المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثر التربية في الإصلاح الاجتماعي ونهضة الأمة


المراقب العام
12-09-2019, 04:48 AM
http://i39.servimg.com/u/f39/14/26/64/84/untitl10.gif


أثر التربية في إصلاح المجتمع ليس موضوعا عاديا وليس كبقية المواضيع الفكرية أو العلمية وإنما هو موضوع جلل، يدل على جلالة قدره وعظم شأنه أن الله سبحانه وتعالى تولاه بنفسه فربى النخبة المباركة التي تقوم بهذا الأمر العظيم، فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ورباهم وصنعهم على عينه سبحانه وتعالى بتربيته الخاصة من أجل أن يخرجوا إلى البشر ليربوهم تلك التربية الربانية، ومازالت الرسل تبعث من قبل الله تعالى فترة بعد فترة، وهكذا يذكرنا الله تعالى في القرآن الكريم بهؤلاء الذين رباهم قبل أن يخرجوا إلى الناس ليقوموا بهذه التربية التي يكون لها ذلك الأثر العظيم في إصلاح الفرد والمجتمع; يقول الله عز وجل مبينا صفات هؤلاء المربين: ولتصنع على عيني في حق موسى ، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما في حق محمد ، وهكذا كل الأنبياء الذين ذكروا في القرآن دائما يذكر الله عز وجل أنه هو الذي تولى تربيتهم قبل أن يبعثهم للناس ليقوموا بتربية العباد قال تعالى: ولقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وقال سبحانه وتعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران ذرية بعضها من بعض ، وهكذا تتوالى الآيات التي يبين فيها سبحانه وتعالى أن هؤلاء الذين أناطهم بمسؤولية التربية رباهم سبحانه ليقوموا بهذه التربية على أحسن وأكمل حال، وقد كان الأمر كذلك، أما الذين وقعت عليهم التربية فمنهم من استجاب لهذه الدعوة ولهذه التربية, ومنهم من لم يستجب. والأمر لله من قبل ومن بعد، هكذا توالت الرسل لتربية البشرية حتى شاء الله عز وجل أن يختم هذه الرسالات برسولنا المصطفى لتتمثل فيه الصفات الكاملة للمربي, فبعث الله نبيه كاملا، فلم يجلس أمام أستاذ ولا أمام عالم ولا أمام مفكر, بل استأثر به سبحانه وتعالى ورباه أربعين سنة قبل أن يبعثه وهو تحت رعايته وعنايته, فلما بلغ الأربعين بعثه رحمة للعالمين فقام بهذه التربية الكاملة وربى رجالا من طراز لا يأتي مثلهم لا قبلهم ولا بعدهم، قال الله عز وجل: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما .


وهكذا انتقلت هذه الصفات من شخص الحبيب المصطفى إلى شخص أصحابه فتفرقت هذه الصفات الكاملة في الصحابة ثم بعد ذلك تكون المنهج الرباني التربوي لهذه الأمة وظل محفوظا من قبل الله تبارك وتعالى لأن الله شاء أن يكون هذا المنهج الخاتم الذي ختم الله به الرسالات فاجتمع الكمال كله في هذا المنهج.


هذا المنهج إذا أردنا الآن أن نحلله لتتبين لنا العناصر التي يتكون منها فيمكن أن نجعله تحت موضوعين:
الأول خصائص والثاني تجليات، إذن عندنا خصائص وتجليات الخصائص هنا إما أن تكون في المربي وإما أن تكون في المنهج المربى به، أما التجليات فالمقصود بها ثمار هذا المنهج حين يقوم ويتحقق في المجتمع بخصائصه في جانب المربي وفي جانب المنهج لا بد أن يؤتي أكله ويعطي ثماره قطعا، فلنكن على يقين أنه عندما تتوفر هذه الخصائص في المربي وفي المنهج تعطينا ذلك الإصلاح المنشود وذلك البناء الذي نهدف إليه.
أما خصائص المربي فقد حاولت أن ألخصها في ستة، أولها العلم وثانيها الإخلاص وثالثها الربانية ورابعها الهمة وخامسها الرفق وسادسها الحب.
وأما خصائص المنهج وهي موجودة في منهاجنا الرباني فأولها التدرج و ثانيها الاعتدال وثالثها الشمولية ورابعها التكاملية وخامسها مراعاة الفوارق، إذن هذه ستة في جانب المربي وخمسة في جانب المنهج.


1 – خـصـائص الـمـربـي :
< الخصيصة الأولى من خصائص المربي هي العلم: والمقصود به علمان العلم المعصوم الذي يأتي من عند الله الذي خلق الإنسان وأنزل عليه العلم الذي يربى به الإنسان، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ؟، بلى فهو سبحانه وتعالى العليم بهذا الإنسان فـأنزل إليه الكتاب المبين والجامع لخصائص هذا الإنسان وكيف يربى على ضوء وحي الله رب العالمين وعلى ضوء هذا الذي يسمى اليوم (بالكاتالوج); فالإنسان صناعة الله, والوحي كلام الله ولا يمكن أن تربى هذه الصناعة وأن تعطي المطلوب الذي من أجله كانت ومن أجله خلقها الله إلا إذا طبق عليها هذا الوحي الذي يخاطبها من كل جانب فلا يترك جانبا من الجوانب إلا ويعالجه، هذا الجانب الأول من العلم والجانب الثاني معرفة هذا الإنسان ومعرفة أسراره وحقائق نفسه، فهو أعقد مخلوق على وجه الأرض فتربيته أعقد تربية.
ولذلك لم يكلها الله تعالى إلا للأنبياء والمرسلين ولخلفاء الأنبياء والمرسلين; لأنه لا أحد يستطيع أن يضع لهذا الإنسان المنهج الذي يربيه على الصلاح والإصلاح إلا ربه الذي خلقه. ولذلك لا بد من العلمين معا من علم الوحي المنزل ومن علم هذه الصناعة; فعلم هذه الصناعة يؤتى من خلال الوحي نفسه لأن كل الأشياء خلقها الله عز وجل بـ«كن» فكانت إلا الإنسان، فقد خلق آدم بيده، وهذا يلفت نظرك إلى هذه الصناعة العظيمة، فإذن لا يمكن أن تنظر إلى الإنسان إلا من خلال كتاب رب العالمين، ولذلك أخطأ الذين نظروا إليه من زوايا أخرى فوضعوا له مناهج لا تليق به ولا تنسجم مع تكوينه ولا تتسق مع فطرته حتى جعلت هذا الإنسان ضد نفسه وضد مصلحته وضد ما أريد له أن يكون، وترتب عن هذه المناهج -وهي غير لائقة بالإنسان- فساد وإفساد، قال تعالى: وإذا سعى تولى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد لذلك لابد من هذه الخصيصة في المربي والمقصود بالمربي هنا الجنس، أي مناهج التربية والمؤسسات التي تقوم بالتربية، لا بد أن تنظر إلى الإنسان من زاوية وحي الله الذي هو العليم والخبير بالإنسان.
• الخصيصة الثانية : الإخلاص : هذا العلم حين يتوفر إذا لم يكن فيه إخلاص من المربي أو من الجهة القائمة على التربية فهل سيؤتي أكله؟ والمراد بهذا الإخلاص هو تفاني الإنسان في خدمة المربى بحيث يسخر كل جهوده بالليل والنهار; فبالليل يقف بين يدي الله يسأله سبحانه وتعالى سؤال الذليل الفقير الكسير الذي يقول: يا رب إني بذلت جهدي في نهاري والقلوب بيدك أنت الذي تقلبها كيف تشاء، أسألك ربي أن تفتح لي قلوب عبادك. فهذا الواقف في ظلام الليل يسأل ويتضرع ويبكي ويخشع ويركع ويسجد كيف لا يستجيب الله له، وكيف لا يمكنه الله تعالى من قلوب المتربين، ولذلك انظر إلى عباد الرحمن الذين نوه الله بذكرهم في القرآن وجعلهم فعلا مربين وساقهم نماذج لكل من أراد أن يربي; حيث قال الله في آخر صفاتهم: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما انظر إلى مطلع صفتهم حيث يقول سبحانه وتعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هذه صفة تربية في النهار يمشون على الارض المقصود أنهم يمشون لتحقيق هذا الهدف التربوي وإذا خاطبهم الجاهلون لأن الناس الذين سيقومون على تربيتهم إما أن يستجيبوا في أول وهلة وإما أن يحتاجوا إلى علاج طويل; فالذين استجابوا لأول وهلة طواهم القرآن والذين لم يستجيبوا لأول وهلة هم الذين ذكرهم القرآن : وإذا خاطبهم إذا هناك حوار كله يهدف إلى التربية خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما لكن في الليل والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما نهارهم قيام بدور التربية لإصلاح العباد، وليلهم عكوف وبكاء على باب الله، فهذا الذي ليله هكذا كيف لا ينجح في نهاره؟ لا بد أن ينجح لأن القلوب بيد الرب جل جلاله.
فيا أيها الأب الذي تشكو من سوء تربية أبناءك، ويا أيها الزوج الذي تشكو من سوء خلق زوجتك، قف بالليل واسكب الدموع بين يدي الله واركع واسجد وتذلل بين يدي ربك سبحانه وتعالى، وانظر إلى النتيجة كيف تكون. فهذا سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى كان يقول لولده: “يا بني إني لأزيد في صلاتي بالليل من أجل صلاحك”، يصلي ما شاء الله أن يصلي ثم يتذكر حال ولده فيزيد ركعات وسجدات ويتمرغ بخديه على الله، كيف يخيب مثل هذا؟ الإخلاص إذن لا يتحقق إلا بمثل هذه الحرقة، لن يكون هناك إشراق على المربَّى إلا إذا كان هناك إحراق في قلب المربِّي لأنه لا إشراق بلا إحراق، فهذا الإحراق هو الذي ينم عن وجود الإخلاص في هذا القلب المحترق المتعلق بالله ثم بالمربى ثم لا اختراق لهذا القلب وهذا العقل بلا احتراق، فلا يخترق إلا المحترقون وأما الباردون فهؤلاء كلماتهم باردة لا تنم عن حرارة ولا عن حرقة، ولذلك سـأل ولد ابن الجوزي أباه قائلا له: “يا أبتاه مالي أرى الناس يتأثرون بك ما لا يتأثرون بغيرك؟ فقال: “يا بني ليست النائحة كالمستأجرة”، النائحة تبكي على فقيدها فتحترق، أما المستأجرة المسكينة فهي مأجورة جاءت من أجل أن تأخذ أجرتها ثم تذهب.
الإخلاص إذن هو الذي يحول المربي إلى نائح ينوح حيثما حل وارتحل ينوح بليله بكاء على الله وينوح بنهاره خطابا لهذا المربى، وحين يشعر هذا المربَّى بهذه الحرقة التي يعانيها المربِّي لابد أن يستجيب، كان أحد السلف الصالح يلقب بالبَكَّاء، كان إذا رأى أو سمع منكرا في بيت يأتي إلى باب البيت ويظل يبكي بكاء شديدا حتى يرحمه أهل البيت وينزلون إليه ويقولون يرحمك الله ماذا تريد فيقول أريد أن توقفوا هذا المنكر فيضطرون لإيقاف المنكر رحمة بهذا البكاء الذي يبكي حرقة، فكيف لا يحقق الله على يد هذا المربي الهداية والتوفيق؟ كيف لا يلين له القلوب؟ هذا هو الإخلاص الذي لا بد منه بالإضافة إلى العلم فالعلم وحده ليس كافيا إذا لم يكن معه الروح الذي هو الإخلاص، “علم بلا إخلاص جسد بلا روح” فالعلم لا يتحرك بلا إخلاص” لأنه قد نزعت منه الروح، لكن حين تحل به الروح وتسري في كيانه ترى العلم يشع بنوره ثم بعد الإخلاص لا بد من الخصيصة الثالثة.
• الخصيصة الثالثة : الربانية : وهي أن هذا الإخلاص حين يتجلى في القلب يظهر أثره على صاحبه فإذا رأيت هذا الرباني فإنه يجذبك إلى الله بحاله قبل مقاله، يقول : «خياركم من تذكركم بالله رؤيته ويزيدكم في العلم منطقه وتدلكم على الله هيئته»، “لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله”، الربانية نور يسري في كيان الرباني يشرق على الوجه بالأنوار وعلى الحال بالأنوار، حاله العجيب يكون بمثابة تيار كهربائي يضيء لهذه القلوب المظلمة، الربانية التي تجعل لصاحبها أحوالا مع الله خاصة ليست كأحوال الناس العاديين، ورث بهذه الحال ربانية من ربه جل وعلا، يقول تعالى: ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون هذه الربانية عندما ترى صاحبها تشعر برقة وبلطف وبحنان وبرحمة، تشعر بريح وبعطر وبمسك يهب عليك لأن النبي شبهه بهذا فقال كما في صحيح مسلم: “مثل الجليس الصالح كحامل المسك فإما أن يحذيك وإما أن تجد منه ريحا طيبة”، الرباني لا تشم منه إلا ذلك الريح الطيب وقد كان أحد العلماء الفضلاء يقول: (كنا إذا اشتدت بنا الأزمات وضاقت بنا الأرض بما رحبت نذهب إلى شيخنا فلانا فلا نجلس عنده إلا وقد هبت علينا رياح السكينة رياح الطمأنينة رياح السعادة) لا يجلسون عنده إلا وقد تبدل كل شيء وتغير كل شيء لأن هذا يعتبر وارثا لحظ من النبوة، العلم الذي ينعكس على صاحبه.
