المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صناعة الفَرْق والإنجاز


المراقب العام
12-02-2014, 04:54 PM
http://www.up-aa.com/upfiles/Ny045650.jpg

أن تدخلَ بوابة التاريخ فهذا أمر لا يشقُّ كثيرًا، لكن السؤال: من أي بوابة ستدخل؟ وأي بصمات ستترك؟ من دخل بوابة التاريخ كُثر، فمنهم الطغاة والعصاة والمجرمون والمصلحون والعلماء والثوار والأغنياء والممثلون والمهرِّجون، وأحزاب وجماعات، وفرق وطوائف......، وقائمة لا تنتهي.
قرأت عنهم وعن سيرتهم وأعمالهم، تارة ضحكت وتارة بكيت وتارة تحسَّرْت وندمت على ما فعلوا هم وليس أنت، فليس كل من دخل التاريخ صنعه، وليس كل من رسم اسمه في الكتب أو الصحف والإعلام ترك أثرًا طيبًا، أو ذكرى جميلة.


هناك مَن يظن أن القوَّة هي مفتاحه، وهناك من يظنُّ أنه يحتاج فقط إلى ضربة معلم أو خبطة حظ أو حتى بالبركة المزعومة دون علم وعمل ليصل إلى ما يريد..


ليس صناعة الفرق عن الآخرين أو صناعة الإنجاز صدفة، ولا هي مهنة يمكن لمن يشاء أن يتعلَّمَها، لكنها إبداع نفوس خلقَها الله كبيرة وقادرة على تجاوز التفاصيل قادرة على القفز فوق عقبات الجغرافيا المحدودة بالزمان والمكان وصولًا إلى الأفق المفتوح.


صناعة الفرق والإنجاز مهمَّة الأنبياء والشهداء والزعماء الأقوياء وأصحاب الإرادات والعزائم، أما الذين يعملون في حدود الجغرافيا فهي صنعة المفلسين الكسالى عبيد الأرض.


صناعة الإنجاز فن لا يُطاوع إلا مَن تجرَّد من مخاوفه وأهوائه وحساباته الضيِّقة وتفكيره المحدود، وسار في طريق ممهَّد ليصل إلى قمَّة الجبل ويستقرُّ على قمته بأقدام راسخة لا ترتعش، يقول أحد الفلاسفة: "أما الرجل الصانع للأحداث فهو رجل أحداث، أفعاله هي نتائج طاقات وملكات ذكاء حاد وإرادة قوية وشخصيَّة بارزة أكثر مما هي نتائج حوادث عارضة ناجمة عن مركزه"، لذا مطلوب لمن يريد أن يدخل التاريخ بإنجاز عاملين أساسيين هما:


التحدي.. الاستجابة


وهم بذلك يفرِّقون بين الثرى والثريا.. بين التراب في الأرض وقمة وأعالي الجبال.
صناعة الإنجاز معناها أن تقدم نموذجًا طيبًا في هذه الحياة.
معناها أن تترجم كل شعاراتك وبرامجك إلى حقائق ونتائج ملموسة.
معناها أن تفعل ولا تكتفي بالقول، وأن العمل بدون نتائج وهم، وخطأ فادح.
أن ترى ثمرة عملك وترجمة تضحياتك، وأن تفهم ماذا تريد وتبذل الجهد للوصول إليه، معناها أن تكون حذرًا إلى أقصى درجة وأن تكون على علم وفهم وسعة لما تريده، أن تبني حياتك على قواعد راسخة وليست أماني وقصورًا من الرمال سرعان ما تنهار.


صناعة الفرق وصناعة الإنجاز لن تتم إلا إذا كان لديك طموح ليس طموحًا عاديًا وإنما هو طموح بلا حدود، نعم بلا حدود، كلما صعدت خطوة نحوه أدركت أن هناك خطوات أخرى يجب العبور بها للوصول إلى النهاية، خط النهاية يعنى أنك حققت رقمًا قياسيًّا جديدًا.


من الذين صنعوا الفرق وصنعوا إنجازات وخطوا خطوات في هذا المجال عدد كبير، منهم:
أرنولد شوارزنجر: تحوَّل من لاعب كمال أجسام نمساوي إلى ممثل في الأفلام الرخيصة ثم نجم من نجوم هوليوود ومواطن أمريكي، حتى اتجه للسياسة وأصبح حاكم ولاية كاليفورنيا، كيف صنع الفرق؟! في حديث صحفي مع أرنولد عام 1976م وأثناء تناول الغداء معه لم يكن هناك في المطعم أحد يعرفه، فهو لم يكن مشهورًا بعد، فقد قام بالتمثيل في فيلم لم يحقق الإيرادات المرجوة، وسأله الصحفي وبشكل عارض: أما وقد اعتزلت رياضة كمال الأجسام ما الذي تنوي فعله بعد ذلك؟ أجابه بصوت هادئ: إنني أنوي أن أكون النجم رقم واحد في هوليوود، لم يكن وقتها أرنولد الشخص البسيط الممشوق القوام كان ضخم الجثة وممتلئًا.


صُدم الصحفي مما قاله أرنولد كما أن محاولته السينمائية الأولى لم تبشر بالكثير، كما أن لهجته النمساويَّة وبنيته الضخمة التي تفتقد الحركة والمرونة لم تكن توحي بأن مشاهدي السينما سيتقبلونه سريعًا، وفي النهاية وبنفس الهدوء سأله الصحفي: "ما هي خطتك لأن تكون النجم الأول في هوليوود؟ "، فأجابه قائلًا: بنفس الأسلوب الذي كنت أتبعه في كمال الأجسام، وهو أن أتخذ الصورة التي أريد أن أكونها ثم أعيش هذه الصورة كما لو كانت واقعًا.
فلسفة مضحكة، قد تكون، فلسفة بسيطة، احتمال، لم تعني شيئًا، ممكن.


ولكن الصورة التي تخيلها كوسيلة تحفيزية وهادفة له، تحققت.


ولد «آرنولد» في مدينة تال النمساوية في منزل قديم بدون مواسير مياه أو تليفون أو سجاد، أراد والده أن يكون لاعب كرة قدم لكنه أراد لنفسه أشياء أخرى، بدأ في لعب كمال الأجسام في الطابق السفلي لمنزل الأسرة وحقق بطولة أوروبا عام 1965م، وبعد عامين أصبح أصغر لاعب على الإطلاق يحصل على لقب بطل العالم في كمال الأجسام فلم يكن عمره قد تجاوز 18عامًا، وعندما بلغ 21 عامًا انتقل إلى الولايات المتحدة وحقَّق بطولة العالم أربع مرات، وأضاف لكمال بنيته كمالًا ذهنيًّا بتخرُّجِه في الجامعة متخصصًا في التجارة والاقتصاد، واستثمرَ البطل الطموح عوائد البطولات التي حازها في شركة لبيع معدات كمال الأجسام ليصبح مليونيرًا قبل أن يتجاوز عمره 22 عامًا ثم كرّس "أرنولد" نفسه لمشروع جديد يتمثَّل في غزو هوليوود، ورغم أن منتجي الأفلام انبهروا ببنيانه ومظهره فإن اسمه ولهجته الثقيلة وقلَّة وسامته كانت سببًا له في مشكلات سريعة تجاوزها ليبدأ مستقبله السينمائي، وبدأ اسمه يوضع بجانب أسماء كبيرة، ثم انخرط في أعمال سياسيَّة بسيطة، وفي عام 2003م بدأ الترشيح كحاكم للولاية وانتخب لولاية كاليفورنيا، وفي أولى كلماته عقب فوزه بمنصب الحاكم لم يتبرَّأ أرنولد من بدايته المتواضعة اجتماعيًّا واقتصاديًّا ومعاناته الشديدة في مرحلة الطفولة.


إنه رجل حقق الشهرة والسلطة والمال.


