المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام والحرية


الدكتور عادل عامر
03-07-2009, 03:56 AM
الإسلام والحرية
الدكتور عادل عامر
لا شك أن من المسلّمات المفروغ منها، أن الإسلام لا يجبر أحدا على الاعتقاد بالإسلام نفسه، وترك لأصحاب الأديان الأخرى حرية المعتقد، إيمانا منه بان الحرية أصيلة في عمل الإنسان وسلوكه، ولا يمكن إجبار أحد على التعبد بالإسلام، لوقوع التعارض بين فطرة الإنسان وحكمة التعبد التي تقتضي القناعة ابتداء، فلا إجبار في الاعتقاد ولا تقليد، إنما يقع التقليد في المسائل الشرعية الفرعية، لا العقائدية مثل التوحيد، ومن ذلك قوله تعالى: {لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي} (سورة البقرة:256)، وهذه الآية واضحة الدلالة على أن المعتَقَد يصح عند المعتَقِد به عندما يكون في حالة لا يجبره أحد على اعتناقه أو الانعتاق منه وبمحض إرادته، ولا يسمى المعتقد دينا عند من يؤمن به إلا إذا توفرت في الإيمان والتعبد به حرية الاعتقاد، لان من مداليل الدين التمسك بالمذهب والطريقة، ولا يتمسك الإنسان في الظروف الطبيعية إلا بشيء هو مقتنع به، أي انه في حالة ممارسة لكامل حريته، ولا يتخذ المرء لحياته مذهبا إلا بعد قناعة، والقناعة مصداق للحرية. أما قوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} (سورة الكافرون: 6)، فهذا التفريق إقرار بأهمية الاختيار والاقتناع، ولا يقوم الاختيار إلا على مبدأ الحرية، فالمرء الذي يعمل بلا اقتناع فهو يعمل خلاف إرادته، أي في غياب الحرية وغيبوبته عنها، في حين ان الاقتناع الذاتي لابد وان تتوفر فيه أصالة الحرية، وحتى في مجال إقناع الطرف الآخر للإيمان بفكرة أو اعتناق دين فإن الحرية هي الشاخصة في هذه العملية، وهذا ما نلحظه في تعامل المسلمين مع المشركين الذين استجاروا برسول الله (ص) فالخطاب الإلهي الموجه إلى رسوله، هو: {وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} (سورة التوبة: 6)، يقول ابن كثير (701-774هـ) في تفسير هذه الآية: (وان أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم، أحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم، استجارك، أي استأمن، فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله، أي القران تقرؤه عليه وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله ثم أبلغه مأمنه، أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون، أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده)، ونقل ابن كثير قول ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار الثقفي (ت131) عن مجاهد بن جبر المكي المخزومي (21-104هـ) في تفسير هذه الآية، قال: انسان يأتيك ليسمع ما تقول وما انزل عليك فهو آمن حتى يأتيك فتسمعه كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء، ومن هنا كان رسول الله (ص) يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدا أو في رسالة، كما جاء يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم عروة بن مسعود ومكزر بن حفص وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحدا بعد واحد يترددون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله (ص) ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم واخبروهم بذلك وكان ذلك وامثاله من اكبر أسباب هداية أكثرهم) (2). وفي الظروف الطبيعية غير ظرف الاستجارة الاستثنائي، فإن الحرية في تصوري، ليست فقط في ان يقتنع الطرف الاخر بالفكرة أو المعتقد، بل له كامل الحرية والتصرف في ان لا يستمع إلى المتحدث من الاساس، وان لا يحدثه اصلا، الا بما يحب أن يسمع، وفي الدعوة الإسلامية إنما من باب اللطف الإلهي والرحمة الإلهية، أن يُعرض على غير المسلم رسالة الإسلام، وله أن يسلم مستبصرا أو لا يسلم، فإبلاغه الحجة هي رسالة الأنبياء، كما قال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (سورة النساء: 165).
الإكراه ضد نوعي
ونقرأ دليل أصالة الحرية في قوله تعالى: {إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (سورة الغاشية: 21)، فالسيطرة واضحة المعنى، تقتضي في إعمالها سلب حرية الآخرين، ولما كان النهي قائما على عدم السيطرة، فذلك يعني قيام الحرية وثباتها سلبا وإيجابا في الرفض أو القبول، فالإيمان بفكرة أو معتقد ليست معادلة رياضية ينبغي على الطرف الآخر القبول بها والرضوخ إليها، اعتقادا منا بأن التسليم أمر مفروغ منه مادمنا نقدم للطرف الآخر الإسلام ضمن معادلة منطقية ذات صغرى وكبرى، وإلا لآمن كل من استمع إلى الرسول (ص) وهو يحدثهم بالإسلام، فهو صاحب المنطق السليم، والبيان الحكيم، والحجة المستوفية لكل شروطها، من هنا توجه الخطاب الإلهي إلى رسوله (ص): {وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (سورة ق: 45)، قال ابن كثير: (قوله تبارك وتعالى {وما أنت عليهم بجبار}، أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى وليس ذلك مما كلفت به، وقال مجاهد، وقتادة (بن النعمان بن زيد الأنصاري، ت 23هـ عن 65 عاما) والضحاك (بن مزاحم، ت 105هـ)، وما أنت عليهم بجبار، أي لا تتجبر عليهم، والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه ولا تكن جبارا عليهم، وإنما قال وما أنت عليهم بجبار، بمعنى وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلّغ، قال الفراء (يحيى بن زياد الأقطع، 144-207هـ) سمعت العرب تقول جبر فلان فلانا على كذا بمعنى اجبره، ثم قال عز وجل: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}، أي بلِّغ أنت رسالة ربك فإنما يتذكر من يخاف الله وعيده ويرجو وعده، كقوله تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} (سورة الرعد:40)، وقوله جل جلاله: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (سورة الغاشية: 21) {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} (سورة البقرة: 272): {انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (سورة القصص: 56)، ولهذا قال تعالى ها هنا وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقران من يخاف وعيد) (3)، وقال الطبري (ت 310هـ): (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص) فذكر يا محمد عبادي بآياتي وعظهم بحججي وبلغهم رسالتي، إنما أنت مذكر، يقول إنما أرسلتك إليهم مذكرا لتذكرهم نعمتي عندهم وتعرفهم اللازم لهم وتعظهم، وقوله {لست عليهم بمسيطر}، يقول لست عليهم بمسلط ولا أنت بجبار تحملهم على ما تريد، يقول كلهم إلي ودعهم وحكمي) (4). من هنا فان الله تعالى خاطب رسوله (ص) في آيات عدة مشيرا إلى حرية المرء في الايمان أو عدمه، قال تعالى: {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل} (سورة يونس:108)، وقال تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (سورة الكهف: 29)، ذلك لان الله أضاء لعبده الدرب وبيّن له طريق الخير والشر وعليه ان يختار. وفي قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (سورة يونس:99)، إشارة بليغة إلى معنى حرية الاختيار لدى الإنسان، فمع أن الله خالق البشر، وفوض إليهم آليات الخير والشر، فانه تعالى لم يكرههم على الإيمان به، وهو جل تعالى على ما يريد قدير، ولكنه لم يفعل لحكمة الاختيار والاختبار، فمن باب أولى إن الرسول غير مكلف بإكراه الناس على الإيمان، قال البيضاوي (ت 685هـ) في تفسير الآية الكريمة: (وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء وايلاؤه حرف الاستفهام للإنكار وتقديم الضمير على الفعل، للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل، فلا يمكن تحصيله بالإكراه عليه فضلا عن الحث والتحريض عليه، إذ روي انه كان حريصا على إيمان قومه شديد الاهتمام به، فنزلت، ولذلك قرره بقوله وما كان لنفس أن تؤمن بالله إلا بإذن الله، إلا بإرادته وألطافه وتوفيقه، فلا تجهد نفسك في هداها فانه إلى الله يجعل الرجس العذاب أو الخذلان)(5). إلى جانب تلكم الآيات هناك: (آية أخرى نرى ارتباط فعل الإنسان بحركته الذاتية الحرة وسعيه الدؤوب لتغيير نفسه واتخاذ طريق الإيمان والهداية وان نتائج عمل الإنسان تعتمد على ما يختاره ويسعى إليه عبر تصميم سابق: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (سورة الأنفال:53)، {وان ليس للإنسان إلا ما سعى} (سورة النجم:39)، {اقرأ كتابك كفى اليوم بنفسك حسيبا} (سورة الإسراء:14)، {لتجزى كل نفس بما تسعى} (سورة طه:15)، {كل نفس بما كسبت رهينة} (سورة المدثر:38)، هذه الآيات تقودنا إلى استنتاج بديهي هو إن الحرية من الأصول الأساسية العقائدية في الإسلام، بل من الأولويات التي قامت عليها عقيدة التوحيد بان تسقط كافة الأصنام التي تغل الإنسان وتقيده ويبقى الإنسان حرا تحت ظلال عبودية الله سبحانه وتعالى)(6). وإذا كانت معظم الآيات السالفة هي في مقام التذكير، فان قوله تعالى في وصف مهمة نبيه (ص): {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} (سورة الأعراف: 157)، دلالة عملية تصاحب عملية التأطير الفكري لمفهوم أصالة الحرية والاختيار، فالله سبحانه وتعالى يوضح أهداف رسالة النبي محمد (ص) وهي أن يرفع عنهم ما شاب حياتهم من أغلال أصر فكرية وعقائدية وعملية، ويرجعهم إلى الحالة الطبيعية التي عليها الإنسان السليم، وهي حالة الحرية حتى يتمكن من الاختيار، ويجنبهم التقليد الأعمى الذي وجدناه في قول المشركين: {قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا} (سورة يونس: 78)، وقولهم: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمّة وانا على آثارهم مهتدون} (سورة الزخرف: 22). هذه الأغلال التي تكبل الإنسان وتقيده كانت مثار غضب الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (Jacques Rousseau) (1712-1778م)، الذي استهل كتابه المشهور (العقد الاجتماعي)، بقوله المشهور: (لقد وُلد الإنسان حرا، وهو اليوم مقيد بالأغلال في كل مكان، كيف حدث ذلك؟ لست ادري)(7)، بالطبع فإن روسو في كتابه يتطرق إلى القيود والأغلال، ولكن سؤاله هنا من باب الاستنكار والاستهجان، بيد أن الأغلال لا تتوقف عند مجموعة أو عدد معين، فهي كثيرة، وتتجدد وتزداد مع تقدم سنيّ دورة الحياة، يقول الفقيه المدرسي: (والأغلال بالمعنى الشامل الواسع لها، كثيرة ومتنوعة، كأغلال الثقافة الجاهلية المنحطة، وأغلال الأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية الفاسدة الخرافية كالتشاؤم والتطيّر والاستقسام بالأزلام وما شابه ذلك، وكذلك الأغلال الاقتصادية في التجارة والمعاملات كالربا.. فهذا المقصود بـ (الأغلال) التي أشارت إليها الآية الكريمة {يضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم}، أي انه (ص) منحهم بحركته الانقلابية التغييرية الحرية والكرامة والاستقلال، والحرية التي تنعموا بها هي من الرحابة واتساع الأفق بحيث انهم لم يكرهوا على شيء حتى في موضوع اعتناقهم العقائدي، وذلك بنص القرآن الكريم {لا إكراه في الدين} فالإكراه ليس من اصل الدين، ومن الطبيعي إن الشيء عندما ينعدم في الأصل ينعدم في التفاصيل أيضا) (8)، والآيات القرآنية حول دلالة أصالة الحرية كثيرة، وقد عدها البعض نحو ثلاثمائة آية (9)، في موضوعات مختلفة، لكنها تقع تحت سقف الحرية ودلالاتها.
