المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معركة تولوز .. طولوشة.....


نبيل القيسي
05-09-2019, 08:28 AM
لما توفي الخليفة سليمان بن عبد الملك في صفر 99هـ / سبتمبر 717م، خلفه عمر بن عبد العزيز رحمه الله [1]، فعيَّن السمح بن مالك واليًا على الأندلس في رمضان عام 100هـ، وجعل ولايتها تابعة للخلافة مباشرة؛ نظرًا لأهميتها وكثرة شئونها [2].

فتُعَدُّ ولايةُ السمحِ بن مالك الخولاني رحمه الله على الأندلس من حسنات الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله (61-101هـ / 781-720م)؛ فقد حكم عمر بن عبد العزيز رحمه الله المسلمين سنتين ونصف على الأكثر 99 - 101هـ / 718 - 720م [3]، وفي هذه الفترة الوجيزة عَمَّ الأمن والرخاء والعدل كل بلاد المسلمين.

ولاية السمح بن مالك على الأندلس
اختار عمر بن عبد العزيز رحمه الله السمحَ بن مالك الخَوْلاني، ذلك القائد الربَّاني المشهور في التاريخ الإسلامي، وهو القائد الذي انطلق إلى بلاد فرنسا مجاهدًا، وكانت بفرنسا مدينة إسلامية واحدة هي مدينة أرْبُونَة، تلك التي فتحها موسى بن نصير / بسرية من السرايا [4]. لكن السمح بن مالك الخَوْلاني فتح كل منطقة الجنوب الغربي لفرنسا، ثم أسَّس مقاطعة ضخمة جدًّا وهي مقاطعة سبتمانيا [5].

توغل العرب ونشاطهم في جنوب فرنسا
تفصل جبال ألبرت أو البرتات -وهي التي تعرف خطأ باسم البرانس- إسبانيا عن جنوب فرنسا. وكانت هذه المنطقة الجنوبية من فرنسا تسمى بـ (غالة Gaul). وهي تتألف من عدة ولايات، كولاية سبتمانية، وتعني المقاطعة ذات المدن السبع، منها أرْبُونة Narbonne وهي عاصمة هذه الولاية، وقرقشونة Carcassonne وتقع دوقية أكيتانية إلى الشمال الغربي من ولاية سبتمانية، وعاصمتها برديل أو بوردو Bordeaux الواقعة على مصب نهر الجارون.

ومن مقاطعات غالة الأخرى، إقليم بروفانس، الذي يقع إلى الشمال الشرقي من ولاية سبتمانية، وعاصمته مدينة أبنيون Avignon الواقعة على وادي رودنة أو الرون. وإلى الغرب من هذا النهر، يقع إقليم برغندية، وعاصمته مدينة لودون أو ليون Lyon. وكانت المنطقة الواقعة إلى الشمال من نهر اللوار خاضعة للدولة الميروفنجية [6].

وتشير بعض الروايات العربية إلى أن موسى بن نصير وطارق بن زياد كانا أول من عبرا جبال ألبرت، ففتحا أراضي ومدناً في جنوب فرنسا، ومنها أربونة وأبنيون، وليون، حتى انتهيا إلى وادي رُودنة [7]. وكما أسلفنا، فإن ما تذهب إليه هذه الروايات بعيد الاحتمال، ولا يتوفر لدينا ما يؤيد وصول هذين القائدين إلى هذه المناطق، لا سيما ونحن نعلم أن موسى اضطر إلى عدم استكمال فتوحه في شبه الجزيرة الآيبيرية ذاتها بسبب استدعاء الخليفة له. وهناك رواية مسيحية أخرى تشير إلى أن الحر بن عبد الرحمن الثقفي، الوالي الذي أعقب أيوب بن حبيب اللخمي، قد توغل عبر جبال ألبرت وافتتح أربونة عاصمة غالة. ويذكر المؤرخ الاسباني رامون عبد ال R. Abdal إن الحر قد فتح قطلونية Catalonia وبرشلونة في الشمال الشرقي من إسبانيا ووصل إلى جبال ألبرت. ولكن لا توجد أية إشارات في بقية المصادر المسيحية، أو في المصادر العربية القديمة تؤيد هذه الفتوحات، ولهذا فمن الصعب التعويل على ما جاء في هذه الروايات.

الفتوح في عهد السمح بن مالك الخولاني
تتفق معظم المصادر على أن نشاط حركة الفتوح عبر جبال ألبرت ابتدأ في عهد السمح بن مالك الخولاني (100 - 102 هـ/ 719 - 721م) الذي عينه الخليفة عمر بن عبد العزيز ليكون والياً للأندلس بدلاً من الحر بن عبد الرحمن الثقفي، لنزاهته وشدة إيمانه. وما أن استقر السمح في الولاية وقضى على بعض الاضطرابات الداخلية، وأصلح الأمور الإدارية، وقام ببعض الإصلاحات العمرانية [8]، حتى بادر بالنهوض إلى الفتح والجهاد في جنوب فرنسا، وذلك من أجل توحيد طاقات العرب والمسلمين في الأندلس مرة أخرى وتوجيهها نحو الأعداء في بلاد الفرنجة.

معركة تولوز
شرع السمح بن مالك بسلسلة من الحملات والفتوح في غالة، فسار بجيش كبير عبر منطقة سرقسطة، واجتاز جبال ألبرت إلى أن أصبح أمام أربونة عاصمة ولاية سبتمانية، فحاصرها وافتتحها عنوة. ثم حصّن أسوارها ووضع فيها وفي المدن المجاورة لها الحاميات. ثم توغل من هذه المدينة إلى داخل غالة حتى وصل إلى طولوشة Toulouse. وكان السَّمح قد فتح ولاية سبتمانيا القوطيّة، وأقام فيها حكومة إسلامية، ووزّع الأرض بين المسلمين الفاتحين والسكّان الأصليين، وفرض الجزية.

وفي محاولة لافتتاح مدينة طولوشة بالقوة، أحاطها المسلمون بالخنادق والمنجنيقات وسائر أدوات الحصار، حتى أوشك أهلها على التسليم. وعندما سمع الدوق أودو Eudo، دوق أكيتانية، بهذا سار مسرعاً نحو المدينة، واشتبك مع الجيش العربي الإسلامي في معركة حامية بالقرب من مدينة طولوشة، وصبر المسلمون صبراً كريماً، حتى قُتلوا عن آخرهم -كما يقول ابن حيان، وكانت جنود الفرنج قد تكاثرت على المسلمين وعليه، وأحاطت بالمسلمين، فاستُشهد يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) سنة 102هـ، أو أنّه استُشهد يوم عرفة من سنة 102هـ (9 أو 10 يونيو سنة 721م) [9].

وقد استطاع مساعده القائد عبد الرحمن الغافقي أن يقود فلول الباقين من الجيش الإسلامي ويرجع بهم إلى أربونة، ومن ثم إلى الأندلس [10]. وعلى أثر هذه الهزيمة تشجع أهالي المنطقة لخلع طاعة العرب، لكن كان المسلمون لا يزالون متمكنين من أربونة، وقد جاءتهم نجدات من الأندلس، فثبتوا في المناطق التي تم فتحها على يد السمح بن مالك [11].

[1] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 4/57-59، والذهبي: تاريخ الإسلام 6/382، وابن كثير: البداية والنهاية 9/200.
[2] مجهول: أخبار مجموعة ص30، والحميدي: جذوة المقتبس 1/5، وابن عذاري: البيان المغرب 2/26، والمقري: نفح الطيب 1/235، 3/14، 15.
[3] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 4/59، وابن كثير: البداية والنهاية 9/217.
[4] انظر: المقري: نفح الطيب 1/274.
[5] انظر تفصيل ذلك: الخشني: قضاة قرطبة ص9، وسبتمانيا الآن هي ساحل الريفييرا، وتُعَدُّ من أشهر المنتجعات السياحية في العالم.
خليل إبراهيم السامرائي - عبد الواحد ذنون طه - ناطق صالح مصلوب: تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، الناشر: دار الكتاب الجديد المتحدة - بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، 2000م، 1/ 49- 51.
[6] انظر: سالم، تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، ص 137.
[7] المقري (برواية ابن حيان) ج 1، ص 273 - 274.
[8] أخبار مجموعة، ص 24؛ فتح الأندلس، 25؛ ابن عذاري، ج 2، ص 26.
[9] ابن الأثير (5/ 489) والبيان المغرب (2/ 26) وابن خلدون (4/ 257)، وفي جذوة المقتبس (237)، أنه استشهد في ذي الحجة يوم التروية سنة 103هـ، وكذلك في بغية الملتمس (316)، ومن الواضح أن صاحب البغية نقل الخبر من صاحب الجذوة، وجمهور المؤرخين يعتبرون استشهاده سنة 102هـ..
[10] راجع عن فتوحات السمح: فتح الأندلس، ص 25، ابن عذاري، ج 2، ص 26، المقري، ج 1، ص 235،ج 3، ص 15.
وانظر: ترجمة عربية لبعض نصوص رينو ينقلها شكيب أرسلان، في كتابه تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط، مصر، 1352هـ، ص 64 - 71.
[11] المرجع نفسه، نقلاً عن رينو، ص 72. قصة الإسلام