المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الشعراء


الشيخ محمد الزعبي
25-08-2015, 10:24 PM
سورة الشعراء
مكية
وآياتها مائتان وسبع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
{طسم(1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}.
شرح الكلمات:
طسم: الله أعلم بمراده بذلك.
الكتاب المبين: أي القرآن المبين للحق من الباطل
باخع نفسك: أي قاتلها من الغم.
ألا يكونوا مؤمنين: أي من أجل عدم إيمانهم بك.
آية: أي نخوفهم بها.
من ذكر: أي من قرآن.
معرضين : أي غير ملتفتتين إليه.
زوج كريم: أي صنف حسن.
العزيز :الغالب على أمره و مراده.
الرحيم : بالمؤمنين من عباده.
معنى الآيات:
طسم هذه أحد الحروف المقطعة تكتب طسم، وتقرأ طا سين ميم بإدغام النون من سين في الميم الأولى من ميم والله أعلم بمراده منها.
وفيها إشارة إلى أن القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف وعجز العرب عن تأليف مثله بل سورة واحدة من مثله دال قطعاً على أنه كلام الله ووحيه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقوله {تلك آيات الكتاب} أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات الكتاب أي القرآن المبين للحق أي المبين للحق من الباطل والهدى من الضلال، والشرائع والأحكام.
وقوله تعالى :{لعلك باخع نفسك} أي قاتلها ومهلكها {ألا يكونوا مؤمنين} أي إن لم يؤمن بك وبما جئت به قومك، فأشفق على نفسك يا رسولنا ولا تعرضها للغم القاتل فإنه ليس عليك هدايتهم وإنما عليك البلاغ وقد بلغت، إنا لو أردنا هدايتهم بالقسر والقهر لما عجزنا عن ذلك { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} أي إنا لقادرون على أن ننزل عليهم من السماء آية كرفع جبل أو إنزال كوكب أو رؤية ملك فظلت أي فتظل طوال النهار أعناقهم خاضعة، تحتها تتوقع في كل لحظة نزولها عليهم فتهلكهما فيؤمنوا حينئذ إيمان قسر وإكراه ومثله لا ينفع صاحبه فلا يزكي نفسه ولا يطهر روحه لأنه غير إرادي له ولا اختياري.
وقوله تعالى {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث} أي وما يأتي قومك المكذبين لك من موعظة قرآنية وحجج وبراهين تنزيلية تدل على صدقك وصحة دعوتك ممّا يحدثه الله إليك ويوحي به إليك لتذكرهم به إلا أعرضوا فلا يستمعون إليه ولا يفكرون فيه.
وقوله تعالى: {فقد كذبوا به} يخبر تعالى رسوله بأن قومه قد كذبوا بما أتاهم من ربهم من ذكر محدث وعليه {فسيأتيهم أنباء} أي أخبار {ما كانوا به يستهزئون} وهو عذاب الله تعالى الذي كذبوا برسوله ووحيه وجحدوا توحيده وأنكروا طاعته وفي الآية وعيد شديد وهم عرضة له في أية لحظة إن لم يتوبوا.
وقوله تعالى {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم} إن كانت علة هذا التكذيب من هؤلاء المشركين هي إنكارهم للبعث والجزاء وهو كذلك فلم لا ينظرون إلى الأرض الميتة بالقحط ينزل الله تعالى عليها ماء من السماء فتحيا به بعد موتها فينبت الله فيها من كل زوج أي صنف من أصناف النباتات كريم أي حسن.
أليس في ذلك آية على قدرة الله تعالى على إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم وحشرهم للحساب والجزاء، فلم لا ينظرون؟
{إن في ذلك لآية} أي علامة واضحة للمشركين على صحة البعث والجزاء. ففي إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد موتهم. وقوله تعالى {وما كان أكثرهم مؤمنين} يخبر تعالى أن فيما ذكر من إنباته أصناف النباتات الحسنة آية على البعث والحياة الثانية ولكن قضى الله أزلاً أن أكثر هؤلاء المشركين لا يؤمنون وقوله {وإن ربك لهو العزيز الرحيم3} يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وإن ربك لهو العزيز} أي الغالب على أمره المنتقم من أعدائه {الرحيم} بأوليائه فاصبر لحكمه وتوكل عليه وواصل دعوتك في غير غم ولا هم ولا حزن وإن العاقبة للمؤمنين بك المتبعين لك .
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- بيان أن القرآن الكريم معجز لأنه مؤلف من مثل طا سين ميم ولم يستطع أحد أن يؤلف مثله.
2- بيان ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يناله من الغم والحزن وتكذيب قومه له.
3- بيان أن إيمان المكره لا ينفعه، ولذا لم يكره الله تعالى الكفار على الإيمان بواسطة الآيات.
4- التحذير من عاقبة التكذيب بآيات الله وعدم الاكتراث بها.
5- في إحياء الأرض بالماء وإنبات النباتات المختلفة فيها دليل على البعث الآخر.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثاني من تفسير سورة الشعراء))

{وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)}
شرح الكلمات:
وإذ نادى ربك: أي اذكر لقومك يا رسولنا إذ نادى ربك موسى.
أن ائت: أي بأن ائت القوم الظالمين.
ألا يتقون: ألا يخافون الله ربهم ورب آبائهم الأولين ما لهم ما دهاهم؟
ويضيق صدري : أي من تكذيبهم لي.
ولا ينطلق لساني: أي للعقدة التي به.
فأرسل إلى هرون: أي إلى أخي هرون ليكون معي في إبلاع رسالتي.
ولهم عليّ ذنب: أي ذنب القبطي الذي قتله موسى قبل خروجه إلى مدين.
قال كلا : أي قال الله تعالى له كلا أي لا يقتلونك.
فاذهبا: أنت وهرون.
إنا رسول رب العالمين : أي إليك.
معنى الآيات:
قوله تعالى {وإذ نادى ربك موسى} هذا بداية سلسة من القصص بدئت بقصه موسى وختمت بقصة شعيب وقصها على المشركين ليشاهدوا أحداثها ويعرفوا نتائجها وهي دمار المكذبين وهلاكهم مهما كانت قوتهم وطالت أعمارهم قال تعالى في خطاب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وإذ نادى ربك موسى} أي اذكر إذ نادي ربك موسى في ليلة باردة شاتية بالواد الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة
{أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون} إذ ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك وظلموا بني إسرائيل باضطهادهم وتعذيبهم {ألا يتقون} أي قل لهم ألا تتقون أي يأمرهم بتقوى ربهم بالإيمان به وتوحيده وترك ظلم عباده فالاستفهام معناه الأمر.
وقوله تعالى {قال رب إني أخاف أن يكذبون} أي قال موسى بعد تكليفه رب إني أخاف أن يكذبون فيما أخبرهم به وأدعوهم إليه، {ويضيق صدري4} لذلك {ولا ينطلق لساني} للعقدة التي به، وعليه {فأرسل إلى هرون} أي جبريل يبلغه أن يكون معي معيناً لي على إبلاع رسالتي، وقوله {ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} هذا قول موسى عليه السلام لربه تعالى شكا إليه خوفه من قتلهم له بالنفس التي قتلها أيام كان بمصر قبل خروجه إلى مدين فأجابه الرب تعالى {كلا} أي لن يقتلوك.
وأمرهما بالسير إلى فرعون فقال {فاذهبا بآياتنا} وهي العصا واليد {إنا معكم مستمعون} أي فبلغاه ما أمرتكما ببلاغه وإنا معكم مستمعون لما تقولان ولما يقال لكما {فأتيا فرعون فقولا له} عند وصولكما إليه {إنا رسول رب العالمين} أي نحمل رسالة منه مفادها أن ترسل معنا بني إسرائيل لنخرج بهم إلى أرض الشام التي وعد الله بها بني إسرائيل هذا ما قاله موسى وهرون رسولا رب العالمين أما جواب فرعون ففي الآيات التالية.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- إثبات صفة الكلام لله تعالى بندائه موسى عليه السلام.
2- لا بأس بإبداء التخوف عند الأقدام على الأمر الصعب ولا يقدح في الإيمان ولا في التوكل.
3- مشروعية طلب العون والمساعدة من المسئولين إذا كلفوا المرء بما يصعب.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثالث من تفسير سورة الشعراء))

{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)}.
شرح الكلمات:
قال : أي قال فرعون رداً على كلام موسى في السياق السابق.
ألم نريك فينا وليداً : أي في منازلنا وليدً أي صغيراً قريباً من أيام الولادة.
ولبثت فينا من عمرك سنين :أي أقمت بيننا قرابة ثلاثين سنة وكان موسى يدعى ابن فرعون لجهل الناس به ورؤيتهم له في قصره يلبس ملابسه ويركب مراكبه.
وفعلت فعلتك التي فعلت : أي قتلت الرجل القبطي.
و أنت من الكافرين : أي الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد.
و أنا من الضالين: إذ لم يكن عندي يومئذ من علم ربي ورسالته ما عندي الآن.
أن عبدت بني إسرائيل : أي هل تعبيدك لبني إسرائيل يعد نعمة فتمن بها علي؟
معنى الآيات:
ما زال السياق والحوار الدائر بين موسى عليه السلام وفرعون - عليه لعائن الرحمن - فرد فرعون على موسى بما أخبر تعالى به عنه في قوله {قال ألم نربك فينا وليداً} أي أتذكر معترفاً أنا ربيناك وليداً أي صغيراً وأنت في حال الرضاع {ولبثت فينا} أي في قصرنا مع الأسرة المالكة {سنين} ثلاثين سنة قضيتها من عمرك في ديارنا {وفعلت فعلتك} أي الشنعاء {التي فعلت} وهي قتل موسى القبطي {وأنت من الكافرين} أي لنعمنا عليك الجاحد بها، كان هذا رد فرعون فلنستمع إلى رد موسى عليه السلام كما أخبر به الله تعالى عنه في قوله:
{قال فعلتها إذاً} أي يومئذٍ {وأنا من الضالين} أي الجاهلين لأنه لم يكن قد علمني ربي ما علّمني الآن وما أوحى إليّ ولا أرسلني إليكم رسولاً {ففرت منكم لما خفتكم} من أجل قتلي النفس التي قتلت وأنا من الجاهلين {فوهب لي ربي حكماً} أي علماً نافعاً يحكمني دون فعل ما لا ينبغي فعله {وجعلني من المرسلين} أي من أنبيائه ورسله إلى خلقه ثم قال له رداً على ما امتن به فرعون بقوله :
{ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين} فقال:
{وتلك نعمة} أي أو تلك نعمة تمنها علي وهي {أن عبدت بني إسرائيل} أي استعبدتهم أي اتخذتهم عبيداً لك يخدمونك تستعملهم كما تشاء كالعبيد لك ولم تستعبدني أنا لاتخاذك إياي ولداً حسب زعمك فأين النعمة التي تمنها علي يا فرعون، نترك رد فرعون إلى الآيات التالية.
هداية الآيات
من هداية الآيات
1- قبح جريمة القتل عند كافة الناس مؤمنهم وكافرهم وهو أمر فطري.
2 - جواز التذكير بالإحسان لمن أنكره ولكن لا على سبيل الامتنان فإنه محبط للعمل.
3 - جواز إطلاق لفظ الضلال على الجهل كما قال تعالى: {ووجدك ضالاً} كما قال موسى {وأنا من الضالين} أي الجاهلين قبل أن يعلمني ربي.
4- مشروعية الفرار من الخوف إذا لم يكن في البلد قضاء عادل، وإلا لما جاز الهرب من وجه العدالة.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الرابع من تفسير سورة الشعراء))

{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)}
شرح الكلمات:
وما رب العالمين: أي الذي قلت إنك لرسوله من أي جنس هو؟
رب السموات والأرض وما بينهما: أي خالق ومالك السموات والأرض وما بينهما.
إن كنتم موقنين: بأن السموات والأرض وما بينهما من سائر المخلوقات مخلوقة قائمة فخالقها ومالكها هو رب العالمين.
لمن حوله : أي من أشراف قومه ورجال دولته.
ألا تستمعون: أي جوابه الذي لم يطابق السؤال في نظره.
أو لو جئتك بشي مبين: أي أتسجنني ولو جئتك ببرهان وحجة على رسالتي.
فأت به إن كنت من الصادقين: أي فأت بهذا الشيء المبين إن كنت من الصادقين فيما تقول.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحوار الدائر بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعائن الرحمن لما قال موسى { إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) }في أول الحوار قال فرعون مستفسراً في عناد و مكابرة {وما رب العالمين} أي أيّ شيء هو أو من أي جنس من أجناس المخلوقات فأجابه موسى بما أخبر تعالى به عنه {قال رب السموات والأرض وما بينهما} إي خالق السموات والأرض وخالق ما بينهما. ومالك ذلك كله، إن كنتم موقنين بأن كل مخلوق لا بد له من خالق خلقه، وهو أمر لا تنكره العقول.
وهنا قال فرعون في استخفاف وكبرياء لمن حوله من رجال دولته وأشراف قومه: {ألا تستمعون} كأن ما قاله موسى أمر عجب أو مستنكر فعرف موسى ذلك فقال {ربكم ورب آبائكم الأولين} أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين الكل مربوب له خاضع لحكمه وتصرفه.
وهنا اغتاظ فرعون فقال {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} أراد أن ينال من موسى لأنه أغاظه بقوله {ربكم ورب آبائكم الأولين}
فرد موسى أيضاً قائلاً {رب المشرق والمغرب وما بينهما} أي رب الكون كله {إن كنتم تعقلون} أي ما تخاطبون به ويقال لكم وفي هذا الجواب ما يتقطع له قلب فرعون فلذا رد بما أخبر به تعالى عنه في قوله {قال لئن اتخذت إلهاً غيري} أي رباً سواي {لأجعلنك من المسجونين} أي لأسجننك وأجعلك في قعر تحت الأرض مع المسجونين.
فرد موسى عليه السلام قائلا { أو لو جئتك بشيء مبين} أي أتسجنني ولو جئت بحجة بينة وبرهان ساطع على صدقي فيما قلت وأدعوكم إليه؟ وهنا قال فرعون ما أخبر تعالى به {قال فأت به إن كنت من الصادقين} أي فيما تدعي وتقول.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير الربوبية المقتضية للألوهية من طريق هذا الحوار ليسمع ذلك المشركون، وليعلموا أنهم مسبوقون بالشرك والكفر وأنهم ضالون.
2- سنة أهل الباطل أنهم يفجرون في الخصومة وفي الحديث "وإذا خاصم فجر" .
نّص الحديث الشريف كما هو في الصحيح :"أربع مَنْ كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان و إذا حدث كذب و إذا عاهد غدر و إذا خاصم فجر".
3- أهل الكبر والعلو في الأرض إذا أعيتهم الحجج لجأوا إلى التهديد والوعيد واستخدام القوة.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الخامس من تفسير سورة الشعراء))

{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلا حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)}.
شرح الكلمات:
ثعبان مبين: أي ثعبان ظاهر أنه ثعبان لا شك.
ونزع يده: أي أخرجها من جيبه بعد أن أدخلها فيه.
لساحر عليم: أي متفوق في علم السحر.
أرجه وأخاه: أي أخرّ أمرهما.
حاشرين: أي جامعين للسحرة.
سحار عليم: أي متفوق في الفن أكثر من موسى.
يوم معلوم: هو ضحى يوم الزينة عندهم.
هل أنتم مجتمعون: أي اجتمعوا كي نتبع السحرة على دينهم إن كانوا هم الغالبين.
وإنكم إذاً لمن المقربين: أي لكم الأجر وهو الجعل الذي جعل لهم وزادهم مزية القرب منه.
معنى الآيات
ما زال السياق الكريم في الحوار الدائر بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعائن الجبار لقد تقدم في السياق أن فرعون طالب موسى بالإتيان بالآية أي الحجة على صدق دعواه وها هو ذا موسى عليه السلام يلقي عصاه أمام فرعون وملائه فإذا هي ثعبان ظاهر لا شك فيه، وأخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين لا يشك في بياضها وأنه بياض خارق للعادة هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى (32) والثانية (33) {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} واعترف فرعون بأن ما شاهده من العصا واليد أمر خارق للعادة ولكنه راوغ فقال {إن هذا} أي موسى {لساحر عليم} أي ذو خبرة بالسحر وتفوق فيه قال هذا للملأ حوله كما قال تعالى عنه
{قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم} وقوله تعالى عنه {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} قال فرعون هذا تهيجاً للملأ ليثوروا ضد موسى عليه السلام وهذا من المكر السياسي إذ جعل القضية سياسية بحتة وأن موسى يريد الاستيلاء على الحكم والبلاد ويطرد أهلها منها بواسطة السحر، وقال لهم كالمستشير لهم {فماذا تأمرون؟} فأشاروا عليه بما أخبر تعالى به عنهم {قالوا أرجه وأخاه} أي أخر أمرهما {وابعث في المدائن} أي مدن المملكة رجالاً {حاشرين} أي جامعين {يأتوك} أيها الملك {بكل سحار عليم} أي ذو خبرة في السحر متفوقة، وفعلاً أخذ بمشورة رجاله {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم} أي لموعد معلوم وهو ضحى يوم العيد عندهم واستحثوا الناس على الحضور من كافة أنحاء البلاد وهو ما أخبر تعالى به في قوله :
{قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم} فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة} فنبقى على ديننا ولا نتبع موسى وأخاه على دينهما الجديد {إن كانوا} أي السحرة {هم الغالبين} وهذا من باب الاستحثاث والتحريض على الالتفات حول فرعون وملائه.
وقوله تعالى {فلما جاء السحرة} أي من كافة أنحاء البلاد قالوا لفرعون ما أخبر تعالى به عنهم {أئن لنا لأجراً} أي جعلاً {إن كنا نحن الغالبين؟} فأجابهم فرعون قائلاً {نعم وإنكم إذاً لمن المقربين} أي زيادة على الأجر مكافأة أخرى وهي أن تكونوا من المقربين لدينا، وفي هذا إغراء كبير لهم على أن يبذلوا أقصى جهدهم في الانتصار على موسى عليه السلام.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- إثبات المعجزات للأنبياء كمعجزة العصا واليد لموسى عليه السلام.
2- مشروعية استشارة الأمير رجاله في الأمور ذات البال.
3- ثبوت السحر وأنه فن من فنون المعرفة وإن كان تعلمه وتعليمه محرمين.
4- إعطاء المكافأة للفائزين في المباراة وغيرها ومن ذلك السباق في الإسلام.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السادس من تفسير سورة الشعراء))
{قالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)}.
شرح الكلمات:
ألقوا ما أنتم ملقون : أمرهم بالإلقاء توسلاً إلى ظهور الحق.
ما يأفكون: أي ما يقلبونه بتمويههم من أن حبالهم وعصيهم حيات تسعى.
رب موسى وهرون : أي لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يأتي بواسطة السحر.
من خلاف: أي يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى.
ولأصلبنكم أجمعين : أي لأشدنكم بعد قطع أيديكم وأرجلكم من خلاف على الأخشاب.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعائن الرحمن إنه بعد إرجاء السحرة فرعون وسؤالهم له: هل لهم من أجر على مباراتهم موسى إن هم غلبوا وبعد أن طمأنهم فرعون على الأجر والجائزة قال لهم موسى {ألقوا ما أنتم ملقون} من الحبال والعصي في الميدان {فألقوا حبالهم وعصيهم} وأقسموا بعزة فرعون إنهم هم الغالبون وفعلاً انقلبت الساحة كلها حيات وثعابين حتى أوجس موسى في نفسه خيفة فأوحى إليه ربه تعالى أن ألق عصاك فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون. هذا معنى قوله تعالى في هذا السياق {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} ومعنى تلقف ما يأفكون أي تبتلع في جوفها من طريق فمها كل ما أفكه أي كذبه وافتراه السحرة بسحرهم من انقلاب الحبال والعصي حيات وثعابين، وقوله تعالى:
{وألقي السحرة ساجدين} أي أنهم لاندهاشهم وما بهرهم من الحق ألقوا بأنفسهم على الأرض ساجدين لله تعالى مؤمنين به، فسئلوا عن حالهم تلك فقالوا {آمنا برب العالمين رب موسى وهرون} وهنا خاف فرعون تفلت الزمام من يده وأن يؤمن الناس بموسى وهرون ويكفروا به فقال للسحرة: {آمنتم به قبل أن آذن لكم} بذلك أي كيف تؤمنون بدون إذني؟ على أنه يملك ذلك منهم وهي مجرد مناورة مكشوفة، ثم قال لهم {إنه} أي موسى {لكبيركم الذي علمكم السحر} أي انه لما كان أستاذكم تواطأتم معه على الغلب فأظهرتم أنه غلبكم، تمويهاً وتضليلاً للجماهير.. ثم تهددهم قائلاً {فلسوف تعلمون} عقوبتي لكم على هذا التواطؤ وهي {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} أي أقطع من الواحد منكم يده اليمنى ورجله اليسرى {ولأصلبنكم أجمعين} فلا أبقي منكم أحداً إلا أشده على خشبة حتى يموت مصلوباً، هل فعل فرعون ما توعد به؟ الله أعلم.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1-لم يبادر موسى بإلقاء عصاه أولاً لأن المسألة مسألة علم لا مسألة حرب ففي الحرب تنفع المبادرة بافتكاك زمام المعركة، وأما في العلم فيحسن تقديم الخصم، فإذا أظهر ما عنده كر عليه بالحجج والبراهين فأبطله وظهر الحق وانتصر على الباطل، هذا الأسلوب الذي اتبع موسى بإلهام من ربه تعالى.
2- مظهر من مظاهر الهداية الإلهية هداية السحرة إذ هم في أول النهار سحرة كفرة وفي آخره مؤمنون بررة.
3- ما سلكه فرعون مع السحرة كله من باب المناورات السياسية الفاشلة.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السابع من تفسير سورة الشعراء))

{قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60)}.
شرح الكلمات:
لا ضير: أي لا ضرر علينا.
لمنقلبون: أي راجعون بعد الموت وذلك يسر ولا يضر.
أن كنا أول المؤمنين : أي رجوا أن يكفر الله عنهم سيئاتهم لأنهم سبقوا بالإيمان.
أن أسر بعبادي: السري المشي ليلاً والمراد من العباد بنو إسرائيل.
إنكم متبعون: أي من قبل فرعون وجيوشه.
لشرذمة: أي طائفة من الناس.
لغائظون: أي فاعلون ما يغيظنا ويغضبنا.
حذرون: أي متيقظون مستعدون.
ومقام كريم : أي مجلس حسن كان للأمراء والوزراء.
كذلك : أي كان إخراجنا كذلك أي على تلك الصورة.
مشرقين : أي وقت شروق الشمس.
معنى الآيات:
قوله تعالى :{قالوا لا ضير} هذا قول السحرة لفرعون بعد أن هددهم وتوعدهم {قالوا لا ضير} أي لا ضرر علينا بتقطيعك أيدينا وأرجلنا وتصليبك إيانا {إنا إلى ربنا منقلبون} أي راجعون إن كل الذي تفعله معنا إنك تعجل برجوعنا إلى ربنا وذاك أحب شيء إلينا.
وقالوا {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا} أي ذنوبنا {إن كنا أول المؤمنين} في هذه البلاد برب العالمين رب موسى وهرون.
بعد هذا الانتصار العظيم الذي تم لموسى وهرون أوحى تعالى إلى موسى {أن أسر بعبادي} أي امش بهم ليلاً {إنكم متبعون} أي من قبل فرعون وجنوده.
وعلم فرعون بعزم موسى على الخروج ببني إسرائيل فأرسل في المدائن وكانت به مآت المدن حاشرين من الرجال أي جامعين وكأنها تعبئة عامة. يقولون محرضين {إن هؤلاء} أي موسى و بني إسرائيل {لَشِرْذِمةٌ} أي طائفة أفرادها قليلون {إنهم لنا لغائظون} أي لفاعلون ما يغضبنا {وإنا} أي حكومة وشعباً {لجميع حذرون} أي متيقظون مستعدون فهلم إلى ملاحقتهم وردهم إلى الطاعة.
وعجل تعالى بالمسرة في هذا الخبر فقال تعالى {فأخرجناهم} أي آل فرعون {من جنات وعيون وكنوز} أي كنوز الذهب والفضة التي كانت مدفونة تحت التراب, إذ الطمس كان على العملة فسدت وأما مخزون الذهب والفضة فما زال تحت الأرض، إذ الكنز يطلق على المدفون تحت الأرض وإن كان شرعاً هو الكنز ما لم تؤد زكاته سواء كان تحت الأرض أو فوقها.
وقوله تعالى {كذلك} أي إخراجنا لهم كان كذلك، {وأورثناها} أي تلك النعم بني إسرائيل أي بعد هلاك فرعون وجنوده أجمعين. وقوله تعالى: {فأتبعوهم مشرفين} أي فاتبع آل فرعون بنى إسرائيل أَنْفُسَهم في وقت شروق الشمس ليردوهم ويحولوا بينهم وبين الخروج من البلاد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- قوة الإيمان مصدر شجاعة خارقة للعادة بحيث يفرح المؤمن بالموت لأنه يوصله إلى ربه.
2- حسن الرجاء في الله والطمع في رحمته، وفضل الأسبقية في الخير.
3- مشروعية التعبئة العامة واستعمال أسلوب خاص في الحرب يهديء من مخاوف الأمة حكومة وشعباً.
4- دمار الظالمين وهلاك المسرفين في الكفر والشر والفساد.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثامن من تفسير سورة الشعراء))

{فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الأخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الأخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68)}.
شرح الكلمات:
فلما تراءى الجمعان: أي رأى بعضهما بعضاً لتقاربهما والجمعان جمع بني إسرائيل وجمع فرعون.
إنا لمدركون: أي قال أصحاب موسى من بني إسرائيل إنا لمدركون أي سيلحقنا فرعون وجنده.
قال كلا : أي قال موسى عليه السلام كلا أي لن يدركونا ولن يلحقوا بنا.
فانفلق : أي انشق.
فكان كل فرق كالطود : أي شق أي الجزء المنفرق والطود: الجبل.
وأزلفنا ثم الآخرين : أي قربنا هنا لك الآخرين أي فرعون وجنده.
إن في ذلك لآية: أي عظة وعبرة توجب الإيمان برب العالمين برب موسى وهرون.
معنى الآيات:
هذا آخر قصة موسى عليه السلام مع فرعون قال تعالى في بيان نهاية الظالمين وفوز المؤمنين :
{فلما تراءى الجمعان} جمع موسى وجمع فرعون وتقاربا بحيث رأى بعضهما بعضا
{قال أصحاب موسى} أي بنو إسرائيل {إنا لمدركون } أي خافوا لما رأوا جيوش فرعون تتقدم نحوهم صاحوا {إنا لمدركون} فطمأنهم موسى عليه السلام بقوله: {كلا} أي لن تدركوا، وعلل ذلك بقوله :
{إن معي ربي سيهدين} إلى طريق نجاتي قال تعالى :
{فأوحينا إلى موسى أن اضرب} أي اضرب بعصاك البحر فضرب امتثالاً لأمر ربه فانفلق البحر فرقتين كل فرقة منه كالجبل العظيم
{وأزلفنا} أي قربنا {ثم الآخرين} أي أدنينا هناك الآخرين وهم فرعون وجيوشه {وأنجينا موسى ومن معه} أي من بني إسرائيل {أجمعين}
{ثم أغرقنا الآخرين} المعادين لبني إسرائيل وهم فرعون وجنده.
قوله تعالى: {إن في ذلك} المذكور هن إهلاك فرعون وإنجاء موسى عليه السلام و بني إسرائيل {لآية} أي علامة واضحة بارزة لربوبية الله وألوهيته وقدرته وعلمه ورحمته وهي عبرة وعظة أيضاً للمعتبرين، وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين مع موجب الإيمان ومقتضيه لأنه سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون.
وقوله {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} أي وإن ربك يا محمد لهو الغالب على أمره الذي لا يمانع في شيء يريده ولا يحال بين مراده الرحيم بعباده فاصبر على دعوته وتوكل عليه فإنه ناصرك ومذل أعدائك.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- ظهور آثار الاستعباد في بني إسرائيل متجلية في خوفهم مع مشاهدة الآيات.
2- ثبوت صفة المعية الإلهية في قول موسى عليه السلام {إن معي ربي} إذ قال له عند إرساله {إنني معكما}.
3- ثبوت الوحي الإلهي.
4- آية انفلاق البحر من أعظم الآيات.
5- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بقصة مثل هذا القصص الذي لا يتأتى إلا بوحي خاص.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم التاسع عشر من تفسير سورة الشعراء))

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}.
شرح الكلمات :
واتل عليهم نبأ إبراهيم : أي اقرأ يا رسولنا على قومك خبر إبراهيم وشأنه العظيم.
لأبيه وقومه : أي آزر والبابليين.
فنظل لها عاكفين : أي فنقيم أكثر النهار عاكفين على عبادتها.
قالوا بل وجدنا : أي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر بل وجدنا آباءنا لها عابدين فنحن تبع لهم.
فإنهم عدو لي : أي أعداء لي يوم القيامة إذا أنا عبدتهم لأنهم يتبرءون من عابديهم.
إلا رب العالمين: فإن من يعبده لا يتبرأ منه يوم القيامة بل ينجيه من النار ويكرمه بالجنة.
فهو يهدين: أي إلى ما ينجيني من العذاب ويسعدني في دنياي وأخراي.
والذي يميتني ثم يحيين: أي يميتني عند انتهاء أجلي، ثم يحييني ليوم الدين.
يوم الدين: أي يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة والبعث الأخر.
معنى الآيات:
هذا بداية قصص إبراهيم عليه السلام والقصد منه عرض حياة إبراهيم عليه السلام الدعوية على مسامع قريش قوم محمد صلى الله وعليه وسلم علهم يتعظون بها فيؤمنوا ويوحدوا فيسلموا ويسلموا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة قال تعالى:
{واتل عليهم نبأ إبراهيم} أي اقرأ على قومك من قريش خبر إبراهيم في الوقت الذي قال لأبيه وقومه {ما تعبدون} مستفهماً إياهم ليرد على جوابهم وهو أسلوب حكيم في الدعوة والتعليم يسألهم ويجيبهم بناء على مقتضى سؤالهم فيكون ذلك أدعى للفهم وقبول الحق:
{قالوا نعبد أصناماً} أي في صور تماثيل {فنظل لها عاكفين} فنقيم أكثر النهار عاكفين حولها نتقرب إليها ونتبرك بها خاشعين خاضعين عندها. ولما سمع جوابهم وقد صدقوا فيه قال لهم {هل يسمعونكم إذ تدعون} أي إذ تدعونها {أو ينفعونكم } إن طلبتم منهم منفعة {أو يضرون} إن طلبتم منهم أن يضروا أحداً تريدون ضره أنتم؟ فأجابوا قائلين في كل ذلك لا، لا، لا. وإنما وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ففعلنا مثلهم اقتداءً بهم واتباعا لطريقتهم، وهنا صارحهم إبراهيم بما يريد أن يفهموه عنه فقال {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون} الذين هم أجدادكم الذين ورث عنهم آباؤكم هذا الشرك والباطل {فإنهم عدو لي} أي أعداء لي وذلك يوم القيامة إن أنا عبدتهم معكم، لأن كل مَنْ عُبد من دون الله يتبرأ يوم القيامة ممن عبده ويعلن عداوته له طلباً لنجاة نفسه من عذاب الله.
وقوله {إلا رب العالمين} فإنه لا يكون عدواً لمن عبده بل يكون ودوداً له رحيماً به. ألا فاعبدوه يا قوم واتركوا عبادة من يكون عدواً لكم يوم القيامة!!
ثم أخذ إبراهيم عليه السلام يذكر ربه ويثني عليه ويمجده تعريفاً به وتذكيراً لأولئك الجهلة المشركين فقال:
{الذي خلقني فهو يهدين} أي إلى طريق نجاتي وكمالي وسعادتي وذلك ببيانه لي محابه لآتيها، ومساخطه لأتجنبها، {والذي هو يطعمني ويسقين} أي يغذوني بأنواع الأطعمة ويسقيني بما خلق ويسر لي من أنواع الأشربة من ماء ولبن وعسل، {وإذا مرضت} بأن اعتل جسمي وسقم فهولا غيره يشفيني، {والذي يميتني } يوم يريد إماتتي عند انتهاء ما حدد لي من أجل تنتهي به حياتي، ثم يحييني يوم البعث والنشور، {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي} أي يسترها ويمحو أثرها من نفسي يوم الدين أي يوم الجزاء والحساب على عمل الإنسان في هذه الدار إذ هي دار عمل والآخرة دار جزاء.
وإذا قيل ما المراد من الخطيئة التي ذكر إبراهيم لنفسه؟ فالجواب إنها الكذبات الثلاث التي كانت لإبراهيم طوال حياته الأولى قوله
{إني سقيم}
والثانية {بل فعله كبيرهم هذا}
والثالثة قولي للطاغية إنه أخي ولا تقولي إنه زوجي، هذه الكذبات التي كانت لإبراهيم فهو خائف منها ويوم القيامة لما تطلب منه البشرية الشفاعة عند ربها يذكر هذه الكذبات ويقول إنما أنا من وراء وراء فاذهبوا إلى موسى.
ألا فليتعظ المؤمنون الذين كذبهم لا يعد كثرة!!
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير النبوة المحمدية بذكر هذا القصص.
2- تقرير التوحيد بالحوار الذي دار بين إبراهيم إمام الموحدين وقومه المشركين.
3- بيان أن كل من عبد معبود غير الله تعالى سيكون له عدواً لدوداً يوم القيامة.
4- بيان أن العكوف على الأضرحة والتمرغ في تربتها وطلب الشفاء منها شرك.
5- بيان الأسلوب الحكيم في الدعوة إلى الله تعالى من طريق السؤال والجواب.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم العشرون من تفسير سورة الشعراء))

{رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ (93)}.
شرح الكلمات:
رب هب لي حكماً : أي يا رب أعطني من فضلك حكماً أي علماً نافعاً وارزقني العمل به.
وألحقني بالصالحين : لأعمل عملهم في الدنيا وأكون معهم في الدار الآخرة.
واجعل لي لسان صدق في الآخرين : أي اجعل لي ذكراً حسناً أذكر به فيمن يأتي بعدي.
واغفر لأبي : كان هذا منه قبل أن يتبين له أنه عدو لله.
ولا تخزني يوم يبعثون : أي لا تفضحني.
بقلب سليم : أي من الشرك والنفاق.
وأزلفت الجنة : أي أدنيت وقربت للمتقين.
وبرزت الجحيم للغاوين: أي أظهرت وجليت للغاوين
هل ينصرونكم : أي بِدَفْع العذاب عنكم.
معنى الآيات:
هذا آخر قصص إبراهيم عليه السلام وخاتمته لما ذكر إبراهيم عليه السلام قومه ووعظهم رفع يديه إلى ربه يسأله ويتضرع إليه فقال:
{رب هب لي حكماً} أي علماً نافعاً يمنعني من فعل ما يسخطك عني ويدفعني إلى فعل ما يرضيك عني، {وألحقني بالصالحين} في أعمالهم الخيرية في الدنيا وبمرافقتهم في الجنة {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي اجعل لي ذكراً حسناً أذكر به فيمن يأتي من عبادك المؤمنين،
{واجعلني من ورثة جنة النعيم} الذين يرثونها بالإيمان والتقوى بعد فضلك عليهم ورحمتك بهم،
{واغفر لأبي إنه كان من الضالين} أي الجاهلين بك وبمحابك ومكارهك فما عبدوك ولا تقربوا إليك.
وكان هذا من إبراهيم عليه السلام قبل العلم بأن أباه عدو لله حيث سبق له ذلك أزلاً، إذ قد تبرأ منه بعد أن علم ذلك وقوله :
{ولا تخزني} أي لا تذلني {يوم يبعثون} أي من قبورهم للحساب والجزاء على أعمالهم {يوم لا ينفع مال ولا بنون} وهو يوم القيامة
{إلا من أتى الله بقلب سليم} أي لكن من أتى الله أي جاءه يوم القيامة وقلبه سليم من الشرك والنفاق فهذا ينفعه عمله الصالح لخلوه مما يحبطه وهو الشرك والكفر الظاهر والباطن وقوله تعالى:
{وأزلفت الجنة} أي قربت وأدنيت للمتقين الله ربهم فلم يشركوا به في عبادته ولم يجاهروا بمعاصيه،
{وبرزت الجحيم} أي أظهرت وارتفعت {للغاوين} أي أهل الغواية والضلالة في الدنيا من المشركين والمسرفين في الإجرام والشر والفساد {وقيل لهم} أي سئلوا في عرصات القيامة
{أين ما كنتم تعبدون من دون الله }؟ أروناهم
{هل ينصرونكم} مما أنتم فيه فيدفعون عنكم العذاب، {أو ينتصرون} لأنفسهم فيدفعون عنها العذاب إن كانوا من أهل النار لأنهم رضوا بأن يعبدوا ودعوا الناس إلى عبادتهم كالشياطين والمجرمين من الإنس والجن.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1-بيان أن الجنة تورث ويذكر تعالى سبب إرثها وهو التقوى في قوله {تلك الجنة لتي نورث من عبادنا من كان تقياً}
2- مشروعية الاستغفار للوالدين إن ماتا على التوحيد.
3- بطلان الانتفاع يوم القيامة بغير الإيمان والعمل الصالح بعد فضل الله ورحمته.
4- الترغيب في التقوى والتحذير من الغواية.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الحادي عشر من تفسير سورة الشعراء))

{فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)}.
شرح الكلمات
فكبكبوا فيها :أي ألقوا على وجوههم في جهنم ودحرجوا فيها حتى انتهوا إلى قعرها.
والغاوون :جمع غاوٍ وهو الفاسد القلب المدنس الروح من الشرك والمعاصي.
وجنود إبليس :أي أتباعه وأنصاره وأعوانه من الإنس والجن.
إذ نسويكم برب العالمين : أي في العبادة فعبدناكم كما يعبد الله جل جلاله.
ولا صديق حميم : أي يهمه أمرنا وتنفعنا صداقته نحتمى به من أن نعذب.
فلو أن لنا كرة : أي رجعة إلى الدنيا لنؤمن ونوحد ونعبد ربنا بما شرع لنا.
معنى الآيات:
قوله تعالى :{فكبكبوا}
- {كبكبوا} أي: كبوا فيها كباً بعد كب لأنّ كبكبوا مضاعف: كبوا بالتكرير نحو: كفكف الدمع أي: كفّه مرة بعد مرة.-
بعد ذلك الاستفهام التوبيخي التقريعي الذي تقدم في قوله تعالى {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون}؟ وفشلوا في الجواب ولم يجيدوه إذ هو غير ممكن فأخبر تعالى عنهم بأنهم كبكبوا في جهنم - أي كبوا على وجوههم ودحرجوا فيها هم والغاوون جمع غاوٍ أي فاسد العقيدة والعمل
وجنود إبليس أجمعون من أتباع الشيطان وأعوانه من دعاة الشرك و المعاصي والجريمة في الأرض من الإنس والجن .
قوله تعالى :{قالوا وهم فيها يختصمون} أي وهم في جهنم يختصمون كل واحد يحمل الثاني التبعة والمسؤولية فقال المشركون لمن أشركوا بهم {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} أي ظاهر بين لا يختلف فيه، وذلك {إذ نسويكم برب العالمين} عز وجل فنعبدكم معه،
{وما أضلنا إلا المجرمون} وهم دعاة الشرك والشر والضلال الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها، وأجرموا علينا فأفسدوا نفوسنا بالشرك والمعاصي، وقوله تعالى: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} هذا قولهم أيضاً قرروا فيه حقيقة أخرى وهي أنه ليس لهم في هذا اليوم من شافعين يشفعون لهم عند الله تعالى لا من الملائكة ولا من الإنس والجن إذ لا شفاعة تنفع من مات على الشرك والكفر، وقولهم ولا صديق حميم أي وليس لنا أي من صديق حميم تنفعنا صداقته وولايته.
وقالوا متمنين بعد اليأس من وجود شافعين {فلو أنّ لنا كرة} أي رجعة إلى دار الدنيا {فنكون من المؤمنين} فنؤمن ونوحد ونتبع الرسل.
وهذا آخر ما أخبر تعالى به عنهم من كلامهم في جهنم.
وقوله تعالى {إن في ذلك} أي المذكور من كبكبة المشركين والغاوين وجنود إبليس أجمعين في جهنم وخصومتهم فيها وما قالوا وتمنوه وحرمانهم من الشفاعة وخلودهم في النار {لآية} أي لعبرة لمن يعتبر بغيره، {وما كان أكثرهم مؤمنين} و لم يكن أكثر قومك يا رسولنا مؤمنين وإلا لانتفعوا بهذه العبر فآمنوا ووحدوا وأسلموا {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} أي الغالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد الرحيم بعباده إن أنابوا إليه وأخلصوا العبادة له يكرمهم في جواره في جنات النعيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير أن دعاة الزنى والربا والخرافة والشركيات من الناس هم من جند إبليس.
2- تقرير أن المجرمين هم الذين أفسدوا نفوسهم ونفوس غيرهم بدعوتهم إلى الضلال وحملهم على المعاصي.
3- تقرير أن الشفاعة لن تكون لمن مات على الشرك والكفر.
4- لا تنفع العبر والمواعظ والآيات في هداية قوم كتب الله أزلاً شقاءهم وعلم منهم أنهم لا يؤمنون فكتب ذلك عليهم.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثاني عشر من تفسير سورة الشعراء))

{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)}.
شرح الكلمات:
كذبت قوم نوح المرسلين : قوم نوح الأمة التي بعث فيها، والمراد من المرسلين نوح عليه السلام
أخوهم نوح : أي في النسب.
ألا تتقون: أي اتقوا الله ربكم فلا تعصوه بالشرك والمعاصي.
رسول أمين: أي على مما أمرني ربي بإبلاغه إليكم.
من أجر: أي لا أسألكم على إبلاغ رسالة الله أجرة مقابل البلاغ.
أنؤمن لك واتبعك الأرذلون: أي كيف نتبعك على ما تدعونا إليه وقد اتبعك أراذل الناس أي سفلتهم وأهل الخسة فيهم.
إن حسابهم إلا على ربي: أي ما حسابهم إلا على ربي.
معنى الآيات:
هذه بداية قصص نوح عليه السلام فقال تعالى :
{كذبت قوم نوح} أي بما جاءهم به نوح من الأمر بالتوحيد وترك الشرك {إذ قال لهم أخوهم} أي في النسب {نوح ألا تتقون} أي عقاب الله وأنتم تشركون به، وتكذبون رسوله {إني لكم رسول أمين} على ما أبلغكم من وحي الله تعالى فاتقوا الله بترك الشرك وأطيعوني فيما أدعوكم إليه وآمركم به {وما أسألكم عليه من أجر} أ ي على البلاغ من أجر أتقاضاه منكم مقابل ما أبلغكم من رسالة ربكم.
{إن أجرى إلا على الله} إذ هو الذي كلفني {فاتقوا الله} أي خافوا عقابه أن يحل بكم وأنتم تكفرون به وتكذبون برسوله وأطيعون فيما آمركم به وأنهاكم عنه. بعد هذا الذي أمرهم به وكرره عليهم من تقوى الله وطاعة لرسوله كان جوابهم ما أخبر به تعالى عنهم في قوله: {قالوا أنؤمن لك} أي أنصدقك ونتابعك على ما جئت به من الدين {واتبعك الأرذلون}
أي سفلة الناس وأخساؤهم؟.
فأجابهم نوح بقوله {وما علمي بما كانوا يعملون } فيما يعملونه بعيدين عني من الباطن أو الظاهر أنا لا أعلمه ولا أسأل عنه ولا أحاسب عليه، {إن حسابهم إلا على ربي} هو الذي يحاسبهم ويجزيهم لو تشعرون بهذه الحقيقة لما عبتموهم لي وحملتموني مسئولية عملهم
{وما أنا بطارد المؤمنين} أي من حولي، {إن أنا إلا نذير مبين} فلست بجبار ولا ذي سلطان فأطرد الناس وظيفتي أنى أنذر الناس عاقبة الكفر والمعاصي ليقلعوا عن ذلك فينجوا من عذاب الله ويسلموا.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان أن من كذب رسولاً فكأنما كذب كل الرسل وذلك باعتبار أن دعوتهم واحدة وهي أن يُعْبَدَ الله وحده بما شرع للناس من عبادات تطهرهم وتزكيهم.
2- إثبات أخوة النسب، ولا تعارض بينها وبين أخوة الدين.
3- عدم جواز أخذ أجرة على دعوة الله تعالى. ووجوب إبلاغها مجانا.
4- وجوب التقوى لله تعالى، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
5- لا يجوز طرد الفقراء من مجالس العلم ليجلس مجالسهم الأغنياء وأهل الجاه.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثالث عشر من تفسير سورة الشعراء))

{إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (115) قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)}.
شرح الكلمات:
لئن لم تنته :أي عن دعِوتنا إلى ترك آلهتنا وعبادة إلهك وحده.
من المرجومين :أي المقتولين رجماً بالحجارة.
فافتح بيني وبينهم فتحاً :أي أحكم بيني وبينهم حكماً بأن تهلكهم وتنجيني ومن معي من المؤمنين.
في الفلك المشحون : أي المملوء بالركاب وأزواج المخلوقات الأخرى.
بعد الباقين : أي بعد إنجائنا نوحاً والمؤمنين بركوبهم في السفينة أغرقنا الكافرين إذ إغراقهم كان بعد نجاة المؤمنين.
معنى الآيات:
مازال السياق في الحوار الدائر بين نوح وقومه إنه لما دعاهم إلى التوحيد وكرر عليهم الدعوة وأفحمهم في مواطن كثيرة وأعيتهم الحجج لجأوا إلى التهديد والوعيد فقالوا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله:
{قالوا لئن لم تنته يا نوح} أي قسماً بآلهتنا لئن لم تنته يا نوح من تسفيهنا وسب آلهتنا ومطالبتنا بترك عبادتها
{لتكونن من المرجومين} أي لنقتلنك رمياً بالحجارة.
وهنا وبعد دعوة دامت ألف سنة إلا خمسين عاماً رفع نوح عليه السلام شكواه إلى الله قائلا:
{رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحاً} أي أحكم بيننا وافصل في قضية وجودنا مع بعضنا بعضا فأهلكهم
{ونجني ومن معي من المؤمنين}
قال تعالى {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} أي المملوء بأنواع الحيوانات {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحاً ومن معه من المؤمنين بأن ركبوا في الفلك وما زال الماء يرتفع النازل من السماء والنابع من الأرض حتى غرق كل من على الأرض والجبال ولم ينج أحد إلا نوح وأصحاب السفينة، قال تعالى:
{إن في ذلك} أي المذكور من الصراع الذي دار بين التوحيد والشرك وفي عاقبة التوحيد وهي نجاة أهله والشرك وهي دمار أهله {لآية} أي
عبرة.
ولكن أهل مكة لم يعتبروا {وما كان أكثرهم مؤمنين} لما سبق في علم الله تعالى من عدم إيمانهم إذاً فلا تحزن عليهم.
{وإن ربك} أيها الرسول الكريم لهو لا غيره العزيز الغالب الرحيم بمن تاب من عباده فإنه لا يعذبه بل يرحمه.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- بيان سنة أن الظلمة والطغاة إذا أعيتهم الحجج يلجأون إلى القوة.
2- جواز الاستنصار بالله تعالى وطلب الفتح بين المظلوم والظالمين.
3- سرعة استجابة الله تعالى لعبده نوح وذلك لصبره قروناً طويلة فلما انتهى صبره ورفع شكاته إلى ربه أجابه فوراً فأنجاه وأهلك أعداءه.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الرابع عشر من تفسير سورة الشعراء))
{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131 )}.
شرح الكلمات:
كذبت عاد: عاد اسم أبي القبيلة وسميت القبيلة به.
أخوهم هود: أخوهم في النسب.
فاتقوا الله: أي خافوا عقابه فلا تشركوا به شيئاً.
أتبنون بكل ريع: أي مكان عال مرتفع.
آية : أي قصراً مشيداً عالياً مرتفعاً.
تعبثون : أي ببنيانكم حيث تبنون مالا تسكنون.
وتتخذون مصانع: أي حصوناً منيعة وقصوراً رفيعة.
لعلكم تخلدون : أي كأنكم تأملون الخلود في الأرض وترجونه.
و إذا بطشتم : أي أخذتم أحداً سطوتم عليه بعنف وشدة.
جبارين : أي عتاة متسلطين.
معنى الآيات:
هذه بداية قصص هود عليه السلام يقول تعالى:
{كذبت عاد} أي قبيلة عاد، - وعاد بمعنى القبيلة فلذا أنّث الفعل معها، وكانت منازل عاد وديارهم ما بين عُمان وحضر موت شرقاً وغرباً ومتغلغلة في الشمال إلى الرمال وهي الأحقاف.-
{كذبت عاد} أي قبيلة عاد، {المرسلين} أي رسول الله هوداً، {إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون} أي ألا تتقون عقاب الله بترككم الشرك والمعاصي بمعنى اتقوا الله ربكم فلا تشركوا به، وقوله:
{إني لكم رسول أمين} يخبرهم بأنه رسول الله إليهم يبلغهم عن الله أمر ونهيه وأنه أمين على ذلك فلا يزيد ولا ينقص فيما أمره ربه بإبلاغه إليهم، وعليه {فاتقوا الله وأطيعون} أي بوصفي رسول الله إليكم فإن طاعتي واجبة عليكم حتى أبلغكم ما أرسلت به إليكم.
وقوله {وما أسألكم عليه من أجر} أي على إبلاغ رسالتي إليكم من أجر أي من أي أجر كان. ولو قل {إن أجري} أي ما أجري إلا على رب العالمين سبحانه وتعالى إذ هو الذي أرسلني وكلفني فهو الذي أرجو أن يثيبني على حمل رسالتي إليكم وإبلاغها إياكم.
وعليه فاتقوا الله أي خافوا عقابه بترك الشرك به والمعاصي وأطيعوني بقبول ما أبلغكم به لتكملوا وتسعدوا.
وقوله: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون} ينكر هود على قومه إنهماكهم في الدنيا وانشغالهم بما لا يعني وإعراضهم عما يعنيهم فيقول لهم كالمنكر عليهم أتبنون بكل ريع أي مكان عال مرتفع آية أي قصراً مشيداً آية في ارتفاعه وعلوه. تعبثون حيث لا تسكنون فيما تبنون فهو لمجرد اللهو والعبث .
وقوله {وتتخذون مصانع} وهي مبان عالية كالحصون أو خزانات الماء أو الحصون {لعلكم تخلدون} أي كيما تخلدون، وما أنتم بخالدين، وإنما مقامكم فيها قليل.
وقوله {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} أي إذا سطوتم على أحد تسطون عليه سطو العتاة الجبارين فتأخذون بعنف وشدة بلا رحمة ولا رفق
{فاتقوا الله} يا قوم فخافوا عقابه وأليم عذابه، {وأطيعون} فيما أدعوكم إليه وأبلغكموه عن ربي فإن ذلك خير لكم من الإعراض والتمادي في الباطل.
هداية الآيات
من هداية الآيات
1- الأمر بالتقوى من النصح للمأمور بها، لأن النجاة والفوز لا يتمان للعبد إلا عليها.
2- الرسل أمناء على ما يحملون وما يبلغون الناس.
3-حرمة أخذ الأجرة على بيان الشرع والدعوة إلى ذلك.
4- ينبغي للعبد أن لا يسرف فيبني مالا يسكن ويد خرما لا يأكل.
5- استنكار العنف والشدة في الأخذ وعند المؤاخذة.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الخامس عشر من تفسير سورة الشعراء))

{وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)} .
شرح الكلمات:
أمدكم: أي أعطاكم منعماً عليكم.
بأنعام: هي الإبل والبقر والغنم.
عذاب يوم عظيم : هو يوم هلاكهم في الدنيا ويوم بعثهم يوم القيامة.
سواء علينا: أي مستوٍ عندنا وعظك وعدمه فأنا لا نطيعك.
إن هذا إلا خلق الأولين : أي ما هذا الذي تعظنا فيه من البناء وغيره إلا دأب وعادة الأولين فنحن على طريقتهم، وما نحن بمعذبين.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحوار الذي دار بين نبي الله هود عليه السلام وبين قومه المشركين إذ أمرهم بالتقوى وبطاعته وأمرهم أيضاً بتقوى الله الذي أمدهم أي أنعم عليهم بما يعلمونه من أنواع النعم فإن طاعة المنعم شكر له على إنعامه ومعصيته كفر لإنعامه فقال:
{ واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون} وبين ذلك بقوله {أمدكم بأنعام} أي مواشي من إبل وبقر وغنم {وبنين} أي أولاد ذكور و إناث وجنات أي بساتين {وعيون} لسقيها وسقيكم وتطهيركم، ثم قال لهم في إشفاق عليهم :{إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن أنتم أصررتم على الشرك والمعاصي وقد يكون عذاباً في الدنيا وعذاباً في الآخرة، وقد عذبوا في الدنيا بإهلاكهم ويعذبون في الآخرة لأنهم ماتوا كفاراً مشركين عصا ة مجرمين، كان هذا ما وعظهم به نبيهم هود عليه السلام، وكان ردهم على وعظه ما أخبر تعالى به في قوله :
{قالوا سواء علينا أو عظمت أم لم تكن من الواعظين} أي مستوٍ عندنا وعظك أي تخويفك وتذكيرك وعدمه فما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين وقالوا {إن هذا} الذي نحن عليه من البناء والإشادة وعبادة آلهتنا {إلا خلق الأولين} أي دأب وعادة من سبقنا من الناس، وما نحن بمعذبين عليه قال تعالى مخبراً عن نتيجة ذلك الحوار وتلك الدعوة التي قام بها نبي الله هود {فكذبوه} أي كذبوا هوداً فيما جاءهم به ودعاهم إليه وحذرهم منه،
{فأهلكناهم} أي بتكذيبهم وإعراضهم {إن في ذلك} الإهلاك للمكذبين عبرة لقومك يا محمد لو كانوا يعتبرون {وما كان أكثرهم مؤمنين} لما سبق في علم الله من عدم إيمانهم فلذا لم تنفعهم المواعظ والعبر، وإن ربك لهو العزيز الرحيم فقد أخذ الجبابرة العتاة فأنزل بهم نقمته وأذاقهم مر عذابه، ورحم أولياءه فأنجاهم وأهلك أعداءهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تنويع أسلوب الدعوة وتذكير الجاحدين بما هو محسوس لديهم مرأي لهم.
2- التخويف من عذاب الله والتحذير من عاقبة عصيانه من أساليب الدعوة.
3- بيان سنة الناس في التقليد وإتباع آبائهم وإن كانوا ضلالاً جاهلين.
4- تقرير التوحيد والنبوة والبعث إذ هو المقصود من هذا القصص.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السادس عشر من تفسير سورة الشعراء))

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152)}.
شرح الكلمات:
كذبت ثمود المرسلين: أي كذبت قبيلة ثمود نبيّها صالحاً.
فيما هاهنا آمنين : أي من الخيرات والنعم غير خائفين من أحد.
طلعها هضيم : أي طلع النخلة لين ناعم ما دام في كُفرَّاه أي غطاؤه الذي عليه.
وتنحتون من الجبال بيوتاً: أي تنجرون بآلات النحت الصخور في الجبل وتتخذون منها بيوتاً.
فرهين: أي حذقين من جهة وبطرين متكبرين مغترين بصنيعكم من جهة أخرى.
وأطيعون: أي فيما أمرتكم به.
المسرفين : أي في الشر والفساد بالكفر والعناد.
الذين يفسدون في الأرض : أي بارتكاب الذنوب العظام فيها.
ولا يصلحون فيها: أي بفعل الطاعات والقربات.
معنى الآيات:
هذا بداية قصص نبي الله صالح عليه السلام قال تعالى:
{كذبت ثمود المرسلين} أي جحدت قبيلة ثمود ما جاءها به رسولها صالح عليه السلام، { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ } في النسب لا في الدين إذ هو مؤمن وهم كافرون {ألا تتقون} أي يحضهم على التقوى ويأمرهم بها لأن فيها نجاتهم والمراد من التقوى اتقاء عذاب الله بالإيمان به وتوحيده وطاعته وطاعة رسوله
وقوله {إني لكم رسول أمين} يعلمهم بأنه مرسل من قبل الله تعالى إليهم أمين على رسالة الله وما تحمله من العلم والبيان والهدى إليهم.
{فاتقوا الله وأطيعون} كرر الأمر بالتقوى وبطاعته إذ هما معظم رسالته ومَتَى حقّقها المرسل إليهم اهتدوا وأفلحوا.
{وما أسألكم عليه من أجر} أبعد تهمة المادة لما قد يقال أنه يريد مالاً فأخبرهم في صراحة أنه لا يطلب على إبلاغهم دعوة ربهم أجراً من أحد إلا من الله رب العالمين إذ هو الذي يثيب ويجزي العاملين له وفي دائرة طاعته وقوله فيما أخبر تعالى به عنه {أتتركون فيما ههنا} بين أيديكم من الخيرات {آمنين} غير خائفين، وبين ما أشار إليه بقوله فيما ها هنا فقال :{في جنات} أي بساتين ومزارع بمدائنهم وهي إلى الآن قائمة { وعيون وزروع، ونخل طلعها هضيم} أي لين ناعم ما دام في كفراه أي غلافه {وتنحتون من الجبال بيوتاً} لما خولكم الله من قوة ومعرفة بفن النحت حتى أصبحتم تتخذون من الجبال الصم بيوتاً تسكنونها شتاء فتقيكم البرد.
وقوله {فرهين} هذا حال من قوله {وتنحتون من الجبال } ومعنى {فرهين} حذقين فن النحت وبطرين متكبرين مغترين بقوتكم وصناعتكم، إذاً {فاتقوا الله} يا قوم بترك الشرك والمعاصي {وأطيعون} فيما آمركم به وأنهاكم عنه وأدعوكم إليه {ولا تطيعوا أمر المسرفين} أي على أنفسهم بارتكاب الكبائر وغشيان الذنوب. {الذين يفسدون في الأرض} أي بمعاصي الله ورسوله فيها {ولا يصلحون} أي جمعوا بين الفساد والإفساد، وترك الصلاح والإصلاح.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- دعوة الرسل واحدة ولذا التكذيب برسول يعتبر تكذيباً بكل الرسل.
2- الأمانة شعار كل الرسل والدعاة الصادقين الصالحين في كل الأمم والعصور.
3- مشروعية التذكير بالنعم ليذكر المنعم فيُحب ويطاع.
4- التحذير من طاعة المسرفين في الذنوب والمعاصي لوخامة عاقبة طاعتهم.
5- تقرير أن الفساد في الأرض يكون بارتكاب المعاصي فيها.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السابع عشر من تفسير سورة الشعراء))

{قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنتَ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (155) وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)}.
شرح الكلمات:
إنما أنت من المسحرين : الذين سحروا وبُولغ في سحرهم حتى غلب عقولهم.
فأت بآية إن كنت من الصادقين : إن كنت من الصادقين في أنك رسول فأتنا بآية تدل على ذلك.
لها شرب ولكم شرب يوم معلوم :أي لها يوم تشرب فيه من العين ولكم يوم آخر معلوم.
فعقروها فأصبحوا نادمين : أي فلم يؤمنوا فقتلوها فأصبحوا نادمين لما شاهدوا العذاب.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحوار الذي دار بين صالح عليه السلام وقومه ثمود فلما ذكرهم ووعظهم ردوا عليه بما أخبر تعالى عنهم في قوله
{قالوا إنما أنت من المسحرين} أي الذين سحروا وبُولغ في سحرهم حتى غلب على عقولهم فهم لا يعرفون ما يقولون
{ما أنت إلا بشر مثلنا} تأكل الطعام وتشرب الشراب فلا أنت رب ولا ملك فنخضع لك ونطيعك {فأت بآية} علامة قوية ودلالة صادقة تدل على أنك رسول الله حقاً وأنت من الرسل الصادقين، فأجابهم صالح بما أخبر تعالى به عنه في قوله: {قال هذه ناقة} أي عظيمة الخلقة سأل ربه آية فأعطاه هذه الناقة فما زال قائماً يصلي ويدعو وهم يشاهدون حتى أنفلق الجبل وخرجت منه هذه الناقة الآية العظيمة فقال:
{هذه ناقة لها شرب} أي حظ ونصيب من ماء البلد تشربه وحدها لا يرد معها أحد ولكم أنتم شرب يوم معلوم لكم تردونه وحدكم.
{ولا تمسوها بسوء} وحذرهم أن يمسوها بسوء لا بضرب ولا بقتل ولا بمنع من شرب، فإنه يأخذكم عذاب يوم عظيم قال تعالى :
{فعقروها} أي فكذبوه وعصوه وعقروها بأن ضربوها في يديها ورجلها فبركت وقتلوها.
فلما عقروها قال لهم صالح :{تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} فأصبحوا بذلك نادمين
ففي صبيحة اليوم الثالث أخذتهم الصيحة مع شروق الشمس فاهلكوا أجمعين ونجى الله تعالى صالحاً ومن معه من المؤمنين
{إن في ذلك لآية} أي علامة كبرى على قدرة الله تعالى وعلمه وأنه واجب الألوهية {وما كان أكثرهم مؤمنين} مع وضوح الأدلة لأنه لم يسبق لهم إيمان في قضاء الله وقدره
{وإن ربك} أيها الرسول لهو وحده العزيز الغالب الذي لا يغالب الرحيم بأوليائه وصالحي عباده.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- تقرير أن السحر من عمل الناس وأنه معلوم لهم معمول به منذ القدم.
2- سنة الناس في المطالبة بالآيات عند دعوتهم إلى الدين الحق.
3- وجود الآيات لا يستلزم بالضرورة إيمان المطالبين بل أكثرهم لا يؤمنون.
4- الندم من التوبة ولكن لا ينفع ندم ولا توبة عند معاينة العذاب أو أماراته.
قيل: ما آمن معه إلاّ ألفان وثمانمائة رجل وامرأة وأن قومه كانوا اثني عشر ألف قبيل كل قبيل نحو: اثنى عشر ألفاً من سوى النساء والذرية وكان قوم عاد مثلهم ثلاث مرات. ذكر هذا القرطبي في تفسيره ولم يعزه لأحد.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثامن عشر من تفسير سورة الشعراء))

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)}.
شرح الكلمات
قوم لوط: هم سكان مدن سدوم وعمورية وقرى أخرى ولوط هو نبي الله لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم.
أخوهم لوط: هذه أخوة بلد1 وسكنى لا أخوة نسب ولا دين.
إني لكم رسول أمين : أي إني مرسل إليكم لا إلى غيركم أمين في إبلاغكم رسالتي فلا أنقص ولا أزيد.
فاتقوا الله : بالإيمان به وعبادته وحده وترك معاصيه.
وما أسألكم عليه : أي على البلاغ من أجرة مقابل إرشادكم وتعليمكم.
أتأتون الذكران من العالمين : أي أتأتون الفاحشة من الرجال وتتركون النساء.
بل أنتم قوم عادون : أي معتدون ظالمون متجاوزون الحد في الإسراف في الشر.
معنى الآيات:
هذه بداية قصص لوط مع قومه أصحاب المؤتفكات قال تعالى {كذبت قوم لوط المرسلين} أي كذبوا لوطاً الرسول وتكذيبه يعتبر تكذيباً لكافة الرسل لأن دعوة الله واحدة كذبوه لما دعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك الفواحش والظلم والشر والفساد إذ قال لهم أخوهم لوط هذه أخوة الوطن لا غير إذ لوط بابلي الموطن ودينه الإسلام وأبوه هاران أخو إبراهيم عليه السلام، وإنما لما أرسل لوط إلى أهل هذه البلاد وسكن معهم قيل لهم أخوهم بحكم المعاشرة والمواطنة الحاصلة {ألا تتقون1} يأمرهم بتقوى الله ويحضهم عليها لأنهم قائمون على عظائم الذنوب فخاف عليهم الهلاك فدعاهم إلى أسباب النجاة وهي تقوى الله تعالى بطاعته وترك معاصيه. وقال لهم {إني لكم رسول أمين2} فلا تشكوا في رسالتي وأطيعون، وإني غير سائلكم أجراً على تبليغ رسالتي إليكم إن أجري آخذه من رب العالمين الذي حملني هذه الرسالة وأمرني بإبلاغكم إياها وهنا أنكر عليهم أعظم منكر فقال موبخاً مقرعاً {أتأتون3 الذكران من العالمين} فترتكبون الفاحشة معهم {وتذرون} أي تتركون ما خلق الله لكم من أزواجكم {بل أنتم قوم عادون4} أي متجاوزون الحدود5 التي رسمها الشرع والعقل والآدمية.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- جواز إطلاق أخوة الوطن دون الدين والنسب.
2- الأمانة من مستلزمات الرسالة، إذ كل رسول يقول {إني لكم رسول أمين}.
3- سبيل نجاة الفرد والجماعة في تقوى الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
4- وجوب إنكار المنكر وتقبيحه على فاعله لعله يرعوي.
5- أكبر فاحشة وقعت في الأرض هي فاحشة اللواط. والعياذ بالله تعالى.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم التاسع عشر من تفسير سورة الشعراء))

{قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)}.
شرح الكلمات:
لئن لم تنته: أي عن إنكارك علينا ما نأتيه من الفاحشة.
من المخرجين : أي من بلادنا وطردك من ديارنا.
لعملكم من القالين: أي المبغضين له البغض الشديد.
رب نجني وأهلي مما يعملون: أي من عقوبة وعذاب ما يعملونه من الفواحش.
فنجيناه وأهله: أي نجينا لوطاً الذي دعانا وأهله وهم امرأته المؤمنة وابنتاه.
إلا عجوزاً في الغابرين: أي فإنا لم ننجها إذ حكمنا بإهلاكها مع الظالمين فتركناها معهم حتى هلكت بينهم لأنها كانت كافرة وراضية بعمل القوم.
وأمطرنا عليهم مطراً : أي أنزل عليهم حجارة من السماء فأمطروا بها بعد قلب البلاد عاليها سافلها.
فساء مطر المنذرين : أي فقبح مطر المنذرين ولم يمتثلوا فما كفوا عن الشر والفساد.
معنى الآيات:
ما زال السياق فيما دار بين نبي الله لوط عليه السلام وقومه المجرمين فإنه لما ذكرهم ووعظهم وأمرهم ونهاهم وسمعوا ذلك كله منه أجابوا بما أخبر تعالى به عنهم :
{قالوا لئن لم تنته يا لوط} أي عن إنكارك علينا ما نأتيه من الفاحشة {لتكونن من المخرجين} أي نخرجك من بلادنا ونطردك من بيننا ولا تبقى ساعة واحدة عندنا إنتبه يا رجل،. فأجابهم لوط الرسول عليه السلام بقوله {إني لعملكم من القالين} أي إني لعملكم الفاحشة من المبغضين أشد البغض، ثم التفت إلى ربه داعياً ضارعاً فقال:
{رب نجني وأهلي مما يعملون} وهذا بعد أن أقام يدعوهم ويتحمل سنين عديدة فلم يجد بداً من الفزع إلى ربه ليخلصه منهم فقال:
{ربي نجني ,وأهلي} من عقوبة وعذاب ما يعملونه من إتيان الفاحشة من العالمين قال تعالى: {فنجيناه وأهله} وهم امرأته المسلمة وابنتاه المسلمتان طبعاً إلا عجوزاً وهي امرأته الكافرة المتواطئة مع الظلمة الراضية بالفعلة الشنعاء كانت في جملة الغابرين أي المتروكين بعد خروج لوط عليه السلام من البلاد لتهلك مع الهالكين قال تعالى:
{ثم دمرنا الآخرين} أي بعد أن أنجينا لوطاً وأهله أجمعين باستثناء العجوز الكافرة دمرنا أي أهلكنا الآخرين
{وأمطر عليهم مطراً فساء مطر المنذرين} إنه بعد قلب البلاد سافلها على عاليها أمطر عليهم مطر حجارة من السماء لتصيب من كان خارج المدن المأفوكة المقلوبة.
قوله تعالى :{إن في ذلك لآية} أي في هذا الذي ذكرنا من إهلاك المكذبين والمسرفين الظالمين آية وعلامة كبرى لمن يسمع ويرى
{وما كان أكثرهم مؤمنين} لما سبق في علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون فسبحان الله العظيم.
وقوله {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} وإن ربك يا رسولنا هو لا غيره العزيز الغالب القاهر لكل الظلمة والمسرفين الرحيم بأوليائه وعباده المؤمنين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- التهديد بالنفي سنة بشرية قديمة.
2- وجوب بغض الشر والفساد في أي صورة من صورهما.
3- استجابة دعوة المظلوم لاسيما إن كان من الصالحين.
4- توقع العذاب إذا انتشر الشر وعظم الظلم والفساد.
5- الآيات مهما كانت عظيمة لا تستلزم الإيمان والطاعة.
6- من لم يسبق له الإيمان لا يؤمن ولو جلب عليه كل آية.
7- مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم العشرون من تفسير سورة الشعراء))

{كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ (184)}.
شرح الكلمات:
أصحاب الأيكة: أي الغيضة وهي الشجر الملتف.
إذ قال لهم شعيب: النبي المرسل شعيب عليه السلام.
أوفوا الكيل: أي أتموه.
ولا تكونوا من المخسرين: الذين ينقصون الكيل والوزن.
بالقسطاس المستقيم: أي الميزان السوي المعتدل.
ولا تبخسوا الناس أشياءهم: أي لا تنقصوهم من حقوقهم شيئاً.
ولا تعثوا في الأرض مفسدين : أي بالقتل والسلب والنهب.
والجبلة الأولين : أي والخليقة أي الناس من قبلكم.
معنى الآيات:
هذه بداية قصص شعيب عليه السلام مع أصحاب الأيكة
والأيكة الشجر الملتف كشجر الدوم وهذه الغيضة قريبة من مدينة مدين وشعيب أرسل لهما معاً
وفي سورة هود {وإلى مدين أخاهم شعيباً} لأنه منهم ومن مدينتهم فقيل له أخوهم، وأما أصحاب الأيكة جماعة من بادية مدين كانت لهم أيكة من الشجر يعبدونها تحت أي عنوان كعبدة الأشجار والأحجار في كل زمان ومكان، فبعث الله تعالى إليهم شعيباً فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه فكذبوه وهو قوله تعالى:
{كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون}
أي اتقوا الله وخافوا عقابه
{إني لكم رسول أمين} فاتقوا الله بعبادته وترك عبادة ما سواه وأطيعون أهدكم إلى ما فيه كمالكم وسعادتكم {وما أسألكم عليه} أي على بلاغ رسالة ربي إليكم أجراً أي جزاء وأجرة {إن أجري} أي ما أجري إلا على رب العالمين.
وأمرهم بترك أشهر معصية كانت شائعة بينهم وهي تطفيف الكيل والوزن فقال لهم :{أوفوا الكيل} أي أتموها ولا تنقصوها
{ولا تكونوا من المخسرين} أي الذين ينقصون الكيل والوزن
{وزنوا} أي إذا وزنتم {بالقسطاس المستقيم} أي بالميزان العادل،
{ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي لا تنقصوهم من حقوقهم شيئاً فما يساوي ديناراً لا تعطوا فيه نصف دينار وما يساوي عشرة لا تأخذوه بخمسة مثلاً ومن أجرته اليومية عشرون لا تعطوه عشرة مثلاً،
{ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي ولا تفسدوا في البلاد بأي نوع من الفساد كالقتل والسلب ومنع الحقوق وارتكاب المعاصي والذنوب {واتقوا الذي خلقكم} أي الله فخافوا عقابه
{والجبلة الأولين } أي وخلق الخليقة من قبلكم اتقوه بترك الشرك والمعاصي تنجوا من عذابه، وتظفروا برضاه وإنعامه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- الأمر بالتقوى فريضة كل داع إلى الله تعالى وسنة الدعاة والهداة إذ طاعة الله واجبة.
2- لا يصح لداع إلى الله أن يطلب أجره ممن يدعوهم فإن ذلك ينفرهم.
3- وجوب توفية الكيل والوزن وحرمة التطفيف فيهما.
4- حرمة بخس الناس حقوقهم ونقصها بأي حال من الأحوال.
5- حرمة الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الحادي و العشرون من تفسير سورة الشعراء))

{قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنتَ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)}.
شرح الكلمات:
إنما أنت من المسحرين: أي ممن يأكلون الطعام ويشربون فلست بملك تطاع.
وإن نظنك لمن الكاذبين: أي وما نحسبك إلا واحداً من الكاذبين.
فأسقط علينا كسفاً: أي قطعاً من السماء تهلكنا بها إن كنت من الصادقين فيما تقول.
عذاب يوم الظلة: أي السحابة التي أظلتهم ثم التهبت عليهم ناراً.
إن في ذلك لآية : أي لعبرة وعلامة عبرة لمن يعتبر وعلامة دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
معنى ا لآيات:
ما زال السياق الكريم في قصص شعيب عليه السلام مع أصحاب الأيكة وأهل مدين إنه لما ذكرهم ووعظهم وأمرهم كان جوابهم ما أخبر به تعالى عنهم في قوله:
{قالوا إنما أنت} أي يا شعيب {من المسحرين} الذي غلب السحر على عقولهم فلا يدرون ما يفعلون وما لا يقولون كما أنك بشر مثلنا تأكل الطعام وتشرب الشراب فما أنت بملك من الملائكة حتى نطيعك،
{وإن نظنك} أي وما نظنك إلا من الكاذبين من الناس
{فأسقط علينا كسفاً} أي قطعاً من السماء تهلكنا بها {إن كنت من الصادقين} في دعوى أنك رسول من الله إلينا.
فأجابهم قائلاً بما ذكر تعالى :
{قال ربي أعلم بما تعملون} ولازم ذلك أنه سيجازيكم بعملكم قال تعالى {فكذبوه} في كل ما جاءهم به واستوجبوا لذلك العذاب {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} فقد أنزل الله تعالى عليهم حراً شديداً التهب منه الجو أو كاد فلجأوا إلى المنازل والكهوف والسراديب تحت الأرض فلم تغن عنهم شيئاً، ثم ارتفعت في سماء بلادهم سحابة فذهب إليها بعضهم فوجدها روحاً وبرداً وطيباً فنادى الناس أن هلموا فجاءوا فلما اجتمعوا تحتها كلهم انقلبت نارا فأحرقتهم ورجفت بهم الأرض من تحتهم فهلكوا عن آخرهم.
قال تعالى {إن في ذلك لأية} أي علامة لقومك يا محمد على قدرتنا وعلمنا ووجوب عبادتنا وتصديق رسولنا ولكن أكثرهم لا يؤمنون لما سبق في علمنا أنهم لا يؤمنون، وإن ربك يا محمد لهو العزيز أي الغالب على أمره الرحيم بمن تاب من عباده.
هداية الآيات
من هداية الآيات
1- هذا آخر سبع قصص ذكرت بإيجاز تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديداً للمشركين المكذبين.
2- دعوة الرسل واحدة وأسلوبهم يكاد يكون واحداً: الأمر بتقوى الله وطاعة رسوله.
3- سنة تعلل الناس بأن الرسول لا ينبغي أن يكون بشراً فلذا هم لا يؤمنون.
4- المطالبة بالآيات تكاد تكون سنة مطردة، وقل من يؤمن عليها.
5- تقرير التوحيد والنبوة والبعث وهي ثمرة كل قصة تقص في هذا القرآن العظيم.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثاني و العشرون من تفسير سورة الشعراء))

{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ (201)}.
شرح الكلمات:
وإن لتنزيل رب العالمين: أي القرآن الكريم تنزيل رب العالمين.
الروح الأمين : جبريل عليه السلام أمين على وحي الله تعالى.
وإنه لفي زبر الأولين: أي كتب الأولين، واحد الزبر: زبرة وكصفحة وصحف.
أولم يكن لهم آية : أي علامة ودليلاً علم بني إسرائيل به.
على بعض الأعجمين: الأعجمي من لا يقدر على التكلم بالعربية.
كذلك سلكناه: أي التكذيب في قلوب المجرمين من كفار مكة.
معنى الآيات:
لقد أنكر كفار مكة أن يكون القرآن وحياً أوحاه الله تعالى وبذلك أنكروا أن يكون محمد رسول الله، ومن هنا ردوا عليه كل ما جاءهم به من التوحيد وغيره، فإيراد هذا القصص يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم وهو لا يقرأ ولا يكتب دال دلالة قطعية على أنه وحي إلهي أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو بذلك رسوله.
فقوله تعالى {وإنه} أي القرآن الذي كذب به المشركون {تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين} جبريل عليه السلام {على قلبك} أي الرسول لأن القلب هو الذي يتلقى الوحي إذ هو محط الإدراك والوعي والحفظ، وقوله {لتكون من المنذرين} هو علة لنزول القرآن عليه وبه كان من الرسل المنذرين.
وقوله {وإنه لفي زبر الأولين} أي القرآن مذكور في الكتب الإلهية التي سبقته كالتوراة والإنجيل.
وقوله تعالى {أو لم يكن لهم} أي لكفار قريش {آية} أي علامة على أن القرآن وحي الله وكتابه وأن محمداً عبدالله ورسوله {أن يعلمه علماء بنى إسرائيل} أي علم بني إسرائيل به كعبد الله بن سلام فقد قال والله إني لأعلم أن محمداً رسول أكثر مما أعلم أن فلاناً ولدي، لأن ولدي في الإمكان أن تكون أمه قد خانتني أما محمد فلا يمكن أن يكون غير رسول الله وفيهم قال تعالى: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} ومن عرف محمداً رسولاً عرف القرآن وحياً إلهياً.
وقوله تعالى {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} أي وبلسان عربي مبين فكان ذلك آية، وقرأه عليهم الأعجمي، ما كانوا به مؤمنين.
أي من أجل الأنفة والحمية إذ يقولون أعجمي وعربي؟ وقوله تعالى: {كذلك سلكناه} أي التكذيب وعدم الإيمان {في قلوب المجرمين} أي كما سلكنا التكذيب في قلوب المجرمين لو قرأ القرآن عليهم أعجمي سلكناه أي التكذيب في قلوب المجرمين إن قرأه عليهم محمد صلى الله عليه وسلم والعلة في ذلك هي أن الإجرام على النفس بارتكاب عظائم الذنوب من شأنه أن يحول بين النفس وقبول الحق لما ران عليها من الذنوب وأحاط بها من الخطايا.
وقوله {لا يؤمنون به} تأكيد لنفي الإيمان حتى يروا العذاب الأليم أي يستمر تكذيبهم بالقرآن والمنزل عليه حتى يروا العذاب الموجع، وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم ولا هم ينظرون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير معتقد الوحي الإلهي والنبوة المحمدية.
2- بيان أن جبريل هو الذي كان ينزل بالوحي القرآني على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
3- تقرير النبوة المحمدية وأن محمداً من المنذرين.
4- بيان أن القرآن مذكور في الكتب1 السابقة بشهادة علماء هل الكتاب.
5- إذا تراكمت آثار الذنوب والجرائم على النفس حجبتها عن التوبة ومنعتها من الإيمان.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثالث والعشرون من تفسير سورة الشعراء))

{فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)}.
شرح الكلمات:
هل نحن منظرون : أي ممهلون لنؤمن. والجواب قطعاً: لا لا..
أفرأيت: أي أخبرني.
إن متعناهم سنين: أي أبقينا على حياتهم يأكلون ويشربون وينكحون.
ما كانوا يوعدون : أي من العذاب.
ما أغنى عنهم: أي أي شيء أغنى عنهم ذلك التمتع الطويل لا بدفع العذاب ولا بتخفيفه.
إلا لها منذرون : أي رسل ينذرون أهلها عاقبة الكفر والشرك.
ذكرى: أي عظة.
وما تنزلت به الشياطين: أي لا يتأتى لهم ولا يصلح لهم أن يتنزلوا به.
وما يستطيعون : أي لا يقدرون.
إنهم عن السمع : أي لكلام الملائكة لمعزولون.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير النبوة المحمدية واثبات الوحي.
لقد جاء في السياق أن المجرمين لا يؤمنون بهذا القرآن حتى يروا العذاب الأليم.
فيأتيهم بغتة أي فجأة وهم لا يشعرون أي لا يعلمون به حتى يفاجئهم. فيقولون حينئذ: {هل نحن منظرون} أي يتمنون به أن لو يمهلوا حتى يؤمنوا ويصلحوا ما أفسدوا.
وقوله تعالى :{أفبعذابنا يستعجلون} عندما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: {لن نؤمن لك حتى تننزل علينا كسفاً من السماء} أي قطعاً، أحُمق هم أم مجانين يستعجلون عذاب الله الذي إن جاءهم كان فيه حتفهم أجمعين؟ ثم قال لرسوله:
{أفرأيت} يا رسولنا {إن متعناهم سنين} بأن أطلنا أعمارهم ووسعنا في أرزاقهم فعاشوا سنين عديدة ثم جاءهم عذابنا أي أخبرني هل يغني ذلك التمتع عنهم شيئاً؟ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون أي لم يغن عنهم شيئاً لا بدفع العذاب ولا بتأخيره ولا بتخفيفه.
وقوله تعالى {وما أهلكنا من قرية} كتلك القرى التي مر ذكرها في هذه السورة {إلا لها منذرون} أي كان لها رسل ينذرون أهلها عقاب الله إن أصروا على الشرك والكفر والشر والفساد.
وقوله {وذكرى} أي عظة لعلهم يتعظون. وقوله {وما كنا ظالمين} في إهلاك من أهلكنا بعد أن أنذرنا.
ونزل رداً على المشركين المجرمين الذين قالوا إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم كما يأتون للكهان بأخبار السماء. {وما تنزلت به الشياطين} كما يزعم المكذبون {وما ينبغي لهم} أي للشياطين أي لا يصلح لهم ولا يتأتى منهم ذلك لأنهم معزولون عن السماع، أي سماع كلام الملائكة إذ أرصد الله تعالى شهباً حالت بينهم وبين السماع ومن السماع فلذا دعوى المشركين باطلة من أساسها.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان أن المجرمين إذا شاهدوا العذاب تمنوا التوبة ولا يمكنون منها.
2- بيان أن استعجال عذاب الله حمق ونزغ في الرأي وفساد في العقل.
3- بيان أن طول العمر وسعة الرزق لا يغنيان عن صاحبها شيئاً من عذاب الله إذا نزل به.
4- بيان سنة الله تعالى في أنه لا يهلك أمة إلا بعد الإنذار والبيان.
5- إبطال مزاعم المشركين في أن القرآن من جنس ما يقوله الكهان، وأن الشياطين تتنزل به.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الرابع والعشرون من تفسير سورة الشعراء))

{فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)}.
شرح الكلمات:
فلا تدع مع الله إلهاً آخر: أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر، لأن الدعاء هو العبادة.
وأنذر عشيرتك الأقربين : وهم بنو هاشم وبنو عبد لمطلب.
و خفض جناحك: أي ألن جانبك.
فإن عصوك: أي أبوا قبول دعوتك إلى التوحيد، ورفضوا ما تدعوهم إليه.
فقل إني بريء مما تعملون: أي من عبادة غير الله سبحانه وتعالى.
الذي يراك حين تقوم : أي إلى الصلاة فتصلي متهجداً بالليل وحدك.
وتقلبك في الساجدين : أي ويرى تقلبك مع المصلين راكعاً ساجداً قائماً.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في طلب هداية قريش قوم محمد صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى: {فلا تدع مع لله إلهاً آخر فتكون من المعذبين} فيه إيحاء وإشارة واضحة بأنه تعريض بالمشركين الذين يدعون آلهة أصناماً وهي دعوة توقظهم من نومتهم إنه إذا كان رسول الله ينهى عن عبادة غير الله وإلا يعذب مع المعذبين فغيره من باب أولى فكأن الكلام جرى على حد إياك أعني واسمعي يا جارة!!
وقوله تعالى :{وأنذر عشيرتك الأقربين} أمر من الله لرسوله أن يخص أولاً بإنذاره قرابته لأنهم أولى بطلب النجاة لهم من العذاب، وقد امتثل الرسول أمر ربه فقد ورد في الصحاح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لما أنزل عليه {وأنذر عشيرتك الأقربين} قال "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله "
يعني بالإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي
" فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبدالمطلب لا أغني عنكم من الله أي من عذابه شيًء, يا عباس بن عبدالمطلب ,لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا ً.
وقولي تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} أمره أن يلين جانبه للمؤمنين وأن يعطف عليهم ويُطايبهم ليرسخ الإيمان في قلوبهم ويسلموا من غائلة الردة فيما لو عوملوا بالقسوة والشدة وهم في بداية الطريق إلى الله تعالى
وقوله تعالى: {فإن عصوك} أي من أمرت بدعوتهم إلى توحيد الله وعبادته وخلع الأنداد والتخلي عن عبادتها {فقل إني بريء مما تعملون} أي من عبادة غير الله تعالى وغير راض بذلك منكم ولا موافق عليه لأنه شرك حرام وباطل مذموم.
وقوله تعالى {وتوكل على العزيز} أي الغالب القاهر الذي لا يمانع في شيء يريده الرحيم بالمؤمنين من عباده، والأمر بالتوكل هنا ضروري لأنه أمره بالبراءة من الشرك والمشركين وهي حال تقتضي عداوته والكيد له بل ومحاربته ومن هنا وجب التوكل على الله والاعتماد عليه، وإلا فلا طاقة له بحرب قوم وهو فرد واحد .
وقوله :{الذي يراك حين تقوم} أي في صلاتك وحدك {وتقلبك في الساجدين} ويرى تقلبك قائماً وراكعاً وساجداً مع المصلين من المؤمنين، بمعنى أنه معك يسمع ويرى فتوكل عليه ولا تخف غيره وامض في دعوتك ومفاصلتك للمشركين.
وقوله {إنه هو السميع العليم} تقرير لتلك المعية الخاصة إذ السميع لكل صوت والعليم بكل حركة وسكون يحق للعبد التوكل عليه وتفويض الأمر إليه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير التوحيد، وحرمة دعاء غير الله تعالى من سائر مخلوقاته لأنه الشرك الحرام.
2- من مات يدعو غير الله فهو معذب لا محالة مع المعذبين.
3- تقرير قاعدة البدء بالأقارب في كل شيء لأنهم ألصق بقريبهم من غيرهم.
4- مشروعية لين الجانب والتواضع للمؤمنين لاسيما الحديثو عهد بالإسلام.
5- وجوب البراءة من الشرك وأهله.
6- وجوب التوكل على الله والقيام بما أوجبه الله تعالى.
7- فضل قيام الليل وصلاة الجماعة لما يحصل للعب من معية الله تعالى.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الخامس والعشرون والأخير من تفسير سورة الشعراء))

{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227)}.
شرح الكلمات
أنبئكم: أي أخبركم.
أفاك أثيم: أي كذاب يقلب الكذب فيكون إفكاً أثيم غارق في الآثام.
يلقون السمع: أي يلقون أسماعهم ويصغون أشد الإصغاء للشياطين فيتلقون منهم مما أكثره كذب وباطل.
الغاوون: جمع غاو: الضال عن الهدى الفاسد القلب والنية.
في كل واد : أي من أودية الكلام وفنونه.
يهيمون :أي يمضون في كل شعب وواد من الكلام مدحاً أو ذماً كان صدقا ً أو كذباً.
يقولون ما لا يفعلون : أي يقولون فعلنا وهم لم يفعلوا.
وانتصروا من بعد ما ظلموا: أي قالوا الشعر انتصارا ً للحق بأن ردوا على من هجا المسلمين.
أي منقلب ينقلبون : أي مرجع يرجعون بعد الموت وهو دار البوار جهنم.
معنى الآيات:
لما ادعى المبطلون من مشركي قريش أن الرسول يتلقى من الشياطين كما تتلقى الكهان منهم رد تعالى عليهم بقوله:
{هل أنبئكم على من تنزل الشياطين؟} وأجاب عن السؤال قائلاً {تنزل على كل أفاك} كذاب يقلب الكذب قلباً فيقول في الظالم عادل، وفي الخبيث طيب، وفي الفاسد صالح، {أثيم} أي كثير الآثام إذ لم يترك جريمة إلا يقارفها ولا سيئة إلا يجترحها حتى يغرق في الإثم فهذا الذي تتحد معه الشياطين وتلفي إليه بما تسمعه من السماء لكونه مثلها في ظلمة النفس وخبث الروح، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فهو أبعد الناس عن الكذب والإثم فلم يجرب عليه كذب قط ولم يعرف منه ذنب أبداً فكيف تتحد معه الشياطين وتخبره وتلقي إليه بخبر السماء؟ وبهذا بطلت التهمة وقوله:
{يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} أي إن الشياطين قبل أن يحال بينهم وبين استراق السمع بإرصاد الشهب لهم كانوا يلقون أسماعهم للحصول على الخبر وأكثرهم كاذبون حيث يخلطون مع الكلمة التي سمعوها مائة كلمة كلها كذب منهم ويلقون ذلك الكذب إلى إخوانهم في الكفر والخبث من كهنة الناس.
وقوله تعالى :{والشعراء يتبعهم الغاوون} أي أهل الغواية والضلال هم الذين يتبعون الشعراء فيروون لهم وينقلون عنهم، ويصدقونهم فيما يقولون.
والدليل على ذلك {أنهم} أي الشعراء {في كل واد} من أودية الكلام وفنونه {يهيمون} على وجوههم ماضين في قولهم فيمدحون ويذمون، يهجون، ويفخرون، ويدعون أنهم فعلوا كذا وكذا وما فعلوا فهل محمد صلى الله عليه وسلم الذي اتهمتموه بأنه شاعر وما يقوله من جنس الشعر أتباعه غاوون انظروا إليهم واسألوا عنهم فإنهم أهدى الناس وأبرهم فعلاً وأصدقهم حديثاً وأبعدهم عن الريبة، فلو كان محمد شاعراً وما لكان أتباعه الغاوين فبذا بطلت الدعوى من أساسها.
وقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعدما ظلموا} إنه لما ذم الشعراء، استثنى منهم أمثال: عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت ممن آمنوا وعملوا الصالحات وانتصروا يردون هجاء المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينافحون عن الإسلام وأهله بشعرهم الصادق النقي الطاهر الوفي.
وقوله تعالى {وسيعلم الذين ظلموا} رسول الله باتهامه بالكهانة مرة وبالشعر مرة أخرى وظلموا الوحي الإلهي بوصفه بما هو بعيد عنه من الكهانة والشعر { أي منقلب ينقلبون} أي أي مرجع يرجعون إليه، إنه النار وبئس القرار.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- إبطال فرية المشركين من أن القرآن من جنس ما يقوله الكهان.
2- إبطال أن الرسول صلى الله عليه وسلم كاهن وشاعر.
3- بيان أن الشياطين تتحد مع ذوي الأرواح الخبيثة بالإفك والآثام.
4- بيان أن الشعراء المبطلين أتباعهم في كل زمان ومكان الغاوون الضالون.
5- جواز نظم الشعر وقوله في تقرير علم أو تسجيل3 حكمة، أو انتصار4 للإسلام والمسلمين بالرد على من يهجوا الإسلام والمسلمين.
6- التحذير من عاقبة الظلم فإنها وخيمة.
أخر ما تيسر من تفسير سورة الشعراء
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .