المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المعرفة الحقيقية لا تأتى إلا بعد الموت»،.... د. على عزت بيجوفيتش


نبيل القيسي
25-10-2019, 02:49 PM
“سُجن سنوات في عهد الرئيس اليوغسلافى «تيتو»، وقام الصرب بمذابح عرقية لقومه طالت مئات الآلاف، بقروا بطون الحوامل، ودمروا بلاده، اغتصبوا مئات النسوة المسلمات من قومه، وبعد أن أصبح أول رئيس للبوسنة والهرسك قيل له: هل تكره الصرب؟ أجاب: أنا لا أكره أحدًا ولكنى أشعر بالمرارة مما حدث. قال عنه وزير خارجيته، حارث سيلايديتش: «أثناء عملى معه اكتشفت أن الرجل لا يحمل في صدره ضغينة لأحد، ويحترم كل الآراء، وكان يخاطب جماهير الصرب والكروات: إننى أخاطب كل مَن لم تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء، فهم موطن ترحيب في دولة البوسنة والهرسك»”.
وتابع إبراهيم: “ولم ينسَ بعد صعوده إلى سدة الرئاسة ذلك السجين الجنائى، الذي خاطر بتهريب كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب»، ومدحه قائلًا: «الذين نسميهم (مجرمين) يعرفون الصداقة عادة، ومستعدون للمخاطرة من أجل الآخرين، أما مَن نسميهم (طيبين) فإنهم يكونون مُجرَّدين عادة من هذه الفضائل»، وهذه والله عشناها ورأيناها بأنفسنا كثيرًا. يوصف بـ«الرئيس الزاهد»، فقد عاش في شقة من غرفتين، تملكها رئاسة البوسنة والهرسك، دون خدم أو بذخ، ولم تكن لأولاده أي ممتلكات.”
“تأثر وهو صغير بالفكر الشيوعى السائد في يوغسلافيا، ولكنه أدرك بعد ذلك تهافت هذا الفكر أمام عظمة الإيمان بالله وتوحيده، وجاء ذلك بعد تفكير وتأمل طويل منه، فها هو يشيد بالصيام: «الصيام أعلى تعبير عن الإرادة والحرية»، ويشيد بالصلاة: «إذا كانت الحياة تفرق الناس، فإن المسجد يجمعهم ويمزجهم، إنه المدرسة اليومية للتآلف والمساواة والوحدة ومشاعر الود»، ويشيد بالدقة والترتيب وإيمانيات الصلاة، فيقول: «ليست الصلاة مجرد تعبير عن موقف الإسلام من العالم، إنما هي انعكاس للطريقة التي يريد الإسلام بها تنظيم العالم».
“ويبين واقعية الإسلام: «الإسلام طريقة حياة أكثر من طريقة تكفير»، وينعى على المسلمين التخلف والتبعية، فيهتف بهم: «الإنسان لا يستطيع أن يكون مسلمًا ويبقى متخلفًا»، ويردد: «يعتقد بعض الناس أن انتماءهم الدينى يحررهم من مسؤولية التفكير».
ويتحدث عن الشباب قائلًا: «الجنون في الشباب هو شرط الحكمة في الكبر»، ويحذر كل مَن يريدون الحكم بالإسلام فجأة في مجتمعاتهم التي تعج بالفساد: «الحكم بالإسلام دون مجتمع إسلامى إما أن يكون خياليًا وإما عنفًا وقهرًا»، وهى كلمات دقيقة وعميقة لا يدركها إلا مَن عركته التجارب.
ويوضح قيمة الخطأ والندم: «أن تخطئ وتندم يعنى أن تكون إنسانًا».
“ويعيب على الإعلام الجماهيرى في النظم الشمولية والديكتاتورية: «إن ما يسمى (وسائل الإعلام الجماهيرية) في الحقيقة وسائل للتلاعب بالجماهير»، ويقول: «إذا كان من الممكن تسلم السلطة بالوعود فالمحافظة عليها لا تكون إلا بالنتائج».
“ويفرق بين الأخلاق والسياسة: «الأخلاق النفعية ليست أخلاقًا حقيقية، فهى تنتمى للسياسة أكثر من انتمائها للأخلاق»، ويشيد بالفن الهادف: «الفن في بحثه عما هو إنسانى أصبح باحثًا عن الله».
“وينصح الجميع بالدوران حول الإنسانية لأنها تعنى التدين الحقيقى: «لا يمكننا بلوغ الكمال، ولكن علينا أن نكون دومًا أكثر إنسانية، فليحاول كل إنسان أن يكون إنسانًا بحق»، ويردد: «هناك أناس يعيشون فقط بيولوجيًا وهم أموات عاطفيًا ونفسيًا، أن تحيا روحيًا فهى الحياة».
“ويهتف بأروع الحكم قائلًا: «لا تقتل البعوض، ولكن جفِّف المستنقعات»، ويفرق بين الإيمان والمؤمنين والدين والمتدينين: «لا شىء أسمى وأعمق من الإيمان، ولا شىء أكثر غباءً ومللًا من بعض المؤمنين»، ويردف: «خطوة واحدة فقط بين عدم الفهم والعدوانية».
الصحة أهم من الحرية!
“كان يرى أن الصحة أهم من الحرية قائلًا: «عندما تكون في السجن تكون أمنيتك الوحيدة هي الحرية، وعندما تمرض في السجن لا تفكر في الحرية، وإنما في الصحة، فالصحة تسبق الحرية».
واختتم ناجح إبراهيم مقاله قائلا: “رحم الله الرئيس البوسنى الأسبق، الزاهد والمفكر والمناضل، د. د. على عزت بيجوفيتش، الذي تمر ذكرى وفاته هذه الأيام، رحمه الله رحمة واسعة، فهو القائل: «المعرفة الحقيقية لا تأتى إلا بعد الموت»، سلام على المخلصين في كل زمان”.