المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قل آمنت بالله ثم استقم


ألب أرسلان
09-05-2011, 05:20 AM
الاستقامـةhttp://www.qaradawi.net/site/images/spacer.gif
http://www.qaradawi.net/mritems/images/2011/5/9/2_8108_1_11.jpg
قل آمنت بالله ثم استقم



روى مسلم في صحيحه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك. فقال: "قل آمنت بالله، ثم استقم"[1] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn1).
وفي رواية للترمذي: قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به. فقال: "قل: ربي الله، ثم استقم". قال: فما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأشار إلى لسانه وقال: "هذا"[2] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn2).
سأل هذا الصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أمر جامع، أن يقول له قولا مُغنيا، ويوصيه وصيَّة شاملة، يتخذها دستورا لحياته، ويلتزمها منهاجا للعلاقة بينه وبين ربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس.
وكان صلى الله عليه وسلم، قد أوتي جوامع الكلم، يجمع في الكلمة القليلة الموجزة المعاني الكثيرة الجمَّة، فقال له هذه الكلمة، وأوصاه بهذه الوصية: "قل آمنت بالله، ثم استقم"، " قل ربي الله، ثم استقم".
وهذا الجواب المحمدي إنما اقتبسه من القرآن الكريم، من قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [فصلت:30]، {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ*أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13، 14].
البراءة من الأرباب الزائفة
الأمر الأول في هذه الوصية أن يعلن بأن ربه هو الله ... ويبرأ من كل الأرباب، الأرباب الزائفة، التي اصطنعها الناس في حياتهم، صنعها الوهم والخرافة، أو صنعها الهوى والشهوة، أو صنعها الكذب والتضليل ... كل الأرباب، من البشر، أو من الحجر، أو من الكواكب، أو من أي شيء في العالم العلوي والسفلي، على المؤمن أن يبرأ من هذه الأرباب، ولا يتخذ غير الله ربا، ولا يتخذ غير الله وليا، {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:164].
لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس في هذه الدنيا يتخذون أربابًا كثيرة، هذا يتخذ له ربا من الحلوى فإذا جاع أكله، وذاك يتخذ ربه كاهنا من الكُهَّان، وآخر يتخذ ربه صنمًا من الأصنام، أو وثنًا من الأوثان، وهكذا ... اتخذ الناس أربابا شتَّى[3] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn3) ... ولهذا كانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الملوك والأمراء والأباطرة من الأكاسرة والقياصرة، كان يختمها بهذه الآية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران:64]. مثل أولئك الذين {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].
التوحيد رسالة كل الأنبياء
ليعلن الإنسان أول ما يعلن أن الله ربه، وأن الله معبوده، وأن وِجهته إلى الله، وأنه لا يتخذ وليا من دون الله.
بهذا بُعثت الأنبياء، وبهذا نزلت الكتب، وبهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا قامت سوق للجنة والنار..
ربنا الله أم ربنا غير الله؟
على هذه الحقيقة قاتل الأنبياء وأتباعهم من المؤمنين.
وقف موسى عليه السلام يقول لفرعون: إنك لست الربَّ الأعلى كما تزعم للناس، حيث قال للناس: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعـات:24]، فقال: إن الله وحده هو ربُّ الناس، ملك الناس، إله الناس.
ولهذا أراد فرعون أن يقتل موسى قال: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر:26].
وشاء الله أن يدافع عن موسى رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، يصرخ في وجوه هؤلاء: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} [غافر:28].
أمن أجل هذه الكلمة "ربي الله"، وهو الحقيقة الناصعة التي ليس هناك حقيقة أنصع ولا أثبت ولا أخلد منها؟! أمن أجل هذه الحقيقة يراد بموسى أن يقتل وتزهق روحه؟!
ولقد أريد من أجل هذه الكلمة لسيدنا إبراهيم أن يُلقى في النار، ويحرَّق تحريقا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ، قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]، أي إن هذا (النمروذ) يزعم أن في يده الأمر والنهي، يأمر بقتل مَن يشاء فيميته، ويأمر بالعفو عمَّن شاء فيحييه ... وهناك يقول له إبراهيم: {فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].
ولقد أُريد لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه أن يُقَتَّلوا، وأن يعذَّبوا، وأن يُنفوا، وأن يُخرَجوا من ديارهم بغير حق؛ إلا أن يقولوا ربنا الله ...
لقد أُخرجوا من ديارهم وأموالهم وأُوذوا في أنفسهم وأهليهم ... بغير ذنب جَنَوْه {إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40].
لهذا كان على المسلم أن يقول: "ربي الله"، مهما أُوذي في نفسه، أو أهله، أو ماله، أو منصبه، أو جاهه، أو كل أعراض الحياة، مستمسكا بهذه العُروة الوُثقى لا انفصام لها.
