المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التوجيه النبوي بحفظ كرامة الأرامل والمساكين في المجتمع الإسلامي


المراقب العام
05-09-2019, 05:11 AM
http://i39.servimg.com/u/f39/14/26/64/84/untitl10.gif





عن أبي هريرة ] قال: قال رسول الله [: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله -وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر»(1).


هذا الحديث يؤسس لمبدأ حفظ كرامة الإنسان المسلم المحتاج بصفة عامة، ويدافع عن حق الأرملة والمسكين في الحصول على العيش الكريم بصفة خاصة؛ وذلك بهدف خلق توازن اجتماعي قائم على الرحمة والتضامن بين أفراد الأمة الإسلامية. وسنقف مع هذا الحديث لنستنير بإرشاداته وتوجيهاته من خلال النقط التالية:


1 – مفاهيم الحديث ومضامينه.
الساعي: السعي في اللغة يفيد بذل الجهد في العمل لتحصيل الكسب من الطعام وغيره(2).
الأرملة: المرأة التي لا زوج لها لافتقارها إلى من ينفق عليها. قال ابن الأنباري: الأرملة: التي مات عنها زوجها، سميت أرملة لذهاب زادها، وفقدها كاسبها، ومن كان عيشها صالحا به (3).
المسكين: من سكن المتحرك سكونا ذهبت حركته، والمسكين مأخوذ من هذا لسكونه إلى الناس. فالمسكين هو الذي لا شيء له (4).
ومن المضامين التي يمكن استفادتها من الحديث:
- ترغيب الرسول [، في الإنفاق على الفئة المعوزة كالأرامل والمساكين لتحقيق تماسك المجتمع الإسلامي.
- حث الرسول [ المسلمين عامة، وأولياء الأمور خاصة، على إحداث آليات التوازن في الإنفاق بين الفئات الاجتماعية داخل الأمة الإسلامية.
- نوَّع الإسلام وسائل التحفيز على أعمال الخير وبين أجرها ومكانتها عند الله تعالى؛ لضمان التكافل بين أفراد الأمة المسلمة.


2 – السعي بالخير على المحتاج تحقيق لمعنى العبودية لله.
لاشك أن الأفراد الذين ذكروا في الحديث هم فئة محتاجة داخل الهرم الاجتماعي؛ فالأرملة فقدت من يعولها فهي محتاجة إلى سند تركن إليه، والمسكين محتاج إلى من يمد إليه يد المساعدة ليتغلب على متطلبات الحياة وإكراهاتها. فهؤلاء قلما يلتفت الإنسان إلى ضعفهم؛ لهذا جعل الرسول [ أجر من يساعدهم عظيما يوازي أجر المجاهد في سبيل الله بماله ونفسه، أو أجر قائم الليل كله للصلاة دون توقف، وهذا من صفة المتقين قال تعالى:{إنَّ المتَّقين في جنَّات وعيون آخذين ما آتَاهم ربهم إِنَّهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قَليلا من الليل ما يهجعون}(الذاريات: 15-17). أو أجر الصائم الذي قال فيه الرسول [: «من صام يوما في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا»(5).
وقال رسول الله [:«الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القربى ثنتان: صدقة وصلة»(6).
فالأجر عظيم، والثواب كثير، وإقبال الناس عليه قليل، إنه ضعف الإيمان، وقلة حسن التوكل على الله، والتعلق بحب الدنيا الفانية، وقد أخبر الرسول [ بهذا فقال:«فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم»(7).
وفي واقعنا نجد الناس في تعاملهم مع هذه الفئة ثلاثة أصناف:
- الصنف الأول: يتخذ الاهتمام بهم والاعتناء بمطالبهم مطية للتفاخر وإظهار الكرم كي يشكر عند الناس ويذكر بالخير، فإذا لم يُقدَّم له ذلك وخاصة ممن يساعدهم غضب وتوقف عن المساعدة. وقد غضب أبو بكر الصديق ] من أحد الصحابة الذي كان ينفق عليه، يقال له مسْطَح، لأنه تكلم في حادثة الإفك، فحلف أبو بكر ألا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم}(النور:21). فعاد إلى الإنفاق عليه. وهذا باب واسع للرياء والسمعة يقع فيه الكثير من الناس. روي أنَّه مر على النبي [ رجلٌ، فقال الصحابة يا رسول الله، لو كان هذا في سبيلِ الله، فقال [ : «إن كان خرجَ يسعى على وَلَدِه صغارًا، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه، يَعُفُّها، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومُفاخرة، فهو في سبيل الشيطان»(8).
- الصنف الثاني: يساعدهم قليلا ويستغلهم كثيرا؛ فيعطهم ما فضل عليه من الطعام واللباس، ويفرض عليهم مقابل ذلك القيام بأعمال شاقة، أو أعمال دنيئة أحيانا كلما احتاج إليهم أو إلى أولادهم، فإذا لم يلبوا مطالبه توقف عن المساعدة، بل ربما عاقبهم على ذلك. وهذا استغلال وظلم، والله لا يحب الظالمين فهذا الصنف جعل ضعفهم وسيلة لتحقيق أهدافه الخبيثة.
- الصنف الثالث: هدفه ابتغاء وجه الله؛ وهو الذي يستحق الأجر الذي ذكر في الحديث؛ أي أجر الجهاد في سبيل الله، أو أجر قائم الليل للصلاة والتضرع إلى الله، أو أجر الصائم الذي لا يفطر، قال الله تعالى في حديث قدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»(9).
إن حديث الساعي على الأرملة؛ يحقق مقصدا أصليا هو الفوز بالجنة، ومقصدا تبعيا دنيويا هو تحقيق التوازن والتماسك بين جميع طبقات المجتمع الإسلامي؛ فيكون كالجسد الواحد يرحم فيه الغني الفقير، ويحب الفقير الغني، فيعيش المجتمع في كون أرضه محبة وسماؤه رحمة. بهذا المنهج وبهذا السلوك تعمنا جميعا رحمة الله، قال رسول الله [: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»(10).


