المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ألم


مامون احمد مصطفى
06-08-2013, 03:39 PM
ألـــــــم
"مهداة إلى ولدي الصغير مصطفى"

قبل أيام جاءني ولدي الصغير، البالغ من العمر ثماني سنوات، موزعا بين حيرة الجهل، وجهل الحيرة، وفي عينيه الرائعتين الصافيتين، بريق متوثب، فيه استفهام طفولة، يمنعها الاحترام من السؤال، أو يقف السؤال سدا بين الجواب وبين الأذن، باللاوعي، واللاشعور، وأخيرا تقدم نحوي وهو يدير الفكرة داخل رأسه بألفاظ الطفولة ومفرداتها.

وسأل:

- يابا، هل ستصبح حجًا؟ "ويقصد بالحج حسب فهمه، الرجل الطاعن بالسن".
- نعم.
- لا، لا أريدك أن تصبح حجا.
- لماذا؟
- وستموت.
- نعم.
- لا، لا أريدك أن تموت.
- ولكن كلنا سنموت.
- إذا لم تصبح حجا فإنك لن تموت، لذلك لا أريدك أن تصبح حجا.
- ولكني سأموت، أصبحت حجا أم لا.
- حتى لو مت، فأنا لن أخرجك من البيت، ستبقى هنا، وسأقبلك كل يوم وأنا ذاهب إلى المدرسة، وأنا عائد منها أيضا.

تمعنت في نظراته، وبالبريق المنطلق من عينيه الفرحتين، وأنا أسحبه من مكانه لأرسيه بحضني، وأفرك ظهره من تحت القميص بيدي، ضممته إلى صدري متعمدا أن أضع قلبه الصغير فوق قلبي، لا لشيء سوى لاستخراج إحساسه بقلبي بدلا من عقلي.

وبكيت بكاء يقطع نياط القلب، وحزنت حزنا لم أعرفه طوال أيام عمري الغارق بالحزن والشجن، وغزتني فكرة الموت المرفوض من ابني الصغير، وظلت يدي تدلك جسده صعودا وهبوطا إلى أن غرق بنوم عميق.

رفعته فوق سريره، وعدت مجللا بكآبة لا ترحم، وغصت بغير إرادة مني في كنه مشاعره، والدموع لا تزال تنهال على وجنتي. ترى ما الذي دفعه للتفكير بالموت وهو لا يزال صغيرا على مثل هذه الأمور؟ يا حبيبي، يا ولدي، ويا قطعة من فؤادي وكبدي، ويا عشقا لم تعرفه كائنات الأرض وعصافير الوجود، كم آلمتني وأفرحتني!! وكم مزقتني ورتقتني!! وكم قتلتني وأحييتني!!

ما زلت يا قمري صغيرا، هشا وغضا، ناعما وطريا، لك أن تتحدث عن الحياة، عن الألعاب والحلوى والسكاكر، عن يوم عيد قادم، وعن زمارة أو دراجة هوائية، أما أن تتحدث عن الموت وألمه، عن الفراق وثقله، فهذا عذاب روحي المتقلبة على جمار الهم والحزن والشجن، وجئت أنت، بعفويتك وبراءتك لتنقلني من عالم الحزن العادي، إلى عالم حزن مصبوغ بالموت، بفراق لا لقاء بعده، بغياب ناظري عن وجهك المكدس بالطفولة التي تلتجئ إلى صدر والد تظنه الكون بكل ما فيه!!

جئت لتضرب على وتر يشكل هاجسي الأعلى، وتوقي إلى فهم أسراره وأغواره، كتوق الحياة المتدفقة بوليد وضعته أمه على بوابة الوجود، ليعبر زمنا حدد في غفلة منها إلى درجات الموت الهابطة نحو الانغلاق والانسداد الأزليين، ولتنقلني مرة أخرى إلى تصور كفيل وحده أن يفتك بشبابي ليحولني بأعوام قليلة إلى "حج" أكل الدهر عليه وشرب، تصور وجودك وحيدا في خضم الحياة دوني، دون وجهي وصدري وساعدي، دون حضني وكتفي، دون دعائي وهلعي ورعبي وانفطاري على خطواتك الموزعة بين ظلمات الأيام وعتمة الشهور.

أرَّقتني أرقا لم تستطع كل جحافل الحزن والتوقع والتحسب والكآبة أن تسحبه علي بكل ما فيها من مكونات وخصائص، ونثرتني هباء تذروه الآلام والأوجاع، فأرهقت وجودي وحياتي.

تمسك الألم بجذور العقل الراسي بالجمجمة، وبدأ العظم يضغط على الأعصاب والجلد، ثقل لا يوصف، وضغط يضرب بقوة الوجع على جبهتي وعلى الشقيقتين، ألمٌ يكاد يفجر طاسة الرأس وينثرها على الأرض خليطا من عذاب لا ينتهي، لا يوصف، شعرت اليوم حقا بكل عوارض السكتة الدماغية، والجلطة القلبية، والرعب من أحلام طفولة تغزوني من شفتيك الصغيرتين اليانعتين، رعب تصغر دونه قنوات الرعب التي عرفها البشر والتاريخ، رعب الخوف على حسرة سيتركها موتي بين أعطافك التي لا تقوى على احتمال نسمات الصباح، آه منك يا طفلا رفع الحجاب عن شبكات المشاعر والأحاسيس، ووضعها أمام رجاء غرق في عينيك حين غرقت مسلما نفسك للوسن فالنوم.