الحرية أمانة ومسؤولية
ومن الطبيعي إن أصالة الحرية تصاحبها مسؤولية الإنسان عن أفعاله وأقواله، وكل ما يصدر عنه في الخير والشر، وهو عرضة للمساءلة القانونية في الدنيا إذا اعتدى على حريته أو حرية الآخرين، وعرضة للمساءلة في محكمة العدل الإلهية يوم القيامة، فالحرية في واقع الأمر هي حرية مسؤولة، إليها يخضع الثواب والعقاب في الدارين، وقد وصفها البعض، بأنها الأمانة التي تحمّلها الإنسان، يقول بروحي (A.K.Brohi) الكاتب والمستشار القانوني الباكستاني (1915-1987م): (أود أن أوجز الفكرة الرئيسة في حججي بالاستشهاد بالقرآن الكريم: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا} (سورة الأحزاب:72)، وأكاد اجزم أن نعمة الحرية هذه، هي الأمانة التي قبلها الإنسان ورفضتها السموات والأرض والجبال، هي أمانة لأنها نعمة تحمل معها، كالتزام، مسؤولية المحاسبة على النهج الذي يجب أن تستخدم به الحرية) (10). ولاشك أن تحمل الأمانة، واحدة من أظهر مصاديق الحرية، إذ لا يصدق وصف (الأمانة) على من حُمل عنوة شيئا ما، فتقبل الأمانة يكون برضا وطيب خاطر وحرية، وحتى في الحياة اليومية، فان الإنسان المؤتمن على شيء يكون ملزما بحماية الأمانة وهو ضامن لها إذا اشترط صاحبها عليه ذلك، ورضي هو بتحمل المسؤولية، ولكن عند الجبر، فهو غير ضامن بفقدانها أو تلفها، لأنه مسلوب الحرية ابتداء. وبهذا الصدد يشير الدكتور الجراح، اللبناني، الفلسطيني المولد، سليم الحداد، إلى موضع الحرية والمسؤولية في الإسلام والمسيحية مؤكدا أن: (حرية الاختيار هي من عناصر الحياة الأساسية التي وهبها الله للإنسان، وحرية الضمير هي من حق الإنسان من يوم تكوينه، يعلم الإسلام أن للإنسان حرية الإرادة، وتعلم المسيحية أن الإرادة فسدت بسبب الخطيئة فلا تختار الصحيح دوما، بما أن الله قيّد مسؤولية تصرف الإنسان بمصيره في الدنيا والآخرة، بيّن أن حريته فعالة وتحمل عقابها وثوابها)(11)، وقريب من هذا المعنى نجده عند الأديب الباكستاني محمد إقبال اللاهوري (1877-1938م): (لقد عبّر الإنسان عن تعلقه الباطني العميق بالحرية بمختلف الأساليب خلال تاريخه المديد، فآدم وحواء، قد اضطرا مدفوعين بهذا الدافع إلى ترك الجنة حيث لم يكن ثمة مجال لممارسة الحرية، والنزول إلى الأرض، عالم الفعل، إذ يقال: إن الفعل قائم بالحرية) (12). واثنّي هنا على قول الشيخ محمد عبده (1849-1905م) حول علاقة الحرية بالمسؤولية وإرادة الاختيار، إذ: (يشهد سليم العقل والحواس من نفسه، انه موجود، ولا يحتاج إلى دليل يهديه، ولا معلم يرشده، كذلك يشهد انه مدرك لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها بعقله، ويقدرها بإرادته، ثم يصدرها بقدرة ما فيه، وكل إنكار لشيء من ذلك يعد مساويا لإنكار وجوده، في مجافاته لبداهة العقل كما يشهد بذلك في نفسه أيضا، وفي بني نوعه كافة، متى كانوا مثله في سلامة العقل والحواس) (13). وخلاصة الأمر، إن القرآن الكريم ثابت الدلالة والظهور على اصالة الحرية الإنسانية، وهي حرية مسؤولة تمثل الضد النوعي والمنطقي للاكراه الذي رفضه الاسلام على نفسه، ولم يجوزه على نبيه، حتى في سَوق الناس إلى جادة الإسلام، لان الحرية قبّان الحق والباطل ومعيار الفعل سلباً أو إيجابا، والقبان من طبعه ان يكون خالياَ من أي تأثير داخلي أو خارجي.
