبيل القيسي
08-07-2019, 03:54 PM
لعاجز عن الحج لعذر يجوز له الإنابة في الحج، ثم هذا النائب لا يخلو: أن يتطوع بهذا، أو يطلب أجرة.



فإن تطوع فلا إشكال فيه، وإن لم يتطوع وطلب أجرة، فهل يجوز له أخذ الأجرة أو لا؟ خلاف بين العلماء.



اختيار ابن تيمية:

اختار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - جواز ذلك للحاجة والكراهة مع عدمها، خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة [1].



تحرير محل النزاع:

أ - إذا أخذ نفقة الحج فقط وقصده الإحسان للمحجوج عنه بإبراء ذمته ويرد الفضل من النفقة فيجوز بلا نزاع، كما حكاه ابن تيمية [2].



ب- إذا أعطاه رجل نفقة الحج ليحج عن نفسه ويقضي فرضه، فيجوز بلا شبهة، وهذا يكون مثل تجهيز الغازي للغزو [3].



ج - إذا أخذ نفقة ليحج ويقصد المشاعر شوقاً إليها، كما لو ناب عن رجل في الحج وأخذ نفقة وقصده الوصول لمكة وحضور مواسم العبادة، فهذا مستحب، وليس هذا محل البحث.



د - ومحل البحث: إذا حج ليستفضل من النفقة ويتكسب بذلك، فهذا فيه خلاف بين العلماء على أقوال عدة:



أقوال العلماء في المسألة:

القول الأول:

عدم الجواز.

وهذا مذهب الحنفية [4]، والحنابلة [5].



القول الثاني:

الجواز.

وهذا قول الشافعية [6]، ورواية ثانية عند الحنابلة [7].



القول الثالث:

الجواز مع الحاجة، والكراهة مع عدمها، وهذا مذهب المالكية [8]، وهو قول ثالث في مذهب الحنابلة [9]، وهو اختيار ابن تيمية.



أدلة القول الأول:

1- استدلوا بعموم الأدلة الدالة على المنع من تعليم القرآن والعلوم الشرعية والتي سبق ذكرها في المسألة السابقة.



ووجه الدلالة منها: أنها دلت على المنع من أخذ الأجرة على أعمال القربات ومنها الحج.



ونوقش:

أنه معارض بالنصوص الصريحة الدالة على جواز الاستنابة في الحج، والناس لا يحجون عن العاجز مجاناً لعظيم تكلفة الحج مالاً وبدناً.



2- قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [10].

ووجه الدلالة منها: أن من قال أن للإنسان سعي غيره فقد خالف ظاهر الآية [11].



ونوقش:

أن أصل النيابة في الحج ثابت بالنص الصريح فهو مستثنى من الآية، فالمحجوج عنه له ثواب الحج وإن لم يحج بنفسه.



3- القياس على الصلاة والصوم بجامع أن كلاً منها عبادة وقربة متى حصلت وقعت عن العامل، ومن ثم لا يجوز له أخذ الأجرة على عمل وقع له [12].



ونوقش:

أ - أنه قياس مع الفارق، فالحج تصح فيه النيابة بخلاف الصلاة.



ب - ثم الحج فيه شبه بالعبادات المالية، وهي يصح فيها الاستئجار على فعلها كتفريق الزكاة والصدقات وإخراجها.



ج - ثم هم أجازوا النيابة في الحج بالنفقة، وهذا تناقض.



4- أن الحج عبادة يتعين على الحاج فعلها بالدخول فيها، فوجب أن لا تصح الإجارة عليها، ولا النيابة فيها كالجهاد [13].



ونوقش:

أ - أن هذا يناقض قولهم بجواز النيابة في الحج بالنفقة.

ب - ثم قياسه على الجهاد قياس مع الفارق، فالحج ورد فيه النص بجواز النيابة، ثم الجهاد فرض كفاية بخلاف الحج.

5- أن الحج عبادة بدنية، يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليه [14].



ونوقش:

أ‌- أنه منتقض بجواز أخذ الرزق والنفقة للحج.

ب‌- ثم إن الحج عبادة فيه ثواب المال، فجاز أخذ الأجرة عليها كالعبادات المالية.



أدلة القول الثاني:

وهم القائلون بالجواز:

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع قالت: يا رسول الله: إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوى على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: "نعم".متفق عليه [15].



وفي رواية قال:" نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالقضاء ".



ففي الروايات: أن المحجوج عنه والدها، وفي الأخرى: أمها.



2- عن أبي رزين العقيلي [16] أنه أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: "حج عن أبيك واعتمر" أخرجه أبوداود والنسائي والترمذي وصححه [17].



