المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كورسيكا .. صفحه منسيه من التاريخ الاسلامي !!


محمد فراج عبد النعيم
28-09-2011, 09:02 PM
جزيرة كورسيكا الحائرة:
بالرغم من تبعية جزيرة كورسيكا للدولة الفرنسية منذ ما يزيد عن قرنين وربع من الزمان، إلا أن المطالع لتاريخ تلك الجزيرة يعلم ارتباطها التاريخي الوثيق بإيطاليا لمد كبيرة من الزمن، ويدرك أنها كانت تابعة لجمهورية جنوة - إحدى الجمهوريات التي تألفت منها إيطاليا الحديثة - فترة ليست بالقليلة، ويعرف أن الحديث عن ولايات إيطاليا - لا سيما سَرْدانِيَة - مُقْتَرِنٌ بالحديث عن كورسيكا، ومُلازِمٌ له.[1]


وقد انتزع الرومان قديما السيطرة على الجزيرة من أيدي القَرْطاجِيَّون، ثم انتزع الروم البيزنطيون السيطرة عليها منهم ثم انتزعها الفَرَنْجَة[2]، ثم المسلمون، ثم تداولها عدة جمهوريات إيطالية (تسكانيا، وبيزا، وجنوة) إلى أن حازتها فرنسا بعد سيطرة جنوة عليها لمدة أربعة قرون وربع تقريبًا (1347- 1768م)؛ إذ اضطرت جنوة إلى بيع الجزيرة لفرنسا بمليوني فرنك، وقد ولد نابليون بونابرت في مدينة أجاسيو بجزيرة كورسيكا من أعمال إيطاليا عام 1769م من أصل إيطالي، وتعلم الإيطالية وهو صغير، لكن الجزيرة سقطت في قبضة فرنسا قبل ولادته بسنة، ولذا كان يتكلم الفرنسية بلَكْنَة إيطالية.[3]


ولا زالت في الجزيرة دَعَواتٌ لتحريرها من السَّيْطرة الفرنسية، حتى أن بعضها يحمل طابعًا مُسَلَّحًا، مما يُنْبِئ عن وجود رفض لدى شَريحة من الكورسيكيين للتَّبَعِيَّة لفرنسا.


وقد ذكر الحميري في الروض المعطار[4] أن المسلمين قد خربوا الجزيرة قديمًا، وأنهم غنموها أيام عبد الرحمن بن الحَكَم.


وقال الذهبي[5]: وفيها - أي في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة - أخرجَ المنصور إسماعيل العُبَيْدي يعقوب بن إسحاق في أسطول من المهديّة، عدّته ثلاثون حربيًّا إلى ناحية إفرنجة، ففتح مدينة جنوه، ومرّوا بمدينة سردانية، فأوقعوا بأهلها، وسّبوا، وأحرقوا عدّة مراكب، وقتلوا رجالها، وأسرعوا بالخروج إلى جنوة، وحرّقوا مراكب قرسقة[6]، ونقبوا أسوار جنوه، واستولوا على المدينة، وأسروا ألف امرأة، وقدِموا بالغنائم إلى المهديّة، انتهى.


وقال الدكتور حسين مؤنس[7]: كان جزء كبير من سواحل كورسيكا الجنوبية، والغربية تحت سلطان المسلمين، ويذهب الحِمْيَرِي في الرَّوْض المِعْطار إلى أن إمارة قُرطبة حازت قَرْسَقة - وهو أحد الأسماء المعروفة لها في المصادر العربية - أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم - وهو عبد الرحمن الأوسط - وقد انفرد بهذا الخبر، انتهى.


والحقيقة أن الحِمْيَري لم يزد على ما نقلناه عنه آنفًا، ولم يذكر حيازة الأمويين في الأندلس لها، واقتصر كما نقلنا عنه على أنهم غنموها[8]، ولا يلزم من هذا اللفظ حيازة أبدًا، بل يطلق غالبًا إذا أُفِردَ على الغزو المشتمل على الغَنيمة والسَّبْي، دون الفَتْح.