• الخصيصة الرابعة : الهمة : التي تجعل الإنسان يرى في من يتجه إليه في التربية ذلك النموذج العالي، لأن له همة وعلى قدر همة المربي يكون المربى، فإذا كانت همتك عالية يا أيها المربي والدا أو أستاذا أو معلما …. فسوف تنتشل هذا المربى ليصعد وليعلو وليسمو، لأن بينك وبينه حبلا كحبل المشيمة فإذا كانت المرأة الحامل همتها عالية فإن ولدها سيكون أيضا من أهل الهمم العالية ولذلك كانت أم محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية تأتي به وهو مازال طفلا صغيرا تجلسه على شط البحر ثم تريه مدينة القسطنطينية وتقول له يا بني أنت الذي ستفتح القسطنطينية، له همة لا منتهى لكبارها وهمته الصغرى أجل من الدهر فلما كانت همة المصطفى أعلى همة ربى رجالا لا توجد همة تساوي هممهم، لذلك لا بد للمربي من همة، أيها المربي لا تكن همتك هي أن تربي إنسانا وديعا لا يصنع شيئا ليس له أثر في الحياة على غرار قول الشاعر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فأنت الطاعم الكاسي
الهمة العالية التي تجعل هذا الإنسان يردد مع القائل : أبعد مضي خمسة عشرة ألعب وألهو بلذات الحياة وأطرب ولي أمل عال ونفس أبية مقام على هام المجرة تطلب وعندي آمال أريد بلوغها تضيع إذا داعبت دهري وتذهب ولي أمة منكودة الحظ لم تجد سبيلا إلى العيش الذي تتطلب على أمرها أنفقت دهري تحسرا فما طاب لي طعم وما لذ مشرب ولا راق لي نوم وإن نمت ساعة فإني على جمر الغضى أتقلب هذه الهمة التي تحيي النفوس، هذه الهمة التي لا يرضى أصحابها بالدون أبدا، لا يرضى أصحابها أن يعيشوا في الثرى وإنما يرقون إلى الثريا، سمع النبي من الشاعر أبي ليلى بيتا يقول فيه : بلغنا السماء مجدنا وسناءنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال الحبيب : “ما المظهر أبا ليلى؟” قال: الجنة، ماذا بعد سمو الدنيا؟ إنها الجنة، ما لم تكن عندنا همم لا يمكن أن نربي ذوي الهمم، وما أحوج أمتنا اليوم إلى إيقاظ الهمم وإلى شحذ العزائم لقد خارت العزائم وضعفت الهمم وهي موجودة كامنة في شبابنا وفي أمتنا، العزائم مستورة ومضمرة في هذه الأجيال، لكن تحتاج إلى ذي همة ليوقظها.
• الخصيصة الخامسة : الرفق: كل هذا لا بد أن يكون برفق، همة برفق، ربانية برفق، علم برفق، إخلاص برفق، الرفق هو جمال هذه الخصال ظاهرا وباطنا “الرفق الذي ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه” الرفق في الكلمات، الرفق في التصرفات،… الرفق الذي إذا طبعت به هذه الخصال كانت في منتهى الجمال والكمال، هذا الرفق الذي يحيي الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
ومن ثم كان الرفق في منتهى صورته في شخص المصطفى وكان إذا رأى شيئا مما يتنافى مع الرفق يتدخل بسرعة، فهذه عائشة ترد السلام على اليهود برد شديد حين سلموا على النبي بتحيتهم المسمومة قالت: (السام عليك فقالت عائشة وعليكم السام واللعنة) فقال : “يا عائشة عليك بالرفق فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما فقد من شيء إلا شانه” قالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال عليه الصلاة والسلام: “ألم تسمعي ما قلت لهم؟ قلت لهم وعليكم”، وانتهى الأمر.
