المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحفيد.. ذلك الحبيب


نبيل القيسي
15-07-2019, 03:05 PM
الحفيد قرة العين، وبلسم الروح، وامتداد الذكر، تلك النعمة العظمى، والمنة الكبرى التي منَّ الله تعالى علينا بها؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ [النحل: 72].



إن الناظر في أدبيات العلاقة بين الجد والحفيد في تاريخنا الأدبي يجدها غيرَ محتفل بها؛ أين الأدباء والشعراء والكتاب من التعبير عن هذه العلاقة العميقة الصافية؟ أجَل إن فارق السن بين الجد والحفيد كبير، إلا أن العلاقة بين الطرفين تكون أقوى من كُل العلاقات، ففي الحَفِيد تتجسد الفطرة، والبراءة، والصدق، والدلالُ، والحُب النقي الطاهر، وفي الجَد تتجسد معاني العَطاء بلا حدود، والثقة، والوقار، والحُب الصافي اللامتناهي، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسوة وقدوة حسنة.



إن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تُبيِّن بجلاء اهتمام واحتفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحفاده، وحرصه على القرب منهم وحُسن تربيتهم، وإروائهم بالحب النبوي الطاهر الذي يُمثله خير جدٍّ عليه صلوات الله وسلامه؛ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي يَحْمِلُ أُمَامَةَ أَوْ أُمَيْمَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ بِنْتُ زَيْنَبَ، يَحْمِلُهَا إِذَا قَامَ وَيَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ حَتَّى فَرَغَ[1].



فيا لروعة الحب! ويا لحنان الجد صلى الله عليه وسلم! حتى في الصلاة يطيِّب نفس حفيده على الرغم مما في الصلاة من تركيز ومناجاة وخشوع، فإنه صلى الله عليه وسلم يعطي الأمة درسًا في الجمع بين الخشوع والتركيز في الصلاة، وتقديم الحب لأولادنا وأحفادنا.



إن مراعاة الطفل معروفة في التربية الإسلامية في الصلاة يُحمل إذا كان ذلك سيدخل السرور على قلبه، ويتم الرفق به والصبر عليه حتى وإن طال السجود بسببه؛ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَهُوَ حَامِلُ حَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ، فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا قَالَ: إِنِّي رَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ فِي سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْ الصَّلَاةِ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ"[2]. ومعنى: ارتحلني: أي ركب فوق ظهري، فتركه صلى الله عليه وسلم راكبًا، ولم يعجل عليه حتى لا يحدث له مكروهٌ بسقوطه عن ظهره الشريف صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدرجة كان الخوف على الحفيد وتحقيق مبتغاه من اللعب في تدليل وأُنسٍ ومحبة ورفق.



إن الجد - بحكم السن المتقدم والوقار والهيبة - بعيد عن ممارسة اللعب واللهو المباح، فمن الصعب عليه التنازل ومسايرة الأصحاب أو الأولاد الذين كبروا في لعبهم ولهوهم، ولكنه يمارس اللعب واللهو مع حفيده، وربما جعل من ظهره مطية له، لا لشيء إلا لأنه لا يستطيع أن يخبئ مشاعره الفياضة، وحنانه العظيم وحبه الصافي لفلذة فلذة كبده، حفيده الحبيب.



إننا ونحن نسوق هذه الثوابت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، نذكر الذين يقسون على الأطفال بالصبر عليهم، وتعليمهم آداب الإسلام، وإن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فها هو صلى الله عليه وسلم ينزل من على المنبر يوم الجمعة، ويقطع الخطبة من أجل حفيده، رفقًا به وحدبًا عليه؛ عن أَبِي بُرَيْدَةَ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمِنْبَرِ، فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "صَدَقَ اللَّهُ: ﴿ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [الأنفال: 28]، فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا"[3].



فتخيَّل هذا الموقف واستحضره أمامك، وهو صلى الله عليه وسلم ينزل درجات المنبر، ويشق الصفوف ويحمل حفيديه الحسن والحسين، إنها اللهفة من الجد على حفيده، والحب الذي ملك جوانح جدٍّ لم يصبر وهو يرى حفيديه يعثران.



ومما ثبت في صحيح الحديث أنه صلى الله عليه وسلم حمل حفيده الحسن وأجلسه إلى جواره على المنبر، وأخذ وهو يخطب ينظر إلى الناس تارة، وينظر إلى حفيده تارة أخرى؛ قَالَ الْحَسَنُ: لَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ"[4].



لقد كان صلى الله عليه وسلم شديد العطف على أحفاده، وكان أحفاده يتسابقون إليه صلى الله عليه وسلم، وربما حمل صلى الله عليه وسلم حفيديه على عاتقه وسار بهما في الطريق وهو في غاية السعادة والسرور بهما؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي»؛ يعني الحسن والحسين رضي الله عنهما؛ أحمد 2/ 440.



وتعلَّم الصحابة منه صلى الله عليه وسلم ذلك، فهذا أبوبكر رضي الله عنه يتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل حفيده الحسن؛ فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه الْعَصْرَ ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي، فَرَأَى الْحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَقَالَ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، لَا شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ"، وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ[5].



ويعلم صلى الله عليه وسلم الأجداد والآباء التعبير عن الحب والقرب والعطف على الحفيد، فيعلن حبه لحفيده وهو يحمله على عاتقه، فعن الْبَرَاء رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ"[6].



عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ، قَالَ: وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ، فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ، فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ، قَالَ: فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ، ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ"؛ مسلم 4 /1885.



هكذا كانت علاقته بأحفاده صلى الله عليه وسلم، ولم يتوقف الأمر عند مجرد التعبير عن الحب بالحمل على العاتق واللعب، وإنما كان في طيَّات ذلك تعليمٌ للآباء والأجداد، وتعليم للحفيد نفسه، وغرس مكارم الأخلاق في ذاته منذ نعومة أظفاره، فهذا موقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع حفيده أوردته كتب السنة وهو أن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كِخْ كِخْ» لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»"؛ البخاري 2 /127.



إنه يغرس في حفيده الصغير خُلق تحرَّى الحلال، كما غرس في نفوسهم محبة الأجداد والآباء والأمهات وذوي القربى وحب المسجد والتعلق به

وختامًا، فالجد يرى في حَفِيده امتدادًا لعمره، يستحضرُ به طفولة أبنائه من جديد، وكفى بالحفيد إسعادًا لجده، منحه إياه لقبًا جديدًا لم يكن له من قبلُ، ألا وهو لقب (الجد)، إنها والله نسمة رقيقة، وجُملة تطيب النفس بها، حين نسمع الحفيد ينادينا: يا جدي يا جدتي، حقًّا إن أعز من الولد ولدُ الولد، إنه الحفيد ذلك الحبيب
الحفيد.. ذلك الحبيب
نجاح عبدالقادر سرور