"قل ربي الله ثم استقم"
أي قل هذا، اعتقده في نفسك، وأعلنه على الناس، ولكن لا بد من الاستقامة على مقتضى هذا القول.
ما المقصود بالاستقامة
والاستقامة تعني أمرين:
الأمر الأول: الثبات على هذا القول، وعلى التوحيد لله، وعلى إخلاص القلب لله، بحيث يسير الإنسان في هذا الطريق، طريق التوحيد السَّوِيَّة، لا عِوَج فيها ولا أَمْت، ولا ارتداد ولا انحراف ... ولهذا قرأ سيدنا أبو بكر: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت:30]، فقال: لم يشركوا به شيئا ... وذلك معنى الاستقامة. وقرأها عمر على المنبر فقال: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا}، أي لم يرغوا روغان الثعالب[4] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn4).
استقاموا على أمر الله، وعلى دين الله، وعلى توحيد الله، استقامة المؤمن الصريح ... الثبات على التوحيد إلى النهاية، إلى الموت، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99].
والأمر الثاني من معني الاستقامة: أنه يلتزم حدود الله، وينفذ أوامره، ويقيم حدوده، وينتهي عن محارمه، فيسلك الطريق المستقيم ... والصراط الذي هو كحد السيف، لا ينحرف عنه يَمنة ولا يَسرة، لا يميل مع اليمينين، ولا ينحرف مع اليساريين. إنه الصراط المستقيم الذي ندعو الله ونسأله الهداية إليه كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة، لو اقتصر الإنسان على أداء الفرائض.. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة 6،7].
الطريق المستقيم لا تقليد فيه
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين... لا سبيل المنحرفين المغضوب عليهم كاليهود، والضالين كالنصارى. فقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضلال"[5] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn5).
فالطريق الذي يجب أن يسلكه الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والجماعة المسلمة، والحكومة المسلمة، هو: الطريق الإسلامي الواضح، الذي لا يميل إلى هنا، ولا إلى هناك، ولا إلى هنالك ... فقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الأمة من أن تفقد شخصيتها وتفقد ذاتيتها، وتسير وراء الآخرين مُقلَّدة التقليد الأعمى، قال: "لتتبعنَّ سَنَنَ مَن قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، جحر الضب على ما فيه من الضيق والقذارة والنتانة وسوء الرائحة، لو دخلوا مثل هذا الجحر، لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، آليهود والنصارى؟! قال: "فمن؟!"[6] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn6).
هم هؤلاء المقصودون؛ تتبعونهم وتقلدونهم وتتركون طريقكم المستقيم، وتسيرون في طريقهم الأعوج ... إذا أطالوا أظافرهم كأظافر الكلاب والقطط أطلتم أظافركم، إذا سارت نساؤهم عاريات ... فعلت نساؤكم مثلهنَّ ... إذا ارتكبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، كانت فواحشهم شيئا جميلا يُقتدى به.... وهكذا انحرف الناس عن الطريق المستقيم، عن الاستقامة التي أمر الله بها رسوله وأمر بها المؤمنين، قال الله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌٌ} [هود: 112].
ذكر القشيري أن أحد الصالحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المنام، فقال: يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت: "شيبتني هود وأخواتها"[7] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn7)، فماذا شيبك من سورة هود؟ قال: قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌٌ* وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود:112،113][8] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn8).
وقال تعالى في سورة فصلت: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:6]، رتب الأمر بالاستقامة على توحيد الله تعالى.
مقتضى توحيد الله والاعتراف بألوهيته ووحدانيته والاعتراف بربوبيته، {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50]، ذلك يقتضي الاستقامة إليه، الاستقامة على طريقه، استقامة اللسان على الصدق، واستقامة القلب على التوحيد، واستقامة الجوارح على الطاعة، واستقامة العمل على السنة، على هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
الاستقامة الكاملة غير ممكنة
وما أجمل هذه الكلمة: {وَاسْتَغْفِرُوهُ}، كأنها إشارة إلى أن الإنسان لا يمكن أن يستقيم الاستقامة حق الاستقامة ... لا بد أن يُفرِّط في جنب الله، وأن يبدو منه تقصير في حق الله، فالإنسان إنسان، مهما يحاول ومهما يجاهد ... ولكن لم يطلب منه إلا التصميم والعزم، وحسن الاتجاه إلى الله وإلى طريق الله.
فإذا فرط منه في الطريق شيء، فإن الله أهل التقوى وأهل المغفرة، قال صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا"[9] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn9)، أي لن تستطيعوا أن تُدققوا في كل شيء، وتؤدوا كل عمل كما هو مطلوب منكم، فـ"سددوا وأبشروا"[10] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn10)، و"سددوا وقاربوا"[11] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn11).
الفرق بين التسديد والمقاربة
التسديد معناه: الإصابة في الأقوال والأعمال، والمقاصد كلها ... أن يصيب الإنسان الهدف ولا يخطئه ...
والمقاربة أن تبلغ قريبا من هدفك، ومن غرضك ...
فيقول عليه الصلاة والسلام: "سددوا"، أي حاولوا الإصابة والتسديد فيما تريدون، وقاربوا ... إن لم تستطيعوا التسديد، فقاربوا ... أي كونوا قريبين من الإصابة ... ولكن بشرط أن تكون مُصمِّما على بلوغه، وأن تكون وِجهتك إليه، فلا تكون مُشرِّقا وهدفك مُغرِّب، بل ينبغي أن تكون سليم الاتجاه، صحيح الوِجهة أولاً ... وإن فرط منك شيء من الخطأ ومن الزلل فإن الله عز وجل، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.
دور اللسان في الاستقامة
يقول صلى الله عليه وسلم: "لا يستقيم لسان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه، حتى يستقيم لسانه"[12] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn12).
ذلك أن اللسان ترجمان القلب، والمُعبِّر عنه، والمرآة لما يحتويه باطن الإنسان، ولهذا ورد أن الأعضاء إذا أصبحت قالت للِّسان: "اتق الله فينا، فإذا استقمت استقمنا، وإذا اعوججت اعوججنا"[13] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn13).
فإذا رأينا إنسانا مُعوجَّ اللسان مُنحرف القول، فهذا دليل على عِوَج في قلبه، وعلى انحراف في قصده.
نتيجة الاستقامة في الدنيا
إننا والله إذا استقمنا أفلحنا في الدنيا والآخرة.
الاستقامة هي سبيل النجاح، وسبيل الفلاح ... في الحياة الأولي، وفي الحياة الباقية.
يقول الله تعالى في شأن هذه الحياة: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} [الجن:16] ... أي وسَّعنا عليهم أرزاقهم، وأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم كما قال الله عز وجل: {ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2،3]، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96].
الاستقامة على أمر الله، وشكر نعمته، سبيل إلى حفظها، وإلى الاستزادة منها، فإن الله تعالى يقول: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7].
إن الله حينما أهبط آدم وحواء إلى الأرض علمهما هذا المبدأ، ووضع نُصب أعينهما هذا القانون قال: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًىفَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:23-26].
الاستقامة سبيل السعادة، وسبيل الفلاح للفرد ... وللأسرة ... وللمجتمع كله.
إذا قال الفرد: "ربي الله"، ثم استقام على هذا وثبت عليه، فهو سعيد وإن شقي الناس، مُفلح وإن خاب الناس، هادئ رزين وإن اضطرب الناس، آمن وإن خاف الناس، {فمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} [الجن:13]، {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَللا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا} [طه:112]، {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].
السعادة في الإيمان وفي الاستقامة.
لقد أغضب عمر إحدى زوجاته فقال لها مرة: لأشقينَّك يا أم كلثوم. (بنت على بن أبي طالب وكانت زوجة لعمر) فقالت له: لا تستطيع يا أمير المؤمنين أن تشقيني، لأن سعادتى في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي.
هذا في الدنيا ...
نتيجة الاستقامة في الآخرة
وأما في الآخرة، فجنة عرضها السماوات والأرض، وملائكة تتنزل ببشارة الله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ -أي عند الاحتضار- أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [فصلت:30].
الإنسان في هذه الحالة، قادم على دار غير الدار، وعلى حياة غير الحياة، والغريب يستوحش، ولكن الملائكة تؤنس وحشتهم، فتقول لهم حين تتوفاهم طيبين: {أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا}، أي لا تخافوا مما أنتم قادمون عليه، ولا تحزنوا لما خلَّفتم وراءَكم من مال وأهل وولد ... فإن الله وليّكم في هذا كله ... {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا -كنا نعلمكم نؤيدكم ونسددكم وننصركم على أعدائكم ونحفظكم بأمر الله- وَفِي الآخِرَةِ} [فصلت:31]، نؤنسكم عند الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، وعند البعث والنشور، وعند المرور على الصراط، ونهديكم إلى الجنة، {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [يونس:9]، وندخل عليكم مُحيين مُسلِّمين: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:24].
{نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت:31،32][14] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftn14).
ـــــــــــــ
[1] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref1)- رواه مسلم في الإيمان (38)، وأحمد في المسند (15416)، عن سفيان بن عبد الله الثقفي.

