المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حال الحسن البصري مع تلاوة كتاب الله عزوجل.....


نبيل القيسي
23-09-2019, 01:23 PM
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله
كان الحسن يقول: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أيها الناس، اقرؤوا القرآن، وابتغوا ما عند الله عز وجل بقراءته، مِن قبل أن يقرأَه قوم يبتغون به ما عند الناس.

وكان يقول: إن الرجل إذا طلب القرآن والعلمَ لله عز وجل، لم يَلْبَث أن يُرَى ذلك في خشوعه، وزهده، وحلمه، وتواضعه

وكان الحسن يقول: قرَّاء القرآن ثلاثة نفر: قوم اتخذوه بضاعةً؛ يطلبون به ما عند الناس، وقوم أجادوا حروفه، وضيعوا حدوده؛ استدَرُّوا به أموال الولاة، واستطالوا به على الناس، وقد كثر هذا الجنس من حملة القرآن، فلا كثَّرَ الله جمعَهم، ولا أبعد غيرهم، وقوم قرؤوا القرآن، فتدبروا آياته، وتداوَوْا بدوائه، واستشفوا بشفائه، ووضعوه على الداء من قلوبهم، فهم الذين يُستسقَى بهم الغيث، وتُسدَى من أجلهم النعم، وتُستدفَع بدعائهم النقم، أولئك حزب الله، ألاَ إن حزب الله هم الغالبون.

وكان يقول: أيها الناس، عليكم بالنظر في المصاحف، وقراءة القرآن فيها؛ فقد روي أن عثمان رضي الله عنه كان يقول: إني لأكره أن يمضي عليَّ يوم لا أنظر فيه إلى عهد الله سبحانه، يعني: المصحفَ، فقيل له في ذلك، فقال: إنه مبارك، وكان يقرأ القرآن في المصحف تبرُّكًا به.

وكان لا يزال يُرَى المصحف في حَجْره، وكان من أحفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لكتاب الله عز وجل.

وقيل: قُدِّم للحسن - رحمه الله - عشاؤُه، فلما بدأ يأكل منه، سمع قارئًا يتلو: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [المزمل: 12، 13] فقال: يا جارية، ارفعي عشاءك، ومازال يردد الآية ويبكي بقيَّة ليله

ثم قال الحسن: هذا مثلٌ ضربه الله لعباده، انتفع به وأبصره من أراده برشاده؛ يقول الله سبحانه: مثل الرجل إذا كبِرت سنُّه، ورقَّ عظمُه، وكثُر عياله، واحتاج لزرعه، فأحرقته النار أحوجَ ما كان إليه، كمَثَل ابن آدم يقوم يوم القيامة، وهو عُريان ظمآن فقير إلى ما قدم من عمل صالح، توهَّم أنه له، فوجده قد أذهبَتْه التَّبِعات، وأسقطَتْه الخطايا أحوجَ ما كان إليه، وأعظم ما كان رجاءً أن يعود نفعه عليه.

وقرأ: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ [الذاريات: 17]، فقال: كانوا يُديمون صلاتهم إلى السَّحَر، ثم يجلسون يستغفرون.

وسئل عن ناشئة الليل، فقال: هي من أوله إلى الفجر.

وقرأ يومًا: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63]، ثم قال: هم المسلمون الذين لا يجهلون، وإنْ جُهل عليهم حلموا،

وقرأ: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب ﴾ [النساء: 56]، فاضطربت ركبتاه، وجرَتْ دموعه، ثم قال: روي أن النار تأكل لحومهم كلَّ يوم سبعين مرة، ثم يقال لهم: عُودُوا، فيعودون، اللهم إنا نعوذ بك من النار، ومن عمل نستوجِبُ به النار.

وقرأ: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار ﴾ [الرعد: 24]، ثم قال: صبروا عن فضول الدنيا، وزهدوا في الفاني، فنالوا الآخرة، وحسُنت لهم

وقرأ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62]، ثم قال: سبحان الله! ما أوسع رحمة الله، وأعَمَّ فضله، وألطف صنعه! جعل لمن عجز في النهار خلفًا في الليل، ولمن قصر في الليل خلفًا في النه

وقرأ: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُون ﴾ [الأحقاف: 35]، الذين كسبوا الدنيا الحرام، وأنفقوها إسرافًا وتبذيرًا في الشهوات ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227].

وقرأ: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد ﴾ [ق: 19]، فقال: ابن آدم فاسقٌ في الدنيا، حائد حينَ لات[4] حيدة [5]، ولا يمكن هرب ولا غيبة.