بروس لي:بطل الكاراتيه، صورة ماثلة في أذهان الناس الذين يتمتعون بمشاهدة حركاته الرائعة، قصير القامة، سميك الجلد، ولكن صاحب قوَّة فولاذيَّة ونظرات حادة وإصبع مدبب.
هذا الرجل لم يولدْ في الصين، بل ولد مريضًا في مستشفى بسان فرانسيسكو الأمريكيَّة أثناء قيام والده بجولة عمل هناك، جاء بروس لي إلى الدنيا حاملًا معه إعاقة، كان من الممكن أن تدمِّر حياته لولا ما كان يتمتع به من عزيمة قوية على أن يصنع لنفسه كيانًا، أضافت له أمه نقطة ضعف أخرى عندما اختارت له اسمًا نسائيًّا لدرء الحسد عنه، وإمعانًا في الخداع قامت أيضًا بثقب إحدى أذنيه، ترك كل هذا أثره على بروس لي حيث كرَّس حياته من أجل تحويل جسمه الضئيل إلى سلاح قويّ كبير وكان من الذين يعتقدون بأن الجسد الآدمي تكمن في داخله قوة يمكن أن يجتاز بها المحن والشدائد إذا ما تَمَّ الدمج الصحيح بين التمرينات الرياضيَّة والنظام الغذائي والتدريب على رفع الأثقال والتأمل، واستطاع أن يجعل العنف شيئًا جميلًا بما تمتَّع به من زهو وفخار بنفسه، وعلى الرغم من هذا كانت بدايته عاملًا في مطعم خاص بأحد أصدقاء عائلته في سياتل الأمريكيَّة مقابل الإقامة الكاملة به، ثم خطا خطوة أخرى عندما عمل معلمًا لأحد الفنون العسكرية التي تعلَّمَها في هونج كونج قبل أن يعود مرةً أخرى لأمريكا ثم أصبح في حقبة السبعينيَّات رائدًا في كل الأشياء، فقد جمع بين اللياقة البدنيَّة والجري ورفع الأثقال ويقول في نصيحة له: "ابحث عن خبراتك من أجل الوصول إلى الحقيقة، استوعب كل ما هو مفيد، أضف إلى نفسك أشياء من اختراعك، إن الشخص الخلاق أكثر أهمية من أي نمط أو نظام".


إنه بروس لي: الذي ولد مريضًا وأصبح أسطورة العنف الجميل.


الإعاقة كادت تدمر حياته لكنها لم تقهر عزيمته.


لم تستوعبه ثقافة هوليوود فعاد إلى هونج كونج لصناعة أنجح الأفلام.


عبد الرحمن الداخل (صقر قريش): شخص بمفرده أسَّس دولة، من الفشل ولّد النجاح، ظلَّ خمس سنوات هاربًا ملاحقًا من العباسيين وجندهم وقرر الذهاب لدخول الأندلس حاكمًا لها وليس هاربًا إليها، جمع الأعوان وسافر وحيدًا في سفينة إليها وبدأ في تأسيس الدولة ولم يكن عمره يتجاوز الـ 25 عامًا فقضى على العصبيَّات القبليَّة الموجودة، وأسَّس جيشًا قويًّا وأسطولًا بحريًّا عالي الجودة مع الاهتمام بالإنشاء والتعمير، وتشييد الحصون والقلاع والقناطر و.....
وهذا أبو جعفر المنصور عدوه اللدود يقول عنه: ".... عبد الرحمن بن معاوية الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدًا أعجميًّا مفردًا؛ فمصَّر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكًا بعد انقطاعه؛ بحسن تدبيره، وشدة شكيمته".


وفي موقف آخر يقول عنه: "إن ذلك الفتى لهو الفتى كل الفتى لا يكذب مادحه».


لماذا؟ لأنه في ظل الظروف الصعبة التي مر بها وكانت مستحيلة من ضعف في الإمكانيات وقلَّة في الموارد ومطاردة شرِسة من أقوى دولة على وجه الأرض في ذلك الزمان، وكل هذا وهو مطارد وحيد فريد ليس معه إلا توفيق ربه، ثم عزم لا يلين وإرادة حديديَّة لا تعرف الكل واليأس، كما قال الشاعر:


ليس المهم أن تكون في النور لترى *** بل أن يكون النور فيما تراه.


رونالد ريجان: جاهل نكرة نجح في تغيير مجرى التاريخ فدمر روسيا الشيوعيَّة، وزلزل أركان الإمبراطوريَّة التي كانت تؤرِّق جهابذة السياسة وتمثّل كابوسًا مزعجًا للرأسماليَّة وعلى رأسها الرأسماليَّة الأمريكيَّة، ولد لأب كاثوليكي أيرلندي الأصل مدمن على الكحول وبائع أحذية وأم بروتستانتيَّة متشدِّدة دينيًّا، كان متعدِّد المواهب، فقد عمل في فترة من فترات حياته حارسًا لأحد الشواطئ، وكان يحلم بأن يكون رسامًا بجانب تميزه كلاعب لكرة القدم في مدرسته، التحق ريجان الشاب بكلية للفنون الجميلة ولكنه لم يكن طالبًا مميزًا في ذلك الوقت بقدر ما كان لاعب كرة بارعًا، عمل معلقًا رياضيًّا في إحدي الإذاعات مما أتاح له هذا العمل استعراض مهارته الخطابية ثم ترك العمل الإذاعي ليذهب إلى هوليوود، ولكنه لم ينل شهرة واسعة كممثل، شارك في نحو خمسين فيلمًا في 28 عامًا ثم أصبح رئيس نقابة الممثلين الأمريكين، عندما قرَّر الدخول إلى الحياة السياسية ذكر ذلك لزوجته نانسي وهما في أحد المطاعم يتناولان الطعام، وعلى الفور حملت طبق الشوربة وألقت به في وجهه فمن هو ذلك حتى يرشح نفسه حاكمًا لكاليفورنيا، وقالت له: أيها الأحمق لقد فشلت في أن تصبح شيئًا في هوليوود فكيف يهيّئ لك عقلك أن تصبح شيئًا في واشنطن، ولكنَّه في عام 1966 نجح حاكمًا ولمدة ثماني سنوات، وفي عام 1968 حاول للمرة الأولى الترشيح للرئاسة، لكن دون جدوى، فلم يحصل على ترشيح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسيَّة ثم عاود الكرَّة في عام 1976م لكنه هُزم بفارق ضئيل أمام الرئيس فورد، لكن محاولته الثالثة تكلَّلَت بالنجاح بعد فوزِه في الانتخابات التمهيديَّة في 1980 ليصبح المرشح الجمهوري ويهزم الرئيس كارتر، وأصبح ريجان رئيس الولايات المتحدة الأكبر سنًّا وهو في التاسعة والستين ثم أعيد انتخابه بسهولة لمرة ثانية في عام 1984 حياة شاقة من شخص جاهل نكرة كان يحبو في عالم السياسة ولكنه حقَّق ما كان يريد.


اترك أثرًا:


وكن رجلًا من أتوا بعده *** يقولون مر وهذا الأثر


ولتكن حياتك:


لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى *** فما انقادت الآمال إلا لصابر


فكانوا رجالًا صنعوا الفارق في الحياة.


لماذا فعل هؤلاء ووصلوا إلى ما هم فيه من مجد وإنجاز؟


* كيف غيروا أنفسهم فدخلوا التاريخ من باب واسع وأمامي وليس من الباب الخلفي؟
* كيف استطاعوا أن يتغلبوا على مامروا به من صعاب ومعوقات؟
* كيف غيروا قناعاتهم ومعتقداتهم الحياتية العملية، وتخلصوا من شوائب فكرية كادت تمنعهم من صناعة الفرق؟
الإجابة عن هذه الأسئلة بسيطة وسهلة هي:
* لأنهم كانوا رجالًا يريدون الوصول إلى أقصى الحدود.
* ولأنهم بنوا أنفسهم وجهزوها بصفات كمن يتزوَّد إلى رحلة طويلة بزاد كبير..فهل أنت رجل؟


د. محمد فتحي خبير التنمية البشريَّة والتطوير الإداري