المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرات في مفهوم الخُلُق في القرآن الكريم


المراقب العام
14-10-2019, 05:43 AM
http://i39.servimg.com/u/f39/14/26/64/84/untitl10.gif





ورد مصطلح الأخلاق في القرآن الكريم بصيغة المفرد مرتين فقط، وذلك في:


- قوله تعالى : إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ(الشعراء: 137)، وفي هذا الموضع ورد بمعنى الكذب، كما فسره معظم المفسرين فيكون مأخوذا من الخَلْق والاختلاق.


- كما ورد في قوله سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(القلم: 4)، وهذه الآية هي الوحيدة التي ورد فيها الخلق بمعنى مفرد لفظ الأخلاق.
وفي معنى لفظ الخلق قال ابن فارس: “الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء والآخر مَلَاسَةُ الشَّيْءِ”، ثم قال: “ومن ذَلكَ الْخُلُقِ، وَهي السَّجِيَّةُ، لأَن صَاحِبَهُ قد قُدِّرُ عَلَيْهِ”(1).
وقال الزمخشري: “وله خلق حسن وخليقة وهي ما خلق عليه من طبيعته، وتخلّق بكذا. وخالق الناس ولا تخالفهم. وهو خليق لكذا: كأنما خلق له وطبع عليه” (2).


وجاء في لسان العرب: “الخُلُقُ بضم اللام وسكونها وهو الدِّين والطبْع والسجية، وحقيقته أَنه لِصورة الإِنسان الباطنة وهي نفْسه وأَوصافها ومعانيها المختصةُ بِها بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأَوصافها ومعانيها ولهما أَوصاف حسَنة وقبيحة والثوابُ والعقاب يتعلّقان بأَوصاف الصورة الباطنة أَكثر مما يتعلقان بأَوصاف الصورة الظاهرة”(3).


وقال التهانوي عن المعنى الاصطلاحي للخلق: “الخلق: بضمّتين وسكون الثاني أيضا في اللغة العادة والطبيعة والدين والمروءة والجمع الأخلاق. وفي عرف العلماء: ملكة تصدر بها عن النفس الأفعال بسهولة من غير تقدّم فكر وروية وتكلّف. فغير الراسخ من صفات النفس كغضب الحليم لا يكون خلقا وكذا الراسخ الذي يكون مبدأ للأفعال النفسية بعسر وتأمّل كالبخيل إذا حاول الكرم وكالكريم إذا قصد بإعطائه الشهرة، وكذا ما تكون نسبته إلى الفعل والترك على السواء كالقدرة وهو مغاير للقدرة بوجه آخر أيضا”(4).


من خلال هذه التعاريف يتضح أن الأصل في الخلق أنه غير مكتسب، وأنه سجية للنفس، وقدر، وأنه صورة الإنسان الباطنة التي توازي وتقابل صورته الظاهرة.


وهذا الاستنتاج يضعنا أمام السؤال الذي كثيرا ما أثير عند القدماء والمحدثين، وهو يتعلق بمصدر الأخلاق، أو مصدر الشعور الأخلاقي، وهذا سؤال تناوله الفلاسفة والأخلاقيون باستمرار، وباختصار أشير إلى الآراء في الأجوبة عن هذا السؤال:


- هناك من رأى بأن مصدر الشعور الأخلاقي هو الغريزة، بمعنى أن الأخلاق من الأمور التي فُطر عليها الإنسان، ومعناه أن الله تعالى زودنا بأداة نحكم بها على الأشياء، ونرى حسنها وقبحها تماما كما زودنا بالعين لنميز بها بين المرئيات المادية.


- وهناك من يرى بأن الأخلاق تكتسب بالتربية، وبالتوجيه (الديني أو الاجتماعي…)، وربما قال بعض الفلاسفة إن الأخلاق تكتسب بالتجربة والترقي في المدارك والانتقاء من خلال هذه التجربة لما يصلح وتجاوز ما لا يصلح على مستوى الفعل الخلقي.