• الخصيصة السادسة وهي آخر الخصائص في جانب المربي وهي خصيصة الحب: التي هي الخيط الذي تنظم فيه هذه الخصائص، فما لم تنظم هذه الخصائص في هذا الخيط وتسبك بالحب فإنها لا تؤدي دورها ولا تؤتي أكلها، فالعلم بلا حب جفاف والاخلاص بلا حب جفاء والربانية بلا حب خواء وكذلك الهمة بلا حب قساوة; ستتحول الهمة بلا حب إلى قساوة وشدة، والرفق بلا حب خوار. الحب الذي ينطلق منه المربي هو الجسر الذي يربط بين المربي والمربى لتمر هذه الخصال كلها إلى المربى.
إذا كنت تعطيه هذه العملية التربوية بلا حب فكأنك تعطيه جفافا وتعطيه أدوات بلا شحم، فالحب هو الدهنة والشحم الذي يلين هذه الخصال، ويجعل هذا المربى يحبك. ما لم توصل إليه أشعة حبك لا يمكن أن يتعلق بك وأن يلتفت إليك فما تعطيه من الحب هو الذي يرجع إليك فإذا أعطيت الحب للزوجة التي تريد أن تربيها يرجع إليك صدى حبك لها على قدر ما ترسل من أشعة الحب، على قدر ما يعود إليك من صدى الحب، والولد الذي تريد أن تربيه على قدر ما ترسل من أشعة الحب يعود إليك فهو صدى حبك، هذا الحب الذي يتجلى في التفاني في العطاء بلا حدود في الرحمة في العطف في الحنان الذي ينضح به لسانك وعيناك وحالك كله، ولهذا تجلى هذا الحب كله في شخص المصطفى ، وحين دخل أحد الأعراب إلى الحبيب المصطفى ووجده يقبل الحسن والحسين تعجب فقال: يا رسول الله إن لي عشرة من الأبناء ما قبلت واحدا منهم، فقال له : “ماذا أملك لك إن نزع الله من قلبك هذه الرحمة” وحين دخل أحد العمال على عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين يومئذ ووجده يلعب مع أطفاله، عمر الذي كالأسد خارج البيت الآن يتواضع لأطفاله ويرتحلونه تعجب هذا الرجل فقال له: يا أمير المؤمنين أتفعل هذا مع أطفالك؟ قال: وأنت ماذا تفعل مع أطفالك؟ قال أنا إذا دخلت سكت الناطق واختفى الظاهر، قال: اذهب فلن تصلح لولاية هذه الأمة ليس فيك الحب الذي يجعل التربية تدوم فهو شحمها وإدامها ودهنها.
فالعملية التربوية لا يمكن أن تسير إلا بالحب الذي يفيض به القلب والعاطفة، الحب الذي يتجلى في بعض الأحيان في دموع رقراقة تسيل من عين باكية تجعل الإنسان يذوب في خدمة المحبوب، الحب الذي له علاقة سماوية وعلاقة أرضية، العلاقة السماوية هي تحقيق حب الله في أرضه، والعلاقة الأرضية تحقيق حب العباد، لتجمع بين حب رب العالمين الذي هو أعظم حب وأكبر حب وأجل حب، وبين حب عباد الله بجميع أصنافهم، والحب ثروة كبيرة ليس لها حد، وزع منها ما شئت لا تنقضي، وزع منها حتى على العصاة، سبحان الله حتى على العصاة، نعم ليتك وزعت حبك أيها المؤمن على العصاة ليتعلقوا بك وليحبوك، خرج مالك بن دينار ذات ليلة بعد أن قام ما شاء الله أن يقوم من الليل فمر على رجل سكران وهو يقول: الله، رجعت الفطرة لتنطق فاقترب منه فوجد روائح الخمر تنبعث من فمه، هل ركله برجله؟ لا لقد ذهب إلى بيته وأتى بماء نقي طاهر وغسل الفم حتى يخرج اسم الله من فم طاهر فقط ثم عاد إلى بيته وبينما هو في بيته أو في نومه إذ سمع هاتفا يهتف به ويقول يا مالك طهرت فمه من أجلنا ونحن طهرنا قلبه من أجلك، حب رباني عال وحب هنا، حب هناك وحب هنا، لا يدوم هذا الحب هنا إلا إذا تحقق ذلك الحب هناك، هذا هو الحب الذي لا ينتهي.
