المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محبة رسول الله وآثارها في سلوك المسلمين


المراقب العام
01-08-2019, 05:50 AM
http://i39.servimg.com/u/f39/14/26/64/84/untitl10.gif





عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : «لا يؤْمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين» صحيح البخاري ومسلم.


لا ينكر أحد أن محبة رسول الله من صلب الدين الإسلامي ودعائمه التي يقوم عليها، وبما أن الأمر كذلك، فإن الأمة الإسلامية منذ بعثته حملت لواء التعبير عن محبته في مختلف المناسبات، وعلى رأسها مناسبة ميلاده . ومنذ وقت ليس بالقصير والناس يتساءلون كيف نعبر عن حبنا للرسول ؟ وما هو المنهج الذي يجب اتباعه في ذلك؟ وكيف تنعكس آثار هذه المحبة على حياة المسلم الشخصية وسلوكا ته الاجتماعية؟


1 ــ كيفية ترسيخ محبة الرسول عند المسلمين:

أ ــ الانطلاق من الإيمان الصحيح الصادق:
باعتبار أن محبته من الإيمان، وأنها من أركان الدين وركائزه التي لا يتصور قيامه دونها، قال : «فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» صحيح البخاري. فالإيمان الذي لا يقوم على محبته ناقص. قال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (آل عمران: 31). فالآية صريحة في وجوب محبته .
إن المحبة الواجبة للرسول هي التي تقوم على معرفته شرعا، فكلما عرفه المحب بحق ازداد به حبا وتعلقا، وهذا يفرض علينا أن نهتم بسيرته تعلما وتدريسا بمناهج تربوية تحبب لأولادنا الإقبال عليها والشغف بقراءتها، وهذا واجب على كل أب وأم، كما يجب على الدولة الإسلامية أن تعتمد السيرة ضمن مقرراتها الدراسية في مختلف الشعب؛ إذ معرفة الرسول من ضروري الدين، كما تسهم سيرته في بناء الشخصية الإسلامية المتزنة.


ب ــ التربية على وجوب تقديم محبته:
فعن عبد الله بن هشام، قال: كنا مع النبي وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي : «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي : «الآن يا عمر»(صحيح البخاري).
ومن مقتضى هذه المحبة وجوب الصلاة عليه قال : «من صلَّى علي واحدة صلى الله عليه عشرا»(صحيح مسلم). كما يجب تقديم حديثه على كل الآراء والأقوال قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله (الحجرات: 1). فمن الغرابة أن ندعي محبته ولا نلتزم بما يقوله، فكثيرا ما نصادف أناسا يتطاولون على أحاديثه إما بالرد، أو التكذيب، أو التشكيك، لكونها تخالف هواهم، وتعارض مصالحهم الزائفة.


2 ــ التربية على الاقتداء به في ما سنه الشرع لنا:
قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (الأحزاب: 21). فالاقتداء يعني المشي على خطاه في الأقوال؛ فنتجنب النميمة، وشهادة الزور، والكلام الفاحش، ونلتزم بالكلمة الطيبة، والقول الحسن، وفي الأفعال؛ نحسن الصحبة والمعاشرة، ونحسن الجوار، ونجري في الصلح ونشر المحبة والإخاء بين المسلمين؛ لأنه بعث لتوحيد الناس على عبادة الله الأحد. قال : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (صحيح البخاري ومسلم).
فالمحبة عن طريق الاقتداء أكبر دليل على صدق المحب وإخلاصه في كل وقت وحين، وليس في يوم مولده فقط؛ صحيح أن شهر ربيع الأول هو شهر نبوي؛ لأنه فيه ولد، وفيه مات؛ لذلك يجب الاهتمام به وإحياؤه في نفوس المسلمين وفق منهج تربوي قائم على دراسة سيرته. فتكون هذه المناسبة نقطة الانطلاق لكي نصلي في الوقت، ونصوم، ونزكي، ونحج، ونحسن الثقة بالله والتوكل عليه، ونبيع ونشتري، ونتزوج، ونتعامل فيما بيننا وفق منهجه وشريعته، إن مناسبة شهر ميلاده أفضل وقت لتجديد البيعة للحبيب المصطفى على السمع والطاعة في كل صغيرة وكبيرة، حتى نتوج بوصف الأخوة. فعن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله : «وددت أني لقيت إخواني» قال: فقال أصحاب النبي : أوليس نحن إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني وصدَّقونِي وأَحَبوني، حتى أَني لأَحَب إِلَى أَحدِهمْ من ولدهِ ووالده»(مسند احمد).