لقد ذكر مسكويه، وهو من أبرز الأخلاقيين المسلمين، هذه الآراء، في الإجابة عن مصدر الأخلاق، بعد أن عرف الخلق بأنه حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، فقال: “وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب[...]، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه الفكر، ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا”(5).
وخلاصة ما يمكن تقريره هنا ، وبناء على أن الخلق لم يرد في القرآن الكريم إلا مفردا، يمكن القول إن الخلق هو ما طبع عليه كل شخص على وجه العموم، فنقول هذا خلقه حسن، إذا اتصف بلين الجانب مع ما يترجم لين الجانب وحسن الخلق من محبة للآخرين ورحمة بهم وتواضع لهم وتلبية دعواتهم وتلبية حوائجهم، وعكسه سيئ الخلق مع ما يعبر عن ذلك من جفاء وغلظة وخسة وتكبر…


والأخلاق بصيغة الجمع، هي مجموع ما تعارف عليه الناس واتفقوا على كونه حسنا أو سيئا، إما عقلا أو شرعا، مع تسجيل اتفاق العقل والشرع في كون العقل صنع الشارع، ومن ثم فاعتقاد من لا دين له في خلق أنه حسن وفي آخر أنه سيئ، هو راجع إلى عقله في اعتقاده، أما في الحقيقة فهو راجع إلى الفطرة التي فطره الله عليها، وهي شرع سابق على وجوده كما تقرره آيات القرآن الكريم، منها قوله سبحانه وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّياتهمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(الأعراف: 172).


وهذا فيه دليل لما أكده بعض المفكرين المعاصرين، مثل الدكتور طه عبد الرحمن من أن مصدر الأخلاق هو الفطرة، والفطرة تلقت هذا الشعور الأخلاقي من الدين، فالدين إذن هو مصدر التوجيه الأخلاقي.
وبناء على ما سبق، فإن في الأخلاق جزءا فطريا وآخر مكتسبا.
فأما الجزء الفطري، فقد جاء الوحي، قرآنا وسنة، بالثناء على الحسن منه، ومعالجة النفس على عدم الخضوع للسيء منه، من ذلك بخصوص النوع الأول قوله لأشج عبد القيس: «إنَّ فيك خَصلتين يحبهما اللهُ: الحلمُ والأَناة» (أخرجه مسلم).


وبخصوص الثاني، نجد قول الله تعالى قوله سبحانه في الثناء الكاظمين الغيظ: سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(آل عمران 133 – 134)، وقول الرسول : «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه).
وأما الجزء المكتسب، فقد ورد الأمر بالتحلي به، من ذلك في القرآن الكريم: ولا تصاعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا(لقمان: 17)، وفي الحديث، قوله : «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ» (متفق عليه).
ولهذه المعاني كلها كان التوجيه ألى التخلق بالخلق الحسن من أهم مقاصد البعثة النبوية، حسب ما جاء في قول الرسول : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»، فقد يكون من معاني إتمام مكارم الأخلاق، دعوته بفعله وقوله إلى تعزيز الجانب الفطري من الأخلاق بالجزء المكتسب منها، وهذا كان من أهم وظائف الرسول بدليل آيات قرآنية عديدة منها قوله عز من قائل: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة 150).
والمسلم، ما لم يتخلق بخلق القرآن، يظل بعيدا كل البعد من مقتضيات الإيمان بدليل عدة نصوص شرعية، من بينها أحاديث تنفي الإيمان عمن لا أمانة له، أو لا يحسن الجوار، أو لا يكرم الضيف، أو لا يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه إلى غير ذلك مما اشتملت عليه نصوص حديثية نتداولها بألسنتنا ونعرف معانيها مع غفلة من الكثيرين منا عن التخلق بها وتدبر مكانتها من الدين عقيدة وشريعة.
والله أعلم وأحكم.


د. كلثومة دخوش
———————
1 – ابن فارس-مقاييس اللغة /خلق.
2 – أساس البلاغة/خلق.
3 – ابن منظور-لسان العرب/خلق.
4 – كشاف اصطلاحات الفنون.
5 – مسكويه-تهذيب الأخلاق و الأعراق –ص:265.