وقد ذكر الدكتور حسين مؤنس[9] أن العبيديين قد اتخذوا لهم قواعد على سواحل قرسقة ضمن خُطَّتهم التي كانوا يسيرون عليها في بناء القواعد المُحْكَمة، والمَوانئ المُحَصَّنة في سواحل البحر المتوسط؛ طلبًا للسيطرة على مياهه، والقَبْض على أَزِمَّة الأمور فيه.


أما الدكتور الكتاني رحمه الله[10] فهو يؤيد ما نفاه حسين مؤنس مما فهمه لكلام الحميري، فيَنُصُّ على فتح الأغالبة لجزيرة كورسيكة في سنة 806 م، وأن العُبَيْدِيِّين ورثوها عنهم، وأنها بقيت في أيديهم إلى أن سيطر عليها النصارى سنة930 م، فيَخْلُص إلى أن الحُكم الإسلامي قد دام بها مائة وأربعة وعشرين سنة.


ومن الجدير بالذكر أن ظاهر كلام ول ديورانت في قصة الحضارة عند مبدأ كلامه عن كورسيكا أن المسلمين قد انتزعوها من الفرنجة إلى أن انتزعها منهم إيطاليو تسكانيا.


ويرى أرشيبالد لويس[11] أن جزيرة كورسيكا لم تحتلها قوات إسلامية بالمعنى الصحيح، وأنها التزمت - وفقًا لتعبيره - جانب الحِياد في الصراعات الدائرة للسيطرة على مياه البحر المتوسط آنذاك، ويرى أيضًا أن ما يُقال في شأن كورسيكا يُقال في شأن جَزيرتي قبرص، وسَرْدانِيَة.

وقد ذكر المسيو رينو أن جُزْر البليار - ميورقة ومينورقة ويابسة - وجَزيرتا سَرْدانية، وكورسيكا كانت جميعًا عُرْضَةً لغزوات المسلمين في عهد خلافة بني أمية، وعهد الإمارة الأموية بالأندلس، وأن عبد الرحمن الداخل قد اتخذ في سنة 793م دُوْرًا لصناعة السفن في العديد من مَراسِي الأندلس، مما اضطر أهالي تلك الجزر إلى أن يضعوا أنفسهم تحت حماية شارلمان، ونقل رينو عن مجموعة الدُّون بوكه: أن أهالي الجُزُر من النصارى قد استطاعوا التغلب على المسلمين الغزاة في بعض الوقائع، وأخذوا منهم بضع رايات، فأرسلوا بها إلى شارلمان، وعلى أثر ذلك ازداد غزو المسلمين لهذه الجزائر، فكانوا يُغادونها القتال، ويُراوحونها، ويَسْبُون من أهلها: النساء، والأطفال، ويقتلون المُقاتِلين، ولم يكونوا يُعْفُون إلا عن الشيوخ العاجزين، والمرضى، والمُقْعَدين.[12]

وقد ذكر المسيو رينو أن قراصنة من الأندلس قد نزلوا بسَرْدانِيَة سنة 808م، فاجتمع أهلها، ودَحَروهم، فنزلوا بكورسيكا، فصادمهم القائد بورشارد، فخسروا ثلاثة عشر مركبًا، وانهزموا، ولكن المسلمين قد جاؤوا في السنة التالي من إفريقية، ونزلوا في سَرْدانِيَة، كما أن غزاة مسلمين آخرين جاؤوا يوم عيد الفصح، ونزلوا في كورسيكا، وعاثوا فيها، وأنه قد جاء في تاريخ كورسيكا لجاكوبي: أن المسلمين خَيَّموا في الجهة الشرقية من الجزيرة بين أطلال مدينة آليرية، ولم يتمكن الفرنسيس من طَرْدهم إلا بشِقِّ الأنفس، ثم في سنة 813 رجعوا إلى كورسيكة، وأَسَروا، وغنموا، وبينما هم راجعون أكمن لهم كونت أمبورياس بقرب مدينة برينيان قوة بحرية، غنمت منهم ثمانية مراكب، كان فيها أكثر من خمسمائة أسير، فانتقم المسلمون عن ذلك باجتياح سواحل نيقة (نيس)، وبروفنس، وسيفيتة فكشيا بقرب رومة.[13]

ومن الجدير بالذكر أن أرشيبالد لويس قد ذكر أن السفن الثلاث عشر التي خسرها المسلمون كانت في العام 807 م، لا 806 م، ولم يصف القائمين بالحملة في ذلك العام من المسلمين بالقراصنة.[14]