قل يا صغيري الصغير، كيف تكون أنت فيحاء من الصدق والنقاء؟ وكيف يكون الناس موزعين بين الكذب والخداع والأنانية وحب الأذى؟ أعدنا أطفالا نعرف دهاء البراءة وخبثها المحبب الندي، وارفعنا فوق كرامة العفونة والاعتزاز بذات تفيض قيحا وصديدا، خلصنا من اعتدادنا بجهلنا، وعشقنا للخطأ والخطيئة، نقنا من عيوبنا التي تبدو لنا بريقا من ماس نستميت من أجل الحفاظ عليه وامتلاكه.

وارحمني، ارحم ضعفي وعجزي، من رائحة حبك الذي يحشوني بالألم والوجع، وانهض إلى شباب تستطيع منه أن تراني إنسانا يمكنه مغادرة الحياة دون أن يترك في قلبك غصة أو حرقة، وجردني من حسرة سؤالك، وما خلف السؤال من معان تحول النار إلى جليد يصفع الهواجس ويجمدها، ثم وبلحظة، يفجرها إلى براكين تقذف حممها بأغوار القلب، وسراديب الروح، لتبقى تجول هناك، حارقة كل ما في ذاتي من قدرة وصبر وسلوى.

أعلم بأنك أصغر من أن تفهم معنى الموت، معنى الفناء، ولكني أستطيع أن أستل من بين ضلوعك المخفية قلبك الصغير النابض بعاطفة غير مدنسة، روعة الحب، وسمو الوفاء، وأستطيع أيضا أن أرى وبشكل مجرد جذور الألم الرأسية فيك، تنتظر لحظة النمو والاكتساح.

ولكني، يا ولدي الصغير الصغير، ويا عصفور روحي الناعم، لا أملك من أمر عجزي إلا عجز إضافة السؤال إلى روحي، لأنتقل من حياة، إلى موت في الحياة، وما أصعب أن تموت حيا، قبل أن يطويك الفناء!

لكنها الرسالة، الوصية، إليك، حين تكبر، وتستطيع أن تمسك بجدائل الوجود وغرة الشباب، أن تمنحني من ذاتك ذكرى، ولو مرة واحدة في العام، ذكرى في خلوة خاصة، تقول لي فيها كل ما تود وما تحب، وأن تزرع ما نبت فيك من ألم في قبري وعظامي، كي أشعر بالاطمئنان والطمأنينة، بالراحة التي يتحدث عنها من يرسم حياة القبور بعلم أو خيال.

هي ذكرى، تمكنني من الاحتفاظ بطفولتك بين هروب من حياة ستحدث تغييرات في ذاتك، وبين صورة سأظل أحمل بريقها الصاعد من عينيك وأنت تود الاحتفاظ بجثتي، كي تقبلها وأنت ذاهب وعائد من المدرسة.

قلت ما قلت حبا وولها، ولكنك بعفوية الطفولة وبراءتها لم تعرف كيف أدخلتني في وجع ممتد إلى اللانهاية، وألم غير محاط بالحدود، وقهر مفتوح على شرفات الغيب، وعجز ممعن في غياهب المجهول، لكن ذلك كله، مع حجم ضغطه، وعظم أمره، وبكل ما فيه من تشظي وانهيار، يدفعني نحو إحساس بفرح من نوع خاص، وسعادة مجهولة الكنه، لكنهما يمتزجان بأوعية الدماغ، وأوردة القلب، ليدفعاني نحو الشعور بلذة الألم، ولذة الوجع، نحو استعذاب تفجر الجمجمة وتشظيها.

شعور غريب، مركب، فيه خوف على رحيلي قبل أن تشتد قامتك، وتنتصب أيام عمرك، وحسرة قاتلة على تركك وحيدا تلاطم أمواج الحياة وذكرى غيابي عنك وأنت تلاطم تلك الأمواج.

الآن يا حبيبي، يا ولدي الصغير الصغير، عرفت، بل وتيقنت، بأنك وحدك تكفيني صلف الناس وكذبهم وخياناتهم، ونفاقهم وكذبهم، أنت وحدك، بعينيك الغارقتين بخوف الطفولة ورعبها، تضعني على حدي التناقض بين الموت والميلاد.

رفقا بروحي الهائمة، منذ الولادة، على سحابات الألم والعذاب والقهر والعجز، رفقا يا ربي بكل خطوة من خطوات ولدي القادمة على شوارع الوجود وأرصفة الزمن، رفقا بعينين حانيتين عرفتا ولو للحظة واحدة معنى الأبوة والحاجة إليها.

دعاء مرفوع إلى وجهك الكريم، إلى قدرتك القادرة، وإلى حنانك الذي لا يحد ولا يؤطر، أن ترحمني من ألم غرسه ولدي بقلبي دون أن تنهي لذته الجامحة بروحي وذاتي.

مأمون أحمد مصطفى
فلسطين- مخيم طول كرم
النرويج: 30-7-2007