المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبادات مهجورة .................


نبيل القيسي
23-09-2019, 01:01 PM
سم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله

يقسم علماء الشريعة العبادات في الإسلام إلى قسمين : عبادات الجوارح وعبادات القلوب , أما عبادات الجوارح فهي الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من النوافل , وأما عبادات القلوب منها : الإخلاص والنية والتواضع والذل والانكسار بين يدي الله تعالى و....

أكمل الخلق عبودية أكملهم ذلاً للّه


يقول ابن القيم : إنَّ مقام العبودية هو بتكميل مقام الذل والانقياد ، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلاً للّه
وانقياداً وطاعة ، ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل، فهو ذليل لقهره ، ذليل لربوبيته فيه
وتصرفه ، وذليل لإحسانه إليه وإنعامه عليه .
( مفتاح دار السعادتين ومنشور ولاية العلم 1/ 289 )

عبادة الذل والانكسار لله طريق الحرية والسعادة

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : كلما ازداد القلب حبّاً لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حباً وحرية عما سواه، والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلية، فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يُسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه ، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن ؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه ، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه. ( الفتاوى الكبرى 5/ 188 و العبودية 1/34 )

يقول ابن رجب الحنبلي : واعلم أن سؤالَ اللهِ تعالى دون خلقه هو المتعيّن ؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار ، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضرر ، ونيلِ المطلوب ، وجلبِ المنافع ، ودرء المضارّ ، ولا يصلح الذل والافتقار إلا الله وحده ، لأنه حقيقة العبادة . ( جامع العلوم والحكم 1/ 481 )

عبادة الذل والانكسار لا غنى للعبد عنها

قال ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله:
لا غنى للعبد عن الذل،و الانكسار، والخضوع ،والافتقارللرب جلّ جلاله. فيشهد في كل ذَرَّةٍ من ذراته الباطنة و الظاهرة ضرورة تامة،وافتقاراً تاماً إلى ربه و وليِّه، ومن بيده صلاحه و فلاحه،و هداه و سعادته. وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتَها، و إنما تُدرَك بالحصول،فيحصل لقلبه كَسْرَة خاصة لايشبهها شيئ،بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل الذي لا شيئ فبه، و لابه و لا منه, و لا فيه منفعة، و لا يُرغب في مثله و أنه لا يصلح للإنتفاع إلاّ بجبرٍ جديد من صانعه وقيّمه،فحينئذٍ يستكثر في هذا المشهد ما منَّ ربه إليه من الخير، ويرى أنه لا يستحق قليلا منه و لا كثيراً، فأيّ خير ناله من الله استكثره على نفسه،و علم أنّ قدره دونه، و أن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به، و سياقته إليه، واستقلَّ ما من نفسه من الطاعات لربه، و رآها ـ ولو ساوت طاعات الثقلين ـ من أقل ما ينبغي لربه عليه، و استكثر قليل معاصيه و ذنوبه؛ فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كله.

فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور! و ما أدنى النصر و الرحمة و الرزق منه!. وذرة من هذا ونَفَس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلّين المعجبين بأعمالهم و علومهم و أحوالهم. و أحب القلوب إلى الله سبحانه: قلب قد تمكّنت منه هذه الكسرة، و ملكته هذه الذلّة؛فهو ناكس الرأس بين يدي ربه؛ لا يرفع رأسه إليه حياء و خجلا من الله.
قيل لبعض العارفين: أيسجد القلب؟ قال:نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء. فهذا سجود القلب.

فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه، و إذا سجد القلب ـ هذه السجدة العظمى ـ سجدت معه جميع الجوارح، و عنا الوجه حينئذٍ للحي القيوم، و خشع الصوت و الجوارح كلّها، و ذلّ العبد و خضع و استكان، ووضع خدّه على عتبة العبودية، ناظراًبقلبه إلى ربه ووليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم، فلا يرى إلاّ متملِّقاً لربه،خاضعا له ، ذليلا مستعطفا له، يسأله عطفه و رحمته، فهو يرتضى ربه كما يرتضى المحب الكامل المحبة محبوبه المالك له، الذي لا غنى له عنه، و لا بد له منه، فليس له همّ غير استرضائه و استعطافه؛ لأنه لا حياة له و لافلاح إىّ في قربه و رضاه عنه، و محبته له؛ يقول: كيف أُغضبُ من حياتي في رضاه، وكيف أعدل عمن سعادتي و فلاحي وفوزي في قربه و حبه و ذكره؟
وصاحب هذا المشهد: يشهد نفسه كرجل كان في كَنَف أبيه يغذوه بأطيب الطعام و الشراب و اللباس، و يربيه أحسن تربية، ويرقيه على درجات الكمال أتم ترقية، و هو القيّم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه في حاجة له،فخرج عليه في طريقه عدو، فأسره و كتَّفه و شدَّه وثَاقا، ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب، و عانله بضد ما كان أبوه يعامله به، فهو يتذكر تربية والده و إحسانه إليه الفَيْنَةَ بعد الفينة، فتهيجمن قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله، و يتذكر ما كان عليه و كل ما كان فيه، فبينا هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب، و يريد نحره في أخر الأمر، إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريباً، فسعى إليه، و ألقى نفسه عليه، و انطرح بين يديه يستغيث:يا أبتاه، يا أبتاه، يا أبتاه! انظر إلى ولدك و ما هو فيه، و دموعه تستبق إلى خدّيه، قد اعتنقه و التزمه، وعدوه في طلبه، حتى وقف على رأسه، و هو ملتزم والده ممسك به، فهل تقول: إن والده يسلّمه مع هذه الحال إلى عدوه، ويخلّي بينه و بينه؟ فما الظنّ بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده، و من الوالدة بولدها؟ إذ فرّ عبد إليه، و هرب من عدوه إليه، و ألقى بنفسه طريحا ببابه؛ يُمَرِّغُ خَدّه في ثرى أعتابه باكياً بين يديه، يقول: يا رب يا رب، ارحم من لا راحم له سواك، و لاناصر له سواك، و لا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك؛ مسكينك و فقيرك، و سائلك و مؤملك و مرجيك، لا ملجأ له و لا منجا منك إلاّ إليك، أنت معاذه و بك ملاذه.

يا مـن ألــوذ بـه فــيـمـا أُؤمــلـه .... و مــن أعــوذُ بِهِ مــمـا أُحـاذرُهُ
لايَجبرُ الناس عَظماًأنت كاسِرُهُ ..... ولا يهيضون عظماًأنت جابِـرُهُ
المصدر: مدارج السالكين ج1

كم نحن اليوم بحاجة لهذه العبادة القلبية العظيمة , في وقت تزايدت فيه الكروب وادلهمت فيه الخطوب , وأصبحنا بأمس الحاجة لمن ينقذنا وينتشلنا مما نحن فيه , فأين نحن من الانكسار والتضرع لله تعالى في هذه الأوقات , وأين نحن من هذه العبادة القلبية في ظلمة الليل والسحر , حيث استجابة الدعاء وحلاوة المناجاة .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

khalido
28-09-2019, 05:27 AM
جزاك الله خيرا