[2] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref2)- رواه الترمذي في الزهد (2410)، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الفتن (3972)، وابن حبان في صحيحه كتاب الحظر والإباحة (13/5)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح، والطبراني في الكبير (7/69)، والحاكم في المستدرك كتاب الرقاق (4/349)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3208).

[3] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref3)- قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا، وجعله ثالثة الأثافي لقدره، فإذا أرتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك –ثم روى عن أبي رجاء العطاردي قوله-: كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذاك ونأخذه، وإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به صـ75 طبعة دار الكتاب العربي بيروت.

[4] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref4)- انظر: تفسير ابن كثير (9/125).

[5] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref5)- رواه أحمد في المسند (19381)، وقال محققوه: بعضه صحيح، وفي هذا الإسناد عباد بن حبيش لم يرو عنه غير سماك بن حرب، ولم يوثقه غير ابن حبان، والترمذي (2953) وقال: حسن غريب، وابن حبان في صحيحه كتاب التاريخ (14/139)، وقال الأرناؤوط: حديث حسن لغيره، والطبراني في الأوسط (4/139)، وفي الكبير (17/98)، عن عدي بن حاتم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير عماد بن حبيش وهو ثقة (6/306)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2353)

[6] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref6)- متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم في العلم (2669)، وأحمد في المسند (11897)، عن أبي سعيد الخدرى.

[7] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref7)- رواه الترمذي في التفسير (3297) وقال: حديث حسن غريب، والحاكم في المستدرك كتاب التفسير (2/374)، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ، عن ابن عباس، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2627)، ونصه: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات و{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}".

[8] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref8)- تفسير الثعالبي (2/220).

[9] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref9)- رواه أحمد في المسند (22378)، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، وابن ماجه في الطهارة وسننها (277)، والطيالسي في المسند (1/134)، والدارمي في الطهارة (1/174)، والطبراني في الصغير (1/27)، وفي الأوسط (7/166)، والكبير (2/101)، والبيهقي في الكبرى كتاب الطهارة (1/82)، عن ثوبان، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (224).

[10] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref10)- رواه البخاري في الرقاق (6467)، عن عائشة.

[11] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref11)- متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (6464)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (2818)، وأحمد في المسند (24940)، عن عائشة.

[12] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref12)- رواه أحمد في المسند (13048)، وقال محققوه: إسناده ضعيف، تفرد به علي بن مسعدة، وقال الهيثمي: رواه أحمد وفيه علي بن مسعدة وثقه يحيى بن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره (1/220)، وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام انظر: المنتقى (1726)، وحسنه الألباني في الصحيحة (2841).

[13] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref13)- رواه أحمد في المسند (11908)، وقال محققوه: إسناده حسن، والترمذي في الزهد (2407)، والطيالسي في المسند (1/293)، وأبو يعلى في المسند (2/403)، والبيهقي في الشعب باب في حفظ اللسان (4/243)، عن أبي سعيد الخدري، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2871).

[14] (http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=8109&version=1&template_id=108&parent_id=15#_ftnref14)- انظر: خطب الشيخ القرضاوي خطبة بعنوان (الاستقامة وأثرها في حياة المسلم) جـ6 صـ69 طبعة مكتبة وهبة. القاهرة.


http://www.qaradawi.net/site/images/spacer.gif http://www.qaradawi.net/site/images/spacer.gif