جيء إلى الحبيب المصطفى برجل كان يشرب الخمر ويقيم عليه الحد كلما شرب الخمر فإذا بأحد الصحابة يقول لعنة الله على هذا فما أكثر ما يؤتى به، فقال : “لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله” ولذلك فإن العرب لم تجد كلمة جامعة للحب إلا هذه لأن هذه الكلمة جمعت الحروف كلها التي تتركب منها الكلمات العربية فالحاء من أقصى الحلق والباء من أقصى الشفتين، إنه “حب الضم” هل تضم هؤلاء إلى صدرك؟ هل تدخلهم إلى قلبك حتى يذوب هؤلاء بذلك الحب الذي تصبه عليهم فيتنقون ويتزكون فإذا بهم ينقادون إلى الله بهذا الحب الذي أرسلته إليهم؟ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ذنوبكم يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يات الله بقوم يحبهم ويحبونه سيتولون تربية البشرية كلها يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يات الله بقوم هل قال يصلون يزكون يصومون يحجون؟ يحبهم ويحبونه الانطلاقة من الحب.
تربيتنا للبشرية كلها إنما تكون من الحب الذي له صفة عليا لا حدود لها لأنها من الله وصفة دنيا تغطي البشرية كلها يحبهم ويحبونه فنتج عن ذلك أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك فأما الذي هو حب الهوى فشغلي لذكرك عمن سواك وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك هذه إذن هي الخصائص المتعلقة بالمربي


2 – خـصـائـص الـمـنـهـج : خصائص المنهج خمسة وهي: التدرج والاعتدال والشمولية والتكاملية ومراعاة الفوارق.
• الخصيصة الأولى : التدرج : كل شيء في هذا الكون يقوم على التدرج; رب العالمين يربي سبحانه وتعالى هذا الكون كله بالتدرج، ترى سنة التدرج انطلاقا منك أنت، مررت بأطوار ولا بد من هذه الأطوار وأنت تربى من الله الواحد القهار ثم كذلك كل ما تراه عينك في هذا الوجود ترى فيه سنة التدرج فلا بد لك إذن من السير على هذه السنة المطردة الجارية التي تبدو في كل ما حولك حتى عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يخلق السماوات السبع والأرضين السبع خلقها بالتدرج في ستة أيام.
• الخصيصة الثانية : الاعتدال: لا تفريط ولا إفراط الاعتدال سلوك الوسطية في التربية حتى يتربى المربى تربية وسطية معتدلة ليس فيها ميل لا إلى الإفراط ولا إلى التفريط. والناس في هذا الباب ما بين مُفَرط ومُفْرط، وقليل من يسلك هذا المسلك الذي هو مسلك الوسطية. ومن ثم قال الله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ومدح الله ذلك المربي الذي قام في إخوته يريد أن يربيهم على الوسطية فقال سبحانه وتعالى قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون لأنه سلك المسلك الوسط فاستحق أن يحمد عند الله سبحانه وتعالى هذه الوسطية من هدي إليها وألهمها فتربيته هي تربية ناجحة، والنموذج في ذلك تربية رسول الله وتربية الصحابة الكرام.
• الخصيصة الثالثة : الشمولية: هذا المنهج الذي أكرمنا الله تعالى به نحن هذه الأمة هو منهج شمولي بمعنى أنه يتناول تربية الإنسان في أطواره كلها منذ أن يكون جنينا في بطن أمه إلى أن يخرج إلى الوجود، وفي مراحل طفولته وشبابه وشيخوخته، كل نواحي الإنسان يتناولها بالتربية بل الإنسان نفسه يتناوله من كل جانب وهذا هو المراد بالخصيصة الأخرى التي هي:
• الخصيصة الرابعة : التكاملية : لأن هذا المنهج الرباني الذي أكرمنا الله تعالى به يربي الإنسان روحا ويربيه عقلا ويربيه قلبا ويربيه جسدا، فهو شامل لهذه الجوانب كلها حتى لا يطغى جانب على جانب، يكون عنده حظ من التربية القلبية وحظ من التربية العقلية وحظ من التربية الروحية وحظ من التربية الجسدية حتى يكون متكاملا لا يطغى فيه جانب على جانب وهذه هي الصورة الكمالية والصورة الجمالية للتربية.
• الخصيصة الخامسة : مراعاة الفوارق: فلا يخاطب هذا بمثل ما يخاطب هذا; فهناك مستوى لا بد أن يستوي فيه الجميع, وهناك فوارق, ولنا أسوة في تربية المصطفى حيث وجه كل واحد من الصحابة لما يليق به فهذا موجه للعلم وهذا موجه للفقه وهذا موجه للقرآن وهذا موجه للجهاد وهكذا التربية النبوية التي تتجلى في الصحابة حيث يوجه كل واحد لما يليق به ليحقق الهدف المنشود والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وقال : “كل ميسر لما خلق له” وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د . عبد الله بلمدني