وقد ورد مثله مرفوعاً عن عدد من الصحابة، وذكر الترمذي أن عليه عمل أهل العلم [18].



ووجه الدلالة من الحديثين: أن الحج يقبل النيابة عن العاجز عن أدائه بنفسه، أو من مات ولم يؤده، فتجوز الإجارة عليه حينئذٍ، إذ الحج دين لله في ذمته، فإن لم يوجد من يحج عنه إلا بأجرة استؤجر عنه من رأس ماله.



3- أن الحج عبادة لها تعلق بالمال، فصحت النيابة فيها بالإجارة كالزكاة [19].



4- القياس على جواز الإجارة على كتابة المصاحف وبناء المساجد وحفر القبور، وهي قربة إلى الله تعالى، فكذلك الحج [20].



5- أن الحاجة تدعو إلى الاستئجار على الحج، فإن العاجز يحتاج إلى الاستنابة، ولا يكاد يوجد متبرع؛ لأن الحج شاق بدناً ومالاً، وليست النيابة عنه فرض كفاية، بل مستحب فلذا يقل المتبرع، فاحتاج إلى الأجرة [21].



6- ومن أدلة الجواز: القياس على جواز الجعالة وأخذ الرزق عليه [22].



أدلة القول الثالث:

1- أنه مقتضى الجمع بين الأدلة، فيقيد ما يدل على الجواز بالحاجة، وما يدل على المنع في حال عدم الحاجة.



2- أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة، وكثير من العاجزين ممن لم يحجوا لا يجدون متبرعين، فجازت الإجارة على ذلك، ويقيد ذلك بالحاجة للآخذ أيضاً حتى لا يكون ممن يتأكل بالعبادات [23].



3- أن الله أذن لولي اليتيم إذا كان فقيراً أن يأكل من مال اليتيم، بخلاف الغني.



قال ابن تيمية: كما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر ويستغني مع الغني. وهذا القول أقوى من غيره على هذا، فإذا فعلها الفقير لله، وإنما أخذ الأجرة لحاجته إلى ذلك، وليستعين بذلك على طاعة الله، فالله يأجره على نيته، فيكون قد أكل طيباً وعمل صالحاً ا.هـ. [24].



وهذا مفهومه أن أخذ الأجرة لا يمنع من إخلاص النية في العبادة وإحسان النية في أخذ المال بالاستعانة به على الطاعة.



4- أن الإنفاق على الأهل واجب، ويحرم تضييعهم، ولو سافر للحج بمجرد النفقة والبلاغ لكان مضيعاً لأهله بلا نفقة، وهذا محرم، فوجب عليه التكسب، ثم هو مخير في هذا التكسب في عبادات تقبل النيابة أو في المباحات عامة [25].



5- وأما وجه الكراهة: فلأنه من باب أكل الدنيا بعمل الآخرة، وليس هذا من سيما أهل الخير والصلاح [26].



قال ابن تيمية: ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق ا.هـ. [27].



وقال: فإن كون الإنسان يحج لأجل أن يستفضل شيئاً من النفقة ليس من أعمال السلف ا.هـ. [28].



6- ومن أوجه الجواز: أنه إذا خلا عن نية القربة صار من المباحات، ولم يكن من أعمال القرب.



قال ابن تيمية: ونحن إذا جوزنا الإجارة والجعالة على أعمال البر التي يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب لم نجعلها في هذه الحال إلا بمنزلة المباحات، لا نجعلها من باب القرب ا.هـ. [29].



وهذا ظاهر في تعليم القرآن، حيث لا يثاب على عمله، لكن لا يلزم أن يعاقب.



الترجيح:

والراجح - والله أعلم - هو القول الثالث:

1- لقوة أدلته وظهور حجته.

2- أنه مقتضى الجمع بين الأدلة والتوفيق بينها.

3- موافقته للقواعد الشرعية المرعية كقاعدة تحصيل المصالح، وقاعدة الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة ونحوها.

4- أنه موافق لأصل قرآني في ولي اليتيم مما يدل أن له أصلاً في الشرع ونظائر.

5- أنه لا يسع الفتوى بغيره في زمان ضعفت فيه الديانة، وقلّ أن يجد العاجز متبرعاً، فلذا جوز للحاجة.



وثمرة الخلاف: تظهر في استحقاق الأجرة إذا حصل ذلك، هل يستحق الأجرة كاملة أو لا يستحق إلا النفقة فما فضل منها ردّه؟ قولان للعلماء، والله أعلم. أخذ الأجرة مقابل الحج عن الغير
أ. د. عبدالله بن مبارك آل سيف