وكان إذا قرأ: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات: 46] يقول: ابن آدم، ما لكَ في غدوة أو روحة؟! ما تصبر على المعصية؟!


وكان إذا تلا: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ [المؤمنون: 60]، قال: يعملون ما يعملون من برٍّ، ويقدمون ما يقدمون من خير، وهم خائفون ألا ينجيَهم ذلك من عذاب الله.

وكان إذا تلا: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4]، قال: ويح ابن آدم! ما خلق الله خلقًا يكابد[6] من هذا العيش ما يكابِدُ هو.

وكان إذا تلا: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل: 97]، قال: لنرزقنه طاعةً يجِدُ لذَّتها في قلبه.

وروي أنه قال: لنرزقنَّه رزقًا لا نعذبه عليه، ثم يقول: كل حياة ابن آدم - والله - مُرَّة، إلا حياته في الجنة.

وكان إذا تلا: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ﴾ إلى آخر الآية [الأعراف: 163]، يقول: حُوتٌ حرَّم الله تعالى عليهم صيدَه يومًا من أيام الجمعة، وأحلَّه فيما سوى ذلك من الأيام، وكان يأتيهم يوم التحريم كالمحاصَر ما يمتَنِع؛ من أجل المحنة والبلية والاختبار بالطاعة، فجعلوا يَلهون بأخذه، ويمسكون مخافةً وتعبدًا.

وقال: ما همَّ عبدٌ بذنب إلا وافقهم فيما عزموا عليه، فأخذوه وأكلوه، واللهِ أوخمُ أكلة أكلها قوم، فنودوا ثلاثًا وهم نائمون، ثم نودوا: يا أهل القرية، فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقيل لهم: كونوا قردة خاسئين؛ فكانوا كذلك.

وايم الله! لحرمةُ عبد مؤمن يُقتَل ظلمًا أعظم عند الله من كل حوت خُلِق، ولكن جعل الله تعالى موعد قوم الساعةَ: ﴿ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ [القمر: 46].

وقرأ: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴾ [النازعات: 13، 14]، ﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُون ﴾ [يس: 29]، فكان يقول: أيها الناس، الزجرة[7] من الغضب، فمن اتقى الله، فليحذر غضبه.

وكان يقول إذا تلا: ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ [الرحمن: 43، 44]، ثم قال: معشر الناس، ما ظنكم بقوم وقفوا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فلما انقطعت أعناقهم من الجوع والعطش والخوف، أمر بهم إلى نار وجحيم وحميم؟! اللهم بك العياذ، وأنت المعاذ، وإليك اللجأ، وعليك التوكل، فنجِّنا برحمتك من عذابك يا غفور.

وكان إذا تلا: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون ﴾ [المؤمنون: 2]، قال: رحم الله قومًا كان خشوعهم في القلوب، فغضوا أبصارهم، وحفظوا فروجهم، وتجنبوا المحارم، فنالوا أعلى الدرجات.

وسئل عن قول الله - عز وجل -: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: 160]، فقال: من جاء بـ: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبدُه ورسوله، مخلصًا بها قلبه، فله عند الله - عز وجل - الجنة.

وتلا: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]، ثم قال: إنما جزاء من قال: لا إله إلا الله، أن يدخل الجنة.

وقرأ: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ [النبأ: 40]، فقال: ذلك المؤمن، الحَذِر، الفَطِن، الكيس، الذي علم أن له معادًا، فقدم عملاً صالحًا، ثم قدم عليه فسَرَّه، وهو يوم: ﴿ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ [النبأ: 40].

وتلا: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]، فقال: هو الذنب على الذنب حتى يموت ويَسْوَدَّ القلب.

وتلا: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ [المدثر: 6]، ثم قال: لا تستكثر عملَك؛ فإنك لا تعلم ما قُبِل منه، وما رُدَّ فلم يُقبَل.

وقرأ: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ [التكاثر: 1]، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ألهى - واللهِ - عن نار الخلودُ، وشغل عن نعيم لا يبيدُ، ثم قرأ: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [التكاثر: 3]، ثم قال: أيها الناس، لو توعَّدكم مخلوق يموت، ما استقر بكم القَرار، فكيف بوعيد ملك الملوك، والحي الذي لا يموت؟!

وكان إذا قام بالقرآن، وانتهى إلى هذه السورة، لم يتجاوزها، ولا يزال يردِّدها ويبكي إلى أن ينقطع نحيبه - رحمة الله عليه، ورضوانه لديه.

وأتمنى لكم الاستمتاع بهذه الكنوز

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والصلاة والسلام على رسول الله