3 ــ من آثار محبة الرسول في سلوك المسلم:
أ – القيام بنشر دعوته بالعلم والعمل؛ فإذا كان قرن الرسول أفضل القرون؛ فلأنه كان يضم أناسا يحبون الله ورسوله، وينشرون دعوته، ويسعون لنصرته، ويقدمون هذه المحبة عن كل غال ونفيس، فحصنهم الرسول بالتربية على الوحي حتى خلا مجتمعهم من كل مظاهر الفساد والانحراف. ونحن الآن؛ لا يمنعنا من بناء مجتمع متماسك وقوي محب للخير وأهله، إلا إحياء محبة الله جل وعلا والرسول في قلوب أفراده، فيسخطون لما يغضب الله ورسوله، ويفرحون لما يرضي الله ورسوله.
فتشكل هذه المحبة مجتمعا موحدا وقويا، قائما على رسالة المحبة والرحمة، يسعى لتخليص العباد من الحروب والفتن، والدعوة إلى الإسلام بالتي هي أحسن، بواسطة الحوار والإقناع وقبول الآخر. مصداقا لقوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن (النحل:125). هذا منهج دعوتنا إلى الله تعالى، يقوم على العلم، والحوار، وتقبل الآخر فكرا ومنهجا. وليس مجرد شعارات غربية تُرفع في وسائل الإعلام والملتقيات الدولية، وهي في الواقع ترسل صواريخها العابرة للقارات، وقنابلها الفتاكة، لإرهاب المسلمين وقتلهم في عقر دارهم.
إن بناء مجتمع محصن من الفساد في مجال التعليم، والصحة، والاقتصاد، والسياسة، والفن، لن يتحقق إلا إذا تأسى الفاعلون، والمسئولون، بمنهج الرسول ، في إصلاح المجتمع؛ فمهما خطط المخططون، وتفلسف المتفلسفون، وتجمهر المتجمهرون، فإنهم لن يصلوا لشيء ما داموا بعيدين عن منابع النبوة، لا يغترفون من كنوزها، ولا يشربون من معينها.


ب – السعي إلى تحقيق استقلالية الأمة الإسلامية؛ فتكتفي بذاتها في كل شيء، فعن النبي أنه قال: «مَثَل المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثل الجسد، إِذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحُمى»(صحيح البخاري ومسلم).
إن وجود مجتمع مسلم مستقل ينشر الخير، ويقود الأمم، ويبث الرحمة بين صفوف الناس على مختلف بيئتهم ومعتقداتهم، خال من الفحش والجرائم بمختلف أنواعها، لن يتحقق باتباع المناهج الغربية المادية المفلسة، القائمة على نهب أموال الفقراء، وكراهية المسلمين، ونشر الشذوذ الأخلاقي، عبر مختلف وسائلها الإعلامية خدمة لثلة من الرأسمالية المتسلطة على البلاد والعباد. قال تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم (البقرة: 121).


حري بالأمة الإسلامية؛ أن تتخذ لنفسها مناسبة ميلاد الرسول محطة للإعلان عن بداية جديدة، قائمة على تطهير كل مؤسساتها من التبعية المطلقة للتوصيات الغربية؛ لأن الأولوية لديننا، وهويتنا، وحضارتنا، فإذا أعوزنا هذا كله، انفتحنا على غيرنا لأخذ ما ينفعنا ورد ما يضرنا. عار علينا والحال أننا أمة اقرأ، ومع ذلك؛ لا زلنا عالة على غيرنا في الصناعة، والتعليم، والطب، والاقتصاد…، بل نتنافس في إرضاء الغرب عبر تطبق توصياته وتعليماته لعله يرضى علينا بكلمة مدح. أليس حب الرسول يقتضي الاعتزاز بمنهجه وتقديم شرعه على كل شيء؟


ج – مجاهدة النفس على التخلق بأخلاقه؛ وذلك بتربيتها على الاستقامة، والاجتهاد في العمل الصالح، فمن يحب الرسول ، يحدث بصدق، ويعمل بإخلاص، وينصح بود ومحبة، ويسعى فيما ينفع الناس قولا وفعلا حتى يكون مع النبيين والصديقين، فيفوز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة. عن عائشة ، قالت: جاء رجل إلى النبي فقال: “يا رسول الله، إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرَفت أنك إذا دخلت الجنة رُفِعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة، خشيت ألا أراك، فلم يرد عليه النبي ، شيئًا حتى نزل جبريل بهذه الآية: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (الطبراني في الأوسط).


فمحبة الرسول الصادقة بالقول والعمل، طريق إلى الجنة. فقد جاء رجلٌ إلى النبي يسأله عن الساعة، فقال: «وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء، إلا أني أحبُّ الله ورسوله ، فقال: «أنت مع مَنْ أحببت» (صحيح البخاري).
د.محمد البخاري