سلطة النفس قبل المال
يقف حديث الرسول (ص): (إن الناس مسلطون على أموالهم)، في مقدمة روايات السنة الشريفة التي يستدل بها على أصالة الحرية، من خلال الربط بين السيرة العقلائية والسيرة النبوية، يقول الفقيه المنتظري: (إن العقل العملي يشهد ويحكم بسلطة الناس على الأموال التي حازوا أو انتجوها بنشاطاتهم، واستمرت سيرة العقلاء أيضا على الالتزام في حياتهم ومعاملاتهم، ويحكمون بحرمة التعدي على مال الغير وكونه ظلما، وقد نفذ الشرع أيضا ذلك بحيث صار هذا من مسلمات فقه الفريقين، يتمسكون بها في الأبواب المختلفة. وروي في بحار الأنوار للمجلسي (محمد باقر بن محمد تقي 1037-1111هـ):ج2 ص373، عن عوالي اللئالي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (إن الناس مسلطون على أموالهم)، وفي رواية أبي بصير ليث بن البختري المرادي (كان حيا قبل عام 148هـ) عن أبي عبد الله– جعفر الصادق– عليه السلام في الوسائل: (إن لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء مادام حيا)، إلى غير ذلك من الروايات التي يستفاد منها هذه القاعدة الشاملة، فإذا فرضنا أن الناس مسلطون على أموالهم بحيث يكون لهم التصرف فيها، إلا ما حرمه الله تعالى، وليس لغيرهم أن يتصرفوا في مال الغير إلا بإذنه، فهم بطريق أولى مسلطون على أنفسهم وذواتهم، فان السلطة على الذات قبل السلطة على المال بحسب الرتبة، بل هي العلة والملاك لها، حيث أن مال الإنسان محصول عمله، وعمله نتيجة فكره وقواه، فهو يملكه لذاته وفكره وهواه تكوينا يملك أمواله المنتجة منها، والله تعالى خلق الإنسان مسلطا على ذاته حرا مختارا، فليس لأحد أن يحدد حريات الأفراد، أو يتصرف في مقدراتهم بغير أذنهم) (14). وصار هذا الحديث المتفق عليه لدى السنة والشيعة، وباضافة انفسهم لتقدمها رتبة على المال، قاعدة فقهية استدلالية يعتمدها الفقيه في استنباط الاحكام الشرعية بلحاظ الأولوية وأصالة التسلط، يقول الفقيه صادق الشيرازي: (انطلاقا من (آيات سابقة) ومن قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم} (سورة الاحزاب:6)، التي يستفاد منها ان كل انسان ولي نفسه، وهو حر في جميع تصرفاته في نفسه وامواله، وقد استنبط فقهاء الاسلام من ذلك قاعدة ثابتة اساسية هي قولهم: الناس مسلطون على اموالهم وأنفسهم)(15).
أصالة الولاية الذاتية
ونقرأ هذه الأصالة بوضوح، بضميمة وصية لرسول الله (ص) إلى الإمام علي (ع)، مع خطبة للإمام (ع)، قال الرسول محمد (ص) موصيا: (يا علي: إن الله (تبارك وتعالى) قد اذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا أن الناس من آدم وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم)(16)، وخطب الإمام علي (ع) قائلا: (يا أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وان الناس كلهم أحرار، ولكن الله خوّل بعضكم بعضا، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله) (17)، فالناس كلهم يعودون لآدم (ع) وآدم أبو سلالتنا، ولكن بتقادم الزمن والحروب والمعارك والفتن، عرف الناس العبيد والرق والإماء، ثم تسالم الناس على قوانين لتنظيم الحياة بين طبقات الناس، وبخاصة أثناء الحروب، حتى إذا جاء الإسلام سنّ القوانين لتنظيم ما كان قائما ومستفحلا سعيا وراء القضاء على هذا التصنيف المخالف لفطرية حرية الإنسان، ولذا سن الإسلام حكم عتق الرقبة في الكثير من المسائل والأحكام الإسلامية، كأحكام كفارة إفطار صوم رمضان أو إقامة الحدود من قتل وما شابه (18).