3 – الوسائل الشرعية لحفظ كرامة الأرامل والمساكين.
من المتفق عليه؛ أن الإسلام دين الحلول العملية التي يسهل تطبيقها في واقع الناس وفق مبادئ العدل والإحسان، لذلك أمر الله تعالى بإعطاء كل ذي حق حقه من الميراث قويا كان أو ضعيفا، ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، قال تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}(النساء: 6). لكن في واقعنا غالبا ما تحرم الفئة الضعيفة من الأرامل والمساكن ومن هو على شاكلتهم من الميراث، فتصبح عرضة للضياع. وقد حرم الله تعالى أكل أموال الناس بالباطل، واعتبر مصير آكله جهنم والعياذ بالله.
ولحفظ حقوق هؤلاء؛ يجب على الدولة أن تضع هيئة خاصة لحمايتهم، فتسهر على تقسيم تركتهم وتضمن وصول حقوقهم إليهم؛ إذ ربما يعجزون أو يخافون من الوصول إلى القضاء لرفع مظالمهم والدفاع عن حقهم، فضمان حصول هذه الفئة على ميراثها، وسيلة شرعية لحفظ كرامتها دون الحاجة إلى مساعدة مادية من أحد.
ومن الوسائل الشرعية أيضا لحفظ كرامتهم، تفعيل بيت مال المسلمين وتطوير مؤسسة الزكاة وتوظيفهما لصالحهم، فيأخذ الضعيف منهم ما يستحقه مما يضمن له حقه في العيش الكريم، كتوفير السكن اللائق، والتعليم الجيد، والحق في العلاج، للعاجز منهم عن العمل، وخلق فرص الشغل للقادرين منهم على العمل، فيشعرون بعزة الإسلام ونصرته لأنه أخذ بيدهم في وقت الشدة، وساعدهم على النهوض حين أوشكوا على السقوط، قال رسول الله [ : «أنا أَولى بكل مؤمن من نفسه؛ من تركَ مالاً فلأَهله، ومن ترك دينا أو ضياعًا فإِليّ وعليّ»(11).
ومعنى هذا أن من ترك عيالا أو دينًا وليس له وفاء، فإن وفاء دَينِه وكفالة عياله مِن بيت مال المسلمين.
لكن للأسف الشديد؛ أين نحن من هذا كله؟ والذي يستفيد من الثروات في الدول الإسلامية طبقة قوية متحكمة في رقاب البلاد والعباد، تأكل أموال الناس بالباطل، وتعتبر أخذ حقهم مساعدة اجتماعية يضمنها صندوق التضامن، أو صندوق التكافل، أو غيرها من المسميات. مع أن الأصل يجب أن يكون لهم مبلغ مادي قار، وخدمات اجتماعية إلزامية توفرها لهم الدولة؛ لأنهم مسلمون ينتمون إلى الإسلام. قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}(النساء:58). وقال [: «ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته..»(12).
فالثروات يجب أن توزع بشكل عادل يستفيد منها كل أبناء الأمة الإسلامية دون تفضل من أحد.
بل الإسلام صان كرامة المساكين من غير المسلمين أيضا؛ فقد كتب خالد بن الوليد في عهد الصديق ] في وثيقة الصلح مع أهل الحيرة: وجعلت لهم أيُّما شيخ ضَعُفَ عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر حتى صار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وَعِيلَ من بيت مال المسلمين، وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام (13).
كما أن عمر ] مر بباب قوم وعليه سائل يسأل وهو شيخ ضرير، فقال له عمر: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي. فقال: ما الذي ألجأك إلى ما أرى؟ فقال الرجل: أسأل الجزية، والحاجةَ والسنَّ، فأَخذ عمر بيده ، وذهب إلى منزله فأعطاه شيئا من المال، ثم أرسل إلى خازن بيت المال وطلب إليه أن يُجريَ عليه رزقاً مستمراً من بيت المال، وقال للخازن: انظر إلى هذا وأمثاله، فو الله ما أنصفنا إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. وأسقط عنه الجزية وعن أمثاله (14).
لأن الإسلام يأبى أن تحط كرامة الإنسان أو تهان، إذا كان تحت وصايته وحكمه وإن كان من غير المسلمين. وقد روي أن رسول الله [، كان: «لا يأنف أن يمشي مع الأرملة، والمسكين فيقضي له الحاجة»(15).
هذا نهج نبينا، ومبادئ ديننا، كل منهما قائم على الرحمة وحفظ كرامة الإنسان.
د.محمد البخاري
—————–
1 – صحيح مسلم، 2982/صحيح البخاري، 6007.
2 – لسان العرب، مادة سعا.
3 – تاج العروس، مادة رمل.
4 – المصباح المنير، مادة سكن.
5 – مسلم، 1153.
6 – النسائي، 2582.
7 – البخاري،4015.
8 – المعجم الكبير. 282.
9 – البخاري، 5927.
10 – الترمذي، 1924.
11 – مسلم 867.
12 – مسلم،1829.
13 – الخراج لأبي يوسف، ص: 157.
14 – الخراج؛ لأبي يوسف، ص: 159.
15 – النسائي، 1414.