المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعاهد قلبك بالقرآن لتتلقى فتوح الرحمن


المراقب العام
24-07-2019, 06:32 AM
http://i39.servimg.com/u/f39/14/26/64/84/untitl10.gif





أراضي قلوبنا الموات تستسقي غيوم الرحمة أن تجود بغيث الإحياء، تتضرع للمولى أن يحييها بعدما أماتتها الذنوب والزلات، بعدما أحرقت زروع بساتينها في أحد عشر شهرا مجدبات سامرت فيهن الهوى ولم تلتفت إلى مشورة العقل، فأُذن لها أن تشهد الشهر المطهر بأنواره وأسراره وفضائله لتعود الخضرة إلى بساتينها والثمار إلى أشجارها والمياه إلى وديانها، وها هي ذي الفيوض تعمها لتسعد بالقرب بعد الإقصاء وبالإبصار بعد العمى، وبالحياة بعد الم
مات. فهذا منه سبحانه فكيف الاستجابة منا؟
الفرار إلى الله.
تأتي الآيات صارخة فينا دعوة وتوجيها فتكون الاستجابة بامتثال أمر الله  في قوله: ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (الذاريات: 50). فهي دعوة إلى الفرار إليه، والهرع إلى رياضِه العامرة، لتسكن أرواحنا بمعيته، عل رحمته التي أحيت الأرض بعد موتها أن تحيي موات قلوبنا، وقد دعينا في غير ما آية إلى التأمل والاعتبار: فَانظُرِ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰوَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الروم: 50).
والدعوة توجيه إلى المسارعة في السباق فاستبقوا الخيرات . سباق في أعمال الخير والطاعة؛ عبادة ومعاملة وأخلاقا وعادات، امتثالا لأمره، آنئذ نرث سر الكتاب مصداقا لقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (فاطر: 32).
فهلموا إلى الدخول على الله استجابة لأمره ل: “مجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب، بل من أقرب الطرق وأسهلها… فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار… وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية… وإن آثرت الشهوات والراحات، واللهو واللعب، انقضت عنك بسرعة، وأعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله، والصبر على طاعته ومخالفة الهوى لأجله”.
فيا لها من تجارة رابحة أن تفر إليه فيكرمك ويقبل عليك بعطائه وجوده والله عنده حسن المآب (آل عمران: 14).


تعاهد القلب بالقرآن الكريم
لم ينزل الله تعالى غيثا قط أنفع ولا أثمر للقلب من غيث القرآن ففيه شفاء ورحمة، وفيه حياة، به يعمر القلب القابع في رياض الله الكريم؛ بتلاوته حق التلاوة، ويشترك في ذلك اللسان والعقل والقلب؛ “فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر والانزجار والائتمار، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ”.


وإقبالك على القرآن الكريم ميزان تزن به مدى محبتك لله  ورسوله ونجد ذلك في قول ابن مسعود : “لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن ويعجبه فهو يحب الله سبحانه ورسوله ، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله سبحانه ورسوله “.


تعاهد قلبك بالقرآن لتتلقى فتوح الرحمان فتنجلي لك أسراره كما انجلت للصالحين من أهل الله وخاصته، فهذا مزاحم بن زفر يقول: “صلى بنا سفيان الثوري المغرب فقرأ حتى بلغ إياك نعبد وإياك نستعين فبكى حتى انقطعت قراءته ثم عاد فقرأ الحمد لله”.


وروي أن محمد بن إسماعيل البخاري دعي إلى بستان بعض أصحابه، فلما حضرت صلاة الظهر صلى القوم، ثم قام للتطوع، فأطال القيام، فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه فإذا بزنبور قد أَبَّرهُ في ستة عشر موضعا، وقد تورم من ذلك جسده ظاهرة، فقال له بعضهم: وكيف لم تخرج من الصلاة في أول ما أبرك؟ فقال كنت في سورة فأحببت أن أتمها”.


وروي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه أعطي شربة ماء بارد فلما أخذ القدح غشي عليه وسقط من يده، فلما أفاق قيل له: ماذا بك يا أبا الحسن؟ قال ذكرت أمنية أهل النار حين قالوا لأهل الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله (الأعراف: 50).


فهذا عمل القرآن الكريم إذا تعاهدته القلوب بالتدبر ولنحقق ذلك هيا بنا لنصغي إلى نصيحة ابن القيم رحمه الله تعالى والتي لخصها في أمرين: “أحدهما أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة، ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها، وتدبر ما يراد منه، ما نزل لأجله، وأخذ نصيبك من كل آياته، وتنزلها على داء قلبك، فهذه طريقة مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى”.


فلم يجالس أحد القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان، إن تدبر زاد إيمانه ويقينه وإن أعرض ونأى بجانبه جعلت على قلبه أكنة أن يفقه أسراره.


وتلكم الرياض العامرة يا سادة فررنا فيها إلى الله تعالى للاستزادة من الطاعة والعبادة، وتعاهدت قلونا على تدبر كتابه، فاللهم لا تجعلنا ممن يقول ولا يعمل، ويسمع ولا يقبل.
د. رجاء عبيد