المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ** ( لماذا لا ننتفع بالقرآن ؟ )**


انصر النبى محمد
20-06-2013, 01:35 PM
لماذا لا ننتفع بالقرآن ؟

القرآن هو المنبع العظيم للإيمان والذي لا يوجد له مثيل ويكفي أنه ينادي على الجميع أن هلموا إلىَّ واستكملوا نقص إيمانكم فمنابعي ممتلئة وجاهزة

لإمدادكم جميعًا بما تحتاجونه من إيمان( رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ) (آل عمران 193).

يقول محمد بن كعب القرظي: (المنادي هو القرآن ليس كلهم رأي النبي عليه الصلاة والسلام)

فالقرآن له قوة تأثير ضخمة على القلوب لا يناظره فيها مصدر آخر وكيف لا وهو كلام رب العالمين الذي إذا استقبلته الجبال الرواسي لتصدعت واندكت من قوة تأثيره عليها (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر21) .
فإن كان الإيمان للقلب كالروح للبدن فإن القرآن يمثل العمود الفقري لهذا الإيمان... لذلك ليس عجبا أن يُسمى القرآن بالروح (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً منْ أَمْرِنَا) (الشورى 52)

فإن كان القرآن كذلك فهل أدرك المسلمون قيمته وهل أحسنوا الانتفاع به؟!
هل تعاملوا معه على حقيقته كمصدر متفرد لزيادة الإيمان ومن ثمَّ التغيير؟!

للأسف لم يحدث هذا... بل حدث العكس.. فلقد انصب اهتمام الغالبية منهم إلا من رحم ربي على الناحية الشكلية للقرآن ولم يواكب ذلك اهتمام بتدبره والتأثر به والاغتراف من منابع الإيمان التي تتفجر من كل آية من آياته لتستمر الأمة في ضعفها وعجزها عن النهوض من كبوتها وكيف لا وقد هُجر أهم وأعظم مصدر للإمداد الإيماني.

ومما يزيد الأمر صعوبة أن الكثيرين لا يعترفون بذلك بل يعتبرون أن الاهتمام بالقرآن يعني الإكثار من قراءته بفهم أوبدون فهم ويعني كذلك تخريج أكبر قدر من حُفَّاظ ألفاظه في أقل وقت ممكن .. فازداد القرآن يُتما وأصبح حاضرًا وغائبًا.. موجودًا ومهجورًا.


لذا وعبر هذه السطور نتعرف علي أهم العوائق والعقبات في طريق الإنتفاع بالقرآن :

1- الصورة الموروثة عن القرآن :

إن أكبر عقبة تواجهنا نحو الانتفاع بالقرآن هي تلك الصورة الموروثة عنه.
إن الصورة التي طُبعت في أذهاننا في مراحل الطفولة للقرآن أنه لا يُستدعى للحضور إلا في حالات الاحتضار والنزع والوفاة أوعند زيارة المقابر أونلجأ لقراءته عند أصحاب الأمراض المستعصية وهي قراءات لا تتجاوز الشفاة.

فإذا انتقلنا إلى مراكز ودروس تعليم القرآن الكريم رأينا أن الطريقة التي يُعلَّم بها يصعب معها استحضار واصطحاب التدبر والتذكر والنظر إن لم يكن مستحيلاً..

فالجهد كله ينصب إلى ضوابط الشكل من أحكام التجويد ومخارج الحروف وكأننا نعيش المنهج التربوي والتعليمي المعكوس... فالإنسان في الدنيا كلها يقرأ ليتعلم أما نحن فنتعلم لنقرأ لأن الهم كله ينصرف إلى حسن الأداء... وقد لا يجد الإنسان أثناء القراءة فرصة للانصراف إلى التدبر والتأمل... وغاية جهده إتقان الشكل وقد لا يعيب الناس عليه عدم إدراك المعنى قدر عيبهم عدم إتقان اللفظ ...ونحن هنا لا نهوّن من أهمية ضبط الشكل وحُسن الإخراج وسلامة المشافهة ولكننا ندعو إلى إعادة النظر بالطريقة حتى نصل إلى مرحلة التأمل والتفكر والتدبر التي تترافق مع القراءة .

من الأمور البديهية التي لا يختلف عليها اثنان أن الدافع للقراءة هو المعرفة فالذي يتناول بيده كتابًا أوجريدة ليقرأ فيها فإن الذي يدفعه لذلك هو المعرفة... معرفة ما وراء الخبر وما يحتويه من معارف ومعلومات وفي المقابل فلا يمكن لعاقل أن يقرأ أي شيء بلسانه أوبعينه دون أن يُعمل عقله فيما يقرؤه أويفكر في معانيه!!