وقد ذكر الفقهاء في باب الرق، اصالة الحرية، استنادا إلى حديث الإمام علي (ع) من وصية له لنجله الامام الحسن (ع) والتي جاء فيها: (ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا) (19)، من هنا: (يرى الشيخ احمد النراقي (بن محمد مهدي بن ابي ذر، 1185-1245هـ): (إن الأصل عدم ثبوت ولاية احد على احد الا مَن ولاّه الله سبحانه وتعالى أو رسوله أو احد من أوصيائه على أحد في أمره وحينئذ فيكون هو وليا على من ولاه فيما ولاه فيه)، ويرى الامام محمد الشيرازي ان: (الاصل في الولاية استقلالا أو اشتراطا العدم)، وهذا يعني ان كل ولاية لاحد على احد يحتاج إلى دليل إلى اثباتها، وولاية النبي (ص) وولاية المعصومين (ع) ثابتة بالأدلة القطعية النصوصية، اما غيرهم (ع) فانه لا يثبت الا باثباتها بالدليل، والقول بأنهم (ع) قد وكلوها للفقهاء نيابة عامة فهذا مما كثر الخلاف في اصل كونها واردة في مقام الولاية، وانما واردة في مقام التقليد) (20)، وإلى هذا يذهب الفقيه المنتظري، اذ: (ان الاصل عدم ولاية احد على احد وعدم نفوذ حكمه فيه، فان افراد الناس بحسب الطبع خلقوا احرارا مستقلين، وهم بحسب الخلقة والفطرة مسلطون على انفسهم وعلى ما اكتسبوه من اموالهم بإعمال الفكر وصرف القوى، فالتصرف في شؤونهم واموالهم والتحميل عليهم ظلم وتعد عليهم) (21)، والولاية للغير ترتفع بارتفاع وازالة المؤثر عن المرء لكون الحرية فيه ذاتية مكونة في أعماق الإنسان بالجعل الالهي. نلاحظ من خلال سبر الآيات القرآنية والسنة الشريفة والقواعد الفقهية المستلة من القرآن والسنة، إن الحرية قيمة فطرية وسارية اصيلة في كينونة الإنسان تستند إليها خيمة حياته، الا إذا قرر الإنسان على نفسه بالعبودية وهو مدرك كما يقول الإمام علي (ع): (الناس كلهم احرار الا من أقرّ على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمه) (22)، وهذا الادراك لا يدخل ضمن اصالة الحرية بالقطع، فالعبودية هنا، المقابلة لحرية الارادة، مسألة طارئة تتداخل فيها عوامل نفسية ومكانية وزمانية تجعل من انسان حر عبدا يرتضي لنفسه ان يكون كذلك، حاله حال الدابة التي تعود لصاحبها كلما ضربها، وهذه حالة خارجة عن القاعدة في اصالة الحرية، فاخراج الناس من أسر العتق هي رسالة الانبياء والحكماء من الأولين إلى خاتمهم محمد (ص)، وذات يوم وقف النبي أشعيا بن آموص (عاش نحو عام 765ق.م) قائلا: (ان الرب مسحني لأبشر المساكين.. ارسلني لاعصب منكسري القلب، لانادي للمسيبين بالعتق وللمأسورين بالانطلاق)(23)، وهي رسالة كل عاقل يسير على وجه البسيطة، وألقى السمع وهو شهيد.
ــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1- الشيرازي، جعفر (الصحافة الحرة بين المشروع واللامشروع) مجلة النبأ (بيروت، المستقبل للثقافة والإعلام، السنة 6، العدد 47، 1421هـ/2000م) ص105.
2- ابن كثير، اسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القران العظيم (تفسير ابن كثير) (بيروت، دار الفكر، 1401هـ) ج2 ص338.
3- ابن كثير، اسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القران العظيم (مصدر سابق) ج4 ص232.
4- الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في علوم القران (تفسير الطبري) (بيروت، دار الفكر، 1405هـ) ج30 ص166.
5- البيضاوي، عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي) تحقيق: عبد القادر عرفات والعشا حسونة (بيروت، دار الفكر، 1416هـ/1996م) ج3 ص216.
6- معاش، مرتضى (حقيقة العلاقة بين ولاية الفقيه والحرية) مجلة النبأ (بيروت، المستقبل للثقافة والاعلام، السنة 5، العدد 41، 1420هـ/2000م) ص33.
7- الصالح، د. صبحي، الاسلام ومستقبل الحضارة (بيروت، دار الشورى، ط1، 1982م) ص201.