ومن الصفحات الأخيرة لصِلة الجزيرة بالعالم الإسلامي:ما ذكره فريد بك المحامي[15]من اتفاق السلطان العثماني سليمان القانوني مع ملك فرنسا هنري دي فالوا الثاني، على أن تتحد الدونانمة التركية مع العمارة الفرنساوية لفتح جزيرة كورسيكا؛ مُجازاةً لأهالي جَنَوه المُحْتَلِّين لها على مُساعدتهم لشارلكان ملك النمسا، ولتكون مركزًا لأعمال الدونانمتين في غزو سواحل إسبانيا وإيطاليا، وأُبْرِمَت بذلك معاهدة بتاريخ 16 صفر سنة 960 ه-، الموافق أول فبراير سنة 1553م.


ثم قال[16]بعد أن ذكر ترجمة بنود المعاهدة: فسارت مراكب الدولتين، وفتحت جزيرة كورسيكا بعد شَنِّ الغارة على بلاد كلابريا، وجزيرة صِقِلِّيَّة من أعمال إيطاليا، لكن لوقوع النُّفْرَة بين القائدين، لم يستمر احتلالها، بل افترقت العمارتان، ورجع القبودان العثماني إلى الآستانة، انتهى.


وتحتوي بُنود تلك المعاهدة على العديد من البُنود التي تُبيح للعثمانيين الغنيمة والأسر للنصارى، بل تجعل لهم اليد العليا في ذلك، وهي في الحقيقة بنود يمليها القوي على الضعيف الراجي للعون والمساعدة، ولولا خشية التطويل لذكرناها هنا.[17]

ـــــــــــــــ
[1] مما يُذْكر على سبيل المثال لبيان ارتباط الجزيرة بالجمهوريات الإيطالية في العصور الوسطى ما ذكره شكيب أرسلان في حاشية (ص140) من كتابه تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط، قال: قرأت في مدينة جنوة في تاريخ جمهورية جنوة لمؤلفه فريدريشي دونافار أنه في سنة 934م جاءت قوة بحرية إسلامية من إفريقية، فحصرت جنوة حِصارًا شديدًا، لكن الجَنَوِيِّين تمكنوا من دفعها عنهم، فرجعت أدراجها، وأصابها ضَرَرٌ من زوبعة بحرية، ثم بعد سنتين من تلك الواقعة جاء أسطول إسلامي آخر، وهاجم جنوة، واشتد القتال، فتغلب المسلمون، ودخلوا البلدة، وأصابوا مغانم كثيرة، وأخذوا أسرى كثيرين، وقَفَلوا، وكان أُسطول جنوة في كورسيكا، فلما جاء ورأى ما حصل بجنوة، سار في أثر الأسطول الإسلامي، فهزمه وفك الأسرى، واسترجع الغنائم، وصار الجَنَوِيِّون من ذلك الحين يحصنون بلدتهم، انتهى.
[2] هكذا ضبطها الزبيدي في تاج العروس (6/150).

[3] انظر: تاريخ أوروبا الحديث لجفري براون (ص391)، وقصة الحضارة لول ديورانت في بداية حديثه عن جزيرة كورسيكا.

[4] (1/455).

[5] تاريخ الإسلام للذهبي (24/30).

[6] قال ابن خلدون في تاريخه (4/40): ثم جهز أبو القاسم اصطولًا ضخمًا؛ لغزو ساحل الإفرنجة، وعقد عليه ليعقوب بن اسحق، فأثخن في بلاد الإفرنجة، وسبى، ونازل بلد جنوة، وافتتحها، وعظم صنع الله في شأنها، ومروا بسردانية من جزر الفرنج، فأثخنوا فيها، ثم مروا بقرقيسا من سواحل الشأم، فأحرقوا مراكبها،انتهى.
فقد نص ما ترى أنهم أحرقوا مراكب قرقيسا من أرض الشام، لا قرسقة أو كورسيكا المواجهة لساحل فرنسا الجنوبي، وإيطاليا الغربي، والشمال غربي، والظاهر أنه وهم منه رحمه الله تعالى، مبعثه تصحيف وقع له، وإلا فأين غزوتهم من سواحل الشام؟

[7] أطلس تاريخ الإسلام (ص291).

[8] نَصُ كلامه: قرسقة: جزيرة للنصارى، تُقابل مدينة رومة، ويقال: هي بالقُرْب من سَرْدانِيَة، وبينها وبين ساحل إفريقية نصف يوم، وبينها وبين ساحل تونس أربعة أيام، وكانت للرومانيين، خَرَّبها المسلمون قديمًا، وقيل: هي عامرة، ولها مَراسٍ مَشاتِي كثيرة، ومن مراسيها: مرسى البوالص، وآخر يُعْرَف بمرسى الزيتونة، وبها زوايا كثيرة، وجبال داخلة في البحر، وطولها مائة وستون ميلًا، وهي كثيرة الخَيْر، وافرة النِّعَم، وقد غَنَمها المسلمون أيام عبد الرحمن بن الحَكَم، وآبارها قريبة الأرشية، وفي القِبْلَة منها جزيرة سَرْدانِيَة، بينهما في البحر عشرون ميلًا.

[9] الموضع السابق.

[10] في كتابه المسلمون في أوروبا وأمريكا (ص199).

[11] القوى البحرية والتجارية في البحر المتوسط (ص237).

[12] نقله عنه شكيب أرسلان رحمه الله في تاريخ غزوات العرب (ص140،139).

[13] انظر: تاريخ غزوات العرب (ص140). مع مراعاة أن تلك الأخبار مُسْتقاة عن المصادر الأوروبية النصرانية القديمة، وكانت أكثر عَصَبية للنصرانية من المصادر المعاصرة، واتَّسَمَتْ بالبُعْد عن التوثيق والتَّحَرِّي.
وقد عَبَّر عن ذلك أرشيبالد لويس في كتابه القوى البحرية والتجارية في البحر المتوسط (ص164) بقوله: وفي المدة بين 806 - 815 م قام ذلك الأسطول - أي البحري الأندلسي - بهجمات بحرية مُنَظَّمة على كورسيكا، والشواطئ الكارولنجية بين مَصَبَّي نهر التيبر ونهر الرون، ففي عام 806 م مثلًا طُرِدَتْ إحدى فِرَق الفرنجة من الجزيرة عندما أغار عليها الأسطول الإسلامي الأندلسي، وفي السنة التالية انهزم المسلمون بدورهم في مياه الجزيرة، وفقدوا ثلاثة عشر سفينة، غير أن هذا لم يَعُق حركات الأسطول الإسلامي الأندلسي؛ إذ قام بغارات جديدة في سنوات 810،809،808 م، وفي عام 813 م قامت حملة بحرية من موانئ الأندلس، فأغارت على نيس، وشفيتا فكيا، وكورسيكا، لكنها واجهت وهي في طريق عودتها ضربة قاسية قُرْب ميورقة على يد أسطول فرنجي مُطارِد بقيادة كونت أمبورياس، الذي أنقذ خمسمائة كورسيكي، كان قد أسرهم المسلمون.

[14] في كتابه القوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط (ص164). وكتابه في غاية الأهمية لإدراك تَقَلُّب موازين القوى البحرية في البحر المتوسط في العصور الوسطى، وما قبل الوسطى، وأهمية السيطرة البحرية على موازين القوى السياسية، وما يتبع ذلك من القوى الاقتصادية.

[15] تاريخ الدولة العلية العثمانية ص242.

[16] (ص245).

[17] انظر: المسلمون في أوروبا وأمريكا للمنتصر الكتاني (ص199). وقد ذكر أن غزو العثمانيين للجزيرة كان في أيام الوالي العثماني على الجزائر خير الدين بربروسة رحمه الله تعالى، والذي كانت له اليد الطولى في البحر المتوسط، وأنه فتح مدينة نيس، وبقي فيها ما يقرب من العام، وأرخ ذلك بتاريخ سنة1453 م، خلافًا للمنقول أعلاه عن فريد بك المحامي، فلعلها غزوة أخرى، أو خطأ في التأريخ، وقد عَلَّل هذه الغزوة بأنها كانت للدفاع؛ بسبب غزو الدول النصرانية لكثير من سواحل المغرب آنذاك.