للأسف بعض الناس جعلوا عملهم مع القرآن هو القراءة ولم يجعلوا القراءة وسيلة لفهم المراد من الآيات والعمل بها ...وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لقد أنزل الله القرآن ليُعمل به فاتَخَذوا تلاوته عملا) .

انصر النبى محمد
20-06-2013, 01:36 PM
2- أمراض القلوب والإصرار علي الذنوب :

إن مما يحول بين القلب وبين الإنتفاع بالقرآن كثرة الذنوب والمعاصي حتى يقسو بها القلب ويحـرم صاحبـه من لـذة الطاعـة والمناجاة لله سبحانه بذكره وكلامه... فكلما تخفَّف العبد من المعاصي وتقرب إلى الله عز وجل بالطاعات بدايةً بالفرائض ثم النوافل كان حظه من تدبر كلام الله عز وجل والتأثر به أكثر وأعظم.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى : (ومن عقوبات المعاصي أنهـا تعمـي القلـوب فـإن لـم تعمـه أضعفت بصيرتـه ولا بـد ... قال الله تعالى ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف36)... فأخبر سبحانه أن من عشا عن ذكره وهو كتابه الذي أنزله على رسوله فأعرض عنه وعمي عنه وعشت بصيرته عن فهمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه قيض الله له شيطانًا عقوبة له بإعراضه عن كتابه) .

إن القلب لايمكنه أن يسمو إلي المعالي وعظيم الفضائل ويشتاق ويطمئن إلي كلام الله وهو يعيش مع الجيف والنتن وسفاسف الهمم التي تحوم عليها همم الفساق وأراذل الناس

إن القلب المشغول عن القرآن بغيره لايتأثر به لتشعبه في أودية الدنيا وغفلته عن تدبر كتاب الله... كما أن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان .. فالقلب المريض لاينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين14) .

أخي الحبيب ... إن خلو القلب من هم الدنيا وعدم التعلق بما فيها من مال أو رئاسة أو صورة والتعلق بالآخرة من أهم وسائل الإنتفاع بالقرآن.

وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : ( اعلم أن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو صورة وتعلقَ بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العُدَّة والتأهب للقدوم على الله عز وجل فذلك أول فتوحه وتباشير فجره ..فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه فيفعله ويتقرب به إليه وما يسخطه منه فيجتنبه... وهذا عنوان صدق إرادته.. فإن كل من أيقن بلقاء الله وأنه سائله عن كلمتين يُسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ لا بد أن يتنبه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه

فإذا تمكن في ذلك فتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات فلا شيء أشوق إليه من ذلك فإنها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته وتسد عليه الأبواب التي تفرق هَمَّه وتشتت قلبه فيأنس بها ويستوحش من الخلق.

ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيل الشهوات بحيث إنه إذا دخل في الصلاة ودَّ أن لا يخرج منها ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أعطي ما هو شديد المحبة له

ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله وكمال نعوته وصفاته وحكمته ومعاني خطابه بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ويحس بقلبه وقد دخل في عالم آخر غير ما الناس فيه

ثم يفتح له باب الحياء من الله وهو أول شواهد المعرفة وهو نور يقع في القلب يُريه ذلك النور أنه واقف بين يدى ربه عز وجل فيستحيي منه في خلواته وجلواته ويرزق عند ذلك دوام المراقبة للرقيب ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى حتى كأنه يراه ويشاهده فوق سماواته مستويًا على عرشه ناظرًا إلى خلقه سامعًا لأصواتهم مشاهدًا لبواطنهم... فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطى عليه كثيرًا من الهموم بالدنيا وما فيها فهو في وجود والناس في وجود آخر.. هو في وجود بين يدي ربه ووليه ناظرًا إليه بقلبه والناس في حجاب عالم الشهادة في الدنيا فهو يراهم وهم لا يرونه ولا يرون منه إلا ما يناسب عالمهم ووجودهم.

ثم يفتح له باب الشعور بمشهد القيومية فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده فيشهده مالكَ الضر والنفع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فيتخذه وحده وكيلا ويرضى به ربًا ومدبرًا وكافيًا وعند ذلك إذا وقع نظره على شيء من المخلوقات دله على خالقه وبارئه وصفات كماله ونعوت جلاله فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله: اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه فأنا صنع الله الذي أتقن كل شيء ) .

انصر النبى محمد
20-06-2013, 01:37 PM
3- كيد الشيطان :

إن إبليس الذي أقسم بعزة الله بأن يعمل على غواية البشر وسوقهم معه إلى النار ما كان ليترك هذه الأمة ليلتقي أبناؤها بالقرآن فيتزودوا منه بالإيمان وبالتالي يتحصنون من كيده ويلتزمون صراط الله المستقيم فيدخلون الجنة.

وكيف يتركهم وقد رأى التأثير العظيم الفذ للقرآن على جيل الصحابة ومن ثَّم فإن استمرار وجود القرآن بين المسلمين من شأنه أن يُفسد مخططاته ويغلق الأبواب أمامه.

لقد استطاع الشيطان أن يستدرج المسلمين ويبعدهم شيئًا فشيئًا عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن وفي الوقت ذاته تركهم يتصلون بالقرآن ويتعاملون معه ولكن من الناحية الشكلية فيجتمع له بذلك أمران:

الأول: أن يصبح القرآن موجودًا بين المسلمين من الناحية الشكلية اللفظية.
الثاني: أن يكون غائبًا من الناحية الحقيقية الجوهرية.

فيخمد باجتماع هذين الأمرين أي تأنيب للضمير في نفوس المسلمين بهجر كتابهم ومن ثمَّ لا يمكن لأحد أن يفكر بأن القرآن بات غائبًا مهجورًا.

فعندما تنتشر المصاحف في كل مكان وتبث الإذاعات آياته ليل نهار وتُخرِّج المدارس والحلقات والكليات عشرات الآلاف من حفاظه وينكَبُّ المسلمون على قراءته في رمضان ويتنافسون على ختمه مرات ومرات بُغية تحصيل أكبر قدر من الحسنات..

عندما يكون هذا وغيره من مظاهر الاهتمام الشكلي بالقرآن هو السائد بيننا فإن الدعوة إلى العودة الحقيقية إليه والانتفاع بمعجزته وقدرته الفذة على إنشاء الإيمان والتغيير لن تجد آذانا مصغية بين المسلمين بل سيصبح من المتوقع أن يقال لصاحب هذه الدعوة : وماذا عسانا أن نفعل مع القرآن أكثر مما نفعل؟! ألا يكفي هذا الجهد المبذول معه؟!

إن هدف الشيطان هو إبعاد كل فرد في الأمة عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن لذلك فهو في البداية يجتهد في الحيلولة دون قراءة المسلم للقرآن إما بالتسويف أوبإشغاله بأمر آخر.

فإن قرأ بالفعل دخل عليه من مداخل متعددة :

• مدخل التعب والنعاس.
• مدخل تحصيل أكبر قدر من الحسنات ليدفع القارئ للقراءة السريعة غير المتدبرة.
• مدخل شرود الذهن مع بعض الكلمات.
• مدخل تذكيره بأمر من أمور الدنيا التي ينبغي عليه القيام بها ليترك القراءة.
• مدخل الاهتمام الشديد بمخارج الحروف وإتقان التلاوة.

بهذه المداخل السابقة وغيرها استطاع الشيطان أن يحقق مراده ويُبعد الأمة عن جوهر القرآن وعن وظيفته المتفردة في إحداث التغيير المتكامل للشخصية المسلمة.

فمنذ أن نزل القرآن من السماء أصبحت أهم معركة للشيطان مع المسلمين هي إبعادهم عن دائرة تأثير هذا الكتاب ليسهل عليه إضلالهم وإبعادهم عن الصراط المستقيم

لذا فقد دعانا الله تعالي إلي أن نتهيأ لتلاوة القرآن وأن نستعد لها استعدادا خاصا بأن نتوجه إلي الله نستعيذ به من الشيطان لتكون هذه الإستعاذة وسيلة لتدبر كلام الله (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل 98) .

والاستعاذة معناها الالتجاء إلى الله تعالى والابتعاد عن وسوسة الشيطان وقت القراءة ذلك لأن قراءة القرآن ذكر لله واستماع لحديث الله وترداد له فهو إصلاح للقلوب وللنفوس... فالقراءة لا تجدى جدواها إلا إذا كانت معها الاستعاذة الحقيقية من الشيطان بإبعاد وساوسه فى تمنيات الإنسان إذ إن الأمانى ذريعة الشيطان .

إن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تمهيد للجو الذي يتلى فيه كتاب الله وتطهير له من الوسوسة واتجاه بالمشاعر إلى الله خالصة لا يشغلها شاغل من عالم الرجس والشر الذي يمثله الشيطان .