- وراجع: الأسدي، ناصر حسين، شورى الفقهاء المراجع (بيروت، مؤسسة الفكر الاسلامي للثقافة والاعلام، ط1، 1411هـ/1991م) ص248.
8- المدرسي، محمد تقي، هكذا نبني عراق الغد، اعداد: فالح الربيعي (طهران، انتشارات مدرسي، ط1، 1413هـ) ص73-74.
9- راجع: الوزير، ابراهيم علي (من اجل ديمقراطية شوروية) (لندن، مجلة المعهد، معهد الدراسات العربية والاسلامية، السنة 1، العدد 2، 1420هـ/2000م) ص164.
10- بروحي، أ.ك (الاسلام وتحرير الإنسان) كتاب: الاسلام دعوة التحرير (القاهرة، الزهراء للاعلام العربي، ط1، 1407هـ/1987م) ص59.
11- حداد، د. سليم خليل، أصول الدين في القران والكتاب المقدس (المملكة المتحدة، مطبعةAberystwyth Cambrian Printer، 1988م) ص111.
12- أختر، د. وحيد (الحرية في الاطار الاسلامي.. حقوق الإنسان استنادا إلى نهج البلاغة) كتاب: حقوق الإنسان في الاسلام (طهران، منظمة الاعلام الاسلامي، ط1، 1408هـ/1987م) ص463.
13- السامرائي، د. نعمان عبد الرزاق، النظام السياسي في الاسلام (الرياض، فهرست مكتبة الملك فهد الوطنية، ط1، 1419هـ/1999م) ص183.
14- المنتظري، حسين علي، دراسات في ولاية الفقيه (قم ايران، ط1، 1408هـ) ج1، ص495.
15- الشيرازي، صادق، السياسة من واقع الإسلام (ايران، ط2، 1401هـ) ص228.
16- القزويني، محمد كاظم، موسوعة الامام الصادق.. تاريخ الرسول الأعظم (قم- ايران، مؤسسة نشر علوم الامام الصادق، ط1، 1417هـ) ج6، ص611.
17- الجعفري، محمد تقي (مقدمة للاعلان العالمي لحقوق الإنسان) كتاب: حقوق الإنسان في الإسلام (مصدر سابق) ص157-158.
18- حول الرق والموقف الاسلامي منه، راجع: محمد الغزالي، حقوق الإنسان بين تعاليم الاسلام واعلان الامم المتحدة (الاسكندرية - مصر، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، ط1، 1413هـ/1992) ص99 وما بعدها.
19- عبده، محمد، شرح نهج البلاغة (بيروت، دار البلاغة، ط4، 1409هـ/1989م) ج3، ص570.
20- معاش، مرتضى (حقيقة العلاقة بين ولاية الفقيه والحرية) مجلة النبأ (مصدر سابق) ص30-31.
21- المنتظري، حسين علي، دراسات في ولاية الفقيه (بيروت، الدار الإسلامية، ط2، 1407هـ/1988م) ج1، ص27.
22- الطوسي، محمد بن الحسن بن علي، التهذيب (كتاب العتق) مجلد 2، طبعة قديمة، الحديث 64، ص258.
23- سفر أشعيا:61/1-2.

عاسف المهرة
28-02-2010, 06:48 AM
جزيتم خيرا كثيرا

الدكتور عادل عامر
11-08-2011, 09:44 PM
فأي حرية ترتب عليها ضرر لنفسك، أو ضرار لغيرك، يجب أن تمنع، ويجب أن تقيد في هذه الحالة فإن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية غيرك، أما أن تدعى الحرية ثم تدوس الناس، هذا لا يقول به أحد . لك حرية المرور في الطريق، ولكن على أن تلتزم آداب المرور، لا تصدم الناس، ولا تصدم السيارات، ولا تدس المشاة، ولا تخترق قوانين المرور، وهذا التقييد لحريتك، أن تقف والضوء أحمر، أو أن تمشي على الجانب الأيمن، أو غير ذلك، هذا التقييد من المصلحة العامة، وكل دين وكل نظام لابد أن يوجد فيه مثل هذه القيود، وهذا ما جاء به الإسلام، وهذا أفضل ما يمكن أن تصل إليه البشرية.
والله أعلم