المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خلق العفة وثمراتها الطيبة على الفرد والمجتمع


المراقب العام
01-10-2019, 06:30 AM
http://i39.servimg.com/u/f39/14/26/64/84/untitl10.gif





أولا : دلالات العفة ومعانهيا :
العفة إن كنا في حاجة إلى تعريفها فمن الناحية اللغوية تعني :
ـ الكف عن الشيء والترفع عنه والتورع عن إتيانه.
ففي كتاب العين 1 / 92 للخليل بن أحمد الفراهيدي البصـــري ت: 170هـ باب : العين والفاء، جاء قوله : ” عف: العِفَّةُ: الكَفُّ عمَّا لا يحِلُّ. ورجل عَفيف، يَعِفُّ عِفَّة، وقَومٌ عَفُّون، وأعْفَفْتُه عن كذا: كَفَفته”.
وفي معجم مقاييس اللغة 6 / 100 لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني المتوفى: 395هـ عَفَّ : الْعَينُ وَالفَاءُ أَصلَانِ صَحِيحَانِ: أَحَدهمَا الْكَفُّ عَنِ الْقَبِيحِ، وَالْآخَرُ دَالٌّ عَلَى قِلَّةِ شَيءٍ.
فَالْأَوَّلُ: الْعِفَّةُ: الْكَفُّ عَمَّا لَا يَنبَغِي. وَرَجُلٌ عَفٌّ وَعَفِيف. وَقَد عَف يَعِف عِفَّةً وَعَفَافَةً وَعَفَافًا.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: الْعُفَّةُ: بَقِيَّةُ اللبَنِ فِي الضَّرعِ. وَهِيَ أَيضًا الْعُفَافَةُ.
- وفي نفس المصدر تأتي العفة بمعنى الورع. إذ جاء في مادة ” ورع ” قوله : الْوَاوُ وَالرَّاء وَالْعَينُ: أَصلٌ صَحِيح يَدلُّ عَلَى الْكَفِّ وَالِانقِبَاضِ. ومِنه الْوَرَع : الْعِفَّةُ، وهِيَ الْكَفُّ عَما لَا يَنبَغِي.


- كما تأتي كناية عن خلال المجد، وهي خمس: العفة والعقل، والشجاعة والكرم والوفاء، فهذه فضائل الأمجاد.(كتاب : “إيضاح شواهد الإيضاح” لأبي علي الحسن بن عبد الله القيسي المتوفى: ق 6هـ، دراسة وتحقيق: الدكتور محمد بن حمود الدعجاني).


- وتأتي العفة بمعنى ضبط النفس ، وفي ذلك قوله عز وجل ” وليستعفِف الَّذينَ لَا يجدُونَ نِكاحا ” فسره ثَعْلَب فَقَالَ: ليضبط نَفسه بِمثل الصَّوْم، فإنه وَجَاء(1).


- كما تأتي العفة بمعنى : الإحصان.
ففي مادة “ح ص ن” من كتاب مشارق الأنوار على صحاح الآثار(2).
جاء قَوله : حصان رزان بِفَتْح الْحاء أَي عفيفة، وَجَاء الْإِحْصَان فِي الْقُرْآن والْحَدِيث بِمَعْنى الْإِسْلَام وَبِمَعْنى الْحُرِّيَّة وَبِمَعْنى التَّزْوِيج وَبِمَعْنى الْعِفَّة لِأَن أصل الْإِحْصَان الْمَنْع وَالْمَرْأَة تمْتَنع من الْفَاحِشَة بِكُل وَاحِدَة من هَذِه الْوُجُوه بإسلامها وحريتها وعفتها وزواجها.


2 ـ والمعنى العام للعفة هو : هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة، والخمود الذي هو تفريطها، فالعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة(3).
والعفة زينة الإيمان، قال وهب بن منبه: الإيمان عريان لباسه التقوى وزينته الحياء وجماله العفّة، وثمره العمل الصالح(4).
ويدخل في العفة الجود، لأنه قد قيل: الجود ضربان: أن يكون بما في يدك متبرعاً، وأن يكون عما في يد غيرك متورعاً، والزهد يقاربه إلا أن الزهد، يقال اعتبارا بترك عرض الدنيا، والعفة تقال اعتباراً بحبس النفس عن الشهوات، وتتلازمان، والعفافة بقية ما في الضرع كأنه قدر يمكن التعفف به، والإلحاف استشعار المسألة والاستقصاء فيها وتذرعها(5).


ثانيا : قيمة العفة بين الدين والواقع :
تعاني الأمة اليوم من فقدان العفة ولباسها في مجتمع الأمة، حتى صار كثير من الناس يتقمصون وضعية الفقر والفقراء متنكرين لأنعم الله عليهم، مستغلين ما ينزل بهم من البلاء، كالأمراض النفسية والعضوية والعقلية لممارسة وامتهان مهنة الفقراء والمحتاجين فيمدون أيديهم للناس، بل يعرضون أنفسهم على الفضائيات العالمية بشكوى حالهم للناس بل أصبح مَد اليد لا يسبب أدنى حرج، وهم غافلون عن الذي تُرفع إليه الشكوى والأيدي كما أنهم غافلون عن العلم بأن هذا التصرف مما تزول به النعم شئنا أم أبينا.
أين هؤلاء من فضيلة العفة التي كانت لباس التقوى والشرف والكرامة والعزة في سلفنا الصالح الذين نزل فيهم قوله عز وجل ” للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا”؟!
وقد أخرج أبو داود في كتاب النكاح باب قلة المهر، الحديث 2109، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبدَ الرَحمَنِ بنَ عوف قدم المدينة فَآخَى رَسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بَينَه وَبَينَ سَعدِ بنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَخِي، إِنِّي أَكثَرُ أَهلِ الْمَدِينَةِ مَالًا، فَانظُر شَطْرَ مَالِي فَخُذه، وَلِيَ امرَأَتَانِ فَانظُر أَعجَبَهُمَا إِلَيكَ حَتى أُطَلّقَهَا لَكَ، قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَدَلُّوه عَلَى السُّوقِ، فَاشتَرَى، وَبَاعَ، وَربحَ، وَجَاءَ بِشَيءٍ مِن أَقَطٍ وَسَمنٍ ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَلبَثَ فَجَاءَ وَعَلَيهِ ردع مِن زَعفَرَانٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهيَم ؟ قَالَ: يَا رَسولَ اللهِ! تَزَوَّجتُ امرَأَةً، قَالَ: فَمَا أَصدَقْتَهَا، فَقَالَ: وَزنُ نَوَاةٍ مِن ذهب، قال : أولم وَلَو بِشَاة، قَالَ عَبد الرَّحمَنِ فَلَقَد رَأَيتُنِي ولو رَفعت حَجَرًا لَرَجَوت أَن أُصِيبَ تَحتَه ذَهَبًا أو فِضةً “.


فأين شبابنا اليوم ممن يتصنعون العجز عن العمل وطلب أسباب العمل وإلينا لا لغيرنا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ” يستجاب لأحدكم ما لم يعجل”؟!
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال : “لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه(6)؟
وقد حذر النبيصلى الله عليه وسلم من غياب العفة في الناس، وظهور السؤال والتسول وذهاب المروءة، فقد صح عَنه صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ:”كيفَ أَنتم إِذا مَرِجَ الدِّين وظَهَرت الرَّغبَةُ) ، وَقَوله : ظَهرت الرَّغبَة : أَي: كثُرَ السُّؤال وقلَّت العِفَّة.
وَقيل للأَحنف: مَا المُروءة: قَالَ العِفّة والحِرفة(7).


والأمة اليوم في حاجة إلى العفة بهذه المعاني كلها، فمن تجارنا اليوم من يملكهم الشره التجاري فيسيطر تاجر واحد على المناطق التجارية الحساسة في مُدنهم ولا يتعففون بترك الفرص لصغار التجار بدورهم.
كما تجد في مجتمعنا موظفين جمعوا لأنفسهم عدة وظائف أو لأبنائهم وفي عدة قطاعات، وكأنهم يريدون الحياة لأنفسهم فقط دون من سواهم من أبناء هذه الأمة، فأين العفة والقناعة اللتان دعا إليهما ديننا الحنيف ؟؟.


ولما شاعت ظاهرة الشره والطمع في الناس بدل العفة وقع الناس في مستلزمات هذه الظاهرة حيث تفشت أمراض اجتماعية أخرى كالرشوة والربا والغش في المعاملات كلها… نسأل الله العافية.
عبد الرحمن بوعلي
——
1- 1 / 102 من كتاب: المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده المرسي ت: 458ه.
2- 1 / 205 لعياض بن موسى اليحصبي السبتي، ت : 544هـ
3- 1 / 151. من كتاب التعريفات للجرجاني المتوفى: 816هـ
4- 4 / 226 من كتاب الكشف والبيان عن تفسير القرآن، لأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، ت : 427ه.
5- 1 / 574. من تفسير الراغب الأصفهاني ت: 502ه.
6- 3 / 177. من كتاب : بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لتقي الدين ابن تيمية الحنبلي المتوفى: 728هـ
7- 8 ـ 9 / 121 من كتاب تهذيب اللغة لمحمد بن أحمد الهروي